home
tri
tri
focus
الثورة الليبية .. بشاعة المشهد الأخير

الثورة الليبية .. بشاعة المشهد الأخير


د.أحمد النواس

كثيرة هي النقاشات التي دخلتها دفاعاً عن ثورة الشعب الليبي , باعتباري أقمت طويلاً في ليبيا وعايشت الأسابيع الأولى لقيام الثورة , وكم أثارت أعجابي  شجاعة الليبيين الذي خرجوا ولم يكونوا جياعاً لطلب الحرية والكرامة خصوصاً وأن القذافي واجههم ومن البداية بغاية القسوة مستخدما ً البنادق الالية الثقيلة التي تستخدم في مقاومة الطائرات لضرب المدنيين العزّل , وعايشت كيف تحوّلت الثورة الى حمل السلاح وهنا ايضا ً اثبت الليبيون شجاعة اسطوريّة ,, فكانت المشاهد الأولى لهذه الثورة مشاهد رائعة للغاية إلا أننا اذا اعتبرنا أن مقتل القذافي هو المشهد الأخير باعتبار أن الشعب كان يريد اسقاط القذافي ,, فلا شك ولا ريب أنه كان مشهدا ً بشعاً
ولم يأت كتتويج مناسب لروعة المشاهد الأولى .
القذافي أمسك به سليما ً وفي حالة وعي تام وتعرّض للضرب المبرح وسط فوضى عارمة وصراخ هستيري وانعدام واضح لتراتبية قيادية  وعدم سيطرة من قبل مرتدي أربطة العنق في بنغازي وطرابلس على حاملي السلاح المنتشرين في كل شوارع ليبيا .
ولعل ما تعرض له القذافي هو دين كان في عنقه تاريخيا فلقد تجبّر وطغى وتكبّر وخاض في دماء كثيرة طيلة 42 عاماً , ولعل صدام حسين كان سيتعرض لهذا أو أكثر لو وقع في أيدي العراقيين ولعل القذافي كان يتمنى في تلك اللحظة لو أن الناتو في الأرض وليس في السماء ليلقي عليه القبض بواسطة جيش نظامي غربي فيعامل معاملة مهما كانت فانها ستوصف بالحسنة والكريمة اذا ما قورنت بما مر خلاله في ساعته الأخيرة أو قل أقل من ساعة , فالواضح أن القوم لم يمهلوه فبعد ضرب مبرح وسب وشتم وبصاق وتشفي حيث لم يغب صفع ولم يدّخر ركل أنهت اطلاقة في الرأس حياة القذافي بمشهد فيه ما سيثير الكثيرين داخل ليبيا .
وبطريقة مشابهة قـُتل المعتصم القذافي  بعدأن ألقي القبض عليه حيّا بل أن المعتصم كان جالسا يدخن في لقطة ليظهر مقتولاً في أخرى مما يجعل المسألة لاتبدو عفوية ً أبداً بل هي اقرب لأن تكون منهجية ً .
أتذكر ان الليبيين كانوا من أكثر الناس تعاطفاً مع صدام حسين وما أكثر الملصقات التي انتشرت في الشوارع الليبية وهي تصفه بالشهيد وتصوّر حبل المشنقة برباط العنق وكم جادل كثير من أصدقائي الليبيين بأن المشكلة هي أنهم يتعاطفون مع قائد عربي قتل بتدخل غربي وخصوصا أميركي , فما أشبه اليوم بالبارحة فنحن لا يمكن أن نتخيل أو أن نعقل (وهذا ما شاهدته على الأرض وتابعه العالم عبر وسائل الاعلام )أن تتم ازاحة القذافي لولا تدخل الناتو وبالذات الدور الأميركي ( معلومة وثائقية : كتائب القذافي قامت بهجومها المضاد واستطاعت أن تدخل في الجزء الغربي من بنغازي وهنا بدأ التدخل الغربي الذي أنقذ بنغازي من مجزرة رهيبة وأنقذ الثورة التي كانت ستنتهي بسقوط بنغازي  وفي تلك الحملة التي أنهت كتائب القذافي بقصف مكثّف نثر رماد تلك الكتائب من مداخل بنغازي حتى اجدابيا على بعد 160 كم جنوب غرب بنغازي , وبحسب مصادر الناتو فإن ثلثي الغارات التي زادت على ال300 بقليل كان ثلثيها أميريكيا فيما اشترك كل الناتو في الثلث الباقي ,اما صواريخ كروز التي اطلقت في تلك الهجمة الانقاذية فكانت 112 مائة منها أميريكية و12 بريطانية ,,) وحتى في المشهد الأخير كانت هناك غارة للناتو قصفت موكب القذافي مما اضطره الى الدخول في مجرى الماء تحت الشارع العام ليقطف الثوار هذه الثمرة بعد أن طال انتظارهم لها .
ومن الملاحظات اللافتة حول ما شاهدناه من دقائق القذافي الأخيرة ,هو تلك الهتافات التي كانت تنادي مصراتة مصراتة , ولم نسمع ليبيا ليبيا , ثم هذا الاصرار من قبل ثوار مصراتة على جعل المسألة مناطقية وليست وطنية ثم الاصرار الى نقل الجثث الى مصراتة تحديداً بما ينذر بما لايحمد عقباه في مرحلة تقاسم الغنائم وتوزيع المناصب.
ولابد من الإشارة ايضا الى مشاهد الاحتفالات حول الجثث والتصوير معها بطريقة غير لائقة أو رفع رأس جثة القذافي للكاميرات من خلال شد شعره أو وضع الحذاء على وجه المعتصم والهتافات والصياح الذي رافق كل ذلك ثم الاعلان عن النية عن دفنهم في مكان مجهول في مصراتة  ليلاً وفي كل هذا تجاهل بل تحدي واضح لمشاعر قبيلة القذاذفة التي طالبت فعلاً فيما بعد بتسلم جثث أبناءها .
كيف يمكن أن تنادي بالتسامح وتدعو له بعد كل هذه الصور التي غارت عميقاً في وعي ولاوعي فئة من الليبيين مهما كان حجمها .
التسامح هو أن تبادر بتصرفات توحي بانك جاد في الدعوة للتسامح
عموماً هناك فاصلة كبيرة وهوّه بين فئات وطبقات في الشعب الليبي وداخل الثورة الليبية بدت جلية في العشرين من أكتوبر الذي هو بلاشك يوم مشهود في التاريخ الليبي .
أقول هذا وأنا  أتمنى لليبيا  مستقبلاً أفضل  وأن تكون فعلاً حرة بعد أربعة عقود من حكم فردي تسلّطي استخف بكرامة الشعب  الليبي واستبد به  بل وأثـّر حتى في البنية الأخلاقية   لهذا الشعب الذي أشهد أنه يحمل من المعاني الجميلة والثراء النفسي  مايستحق معه حاكماً ونظاماً  أفضل من القذافي ونظامه .

الأحد 23 / 10 / 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان