home
tri
tri
focus
السرقات الأدبية بين العقوبة وتأنيب الضمير

السرقات الأدبية بين العقوبة وتأنيب الضمير


منصور بسيم الذويب ــ بغداد

من الإنصاف أن نقول أن أكثر الأمور التي تؤرق الكاتب ، أن يسرق نتاجه وينشر بإسم شخص آخر ، خصوصاً إن كان هذا الشخص من أدعياء الأدب والصحافة ، أو ممن أعيتهم الحيلة عن كتابة مقالة أو قصة ناجحة تصلح للنشر ، والأمر أشد إيلاماً عند حدوث هذه السرقة قبل أن يفلح الكاتب في نشر نتاجه في صحيفة أو مجلة أو كتاب ، ليتسنى له أن يثبت حقه الفكري في أن ينسب هذا النتاج الى إسمه ، فنتاجات الكاتب قطع من نفسه ، وأعز عنده من ماله وولده أحياناً . ولأهمية هذا الموضوع الخطير ، أجريت إستطلاعاً لآراء نخبة من النقاد والكتاب والمثقفين ، الذين صرحوا بمكنوناتهم ، دون مداراة أو خشية من أحد حيال هذه الظاهرة التي تشكل سبّة ، قد تلحق ( بالكاتب ) طوال حياته ، بل قد يتعدى ذلك الى ما بعدها . الصدفة وحدها هي التي قادتني لإجراء هذا الإستطلاع ، فبينما أنا جالس في ملتقى المستقبل الثقافي في بغداد ، إستفزتني حالة أثرت بي ، جعلتني أسارع في إجراء هذا الإستطلاع وأنتهز فرصة وجود مرتادي الملتقى من المثقفين ، فما أذكر أني كتبت نتاجاً ، قصة كانت أو مقالة ، إلاّ رد فعل لصدام مع واقع مؤلم أو حالة مأساوية أعايشها ، وعلى كل حال لنا أن نقول : هل تستحق سرقة جهود الغير لأن يعاقب مرتكبها عقوبة مادية ، أم أنّ تأنيب الضمير ، وازدراء الغير أعظم عقوبة له ..
كانت الأسئلة التي وجهتها تدور حول مفهومين ، أولهما : عن التعرف على النص الأدبي المسروق ، هل هو ميسور ، ام يتطلب مهارات ومواهب لا تتوفر لدى القاريء العادي ؟ والثاني : كيف يتم إكتشاف السارق إن أجاد تمويه النتاج بالزيادة والنقصان ، محاولاً طمس معالمه الأصلية ، وكيف تكون عقوبة الجاني ؟ هل تكون معنوية ؟ أم بوسائل مادية أخرى ؟ أم بالغرامة ؟ عن كل ذلك أجابت نخبة من النقّاد والتربويين والأكاديميين والكتاب بما يلي :

الكاتب أحمد محمد أحمد

أجل يمكن للناقد الحصيف أن يميز النص والإسم بعد القراءة الدقيقة ، وهذا يعتمد على قوة ملاحظته وسعة ذاكرته وخزينه المعرفي والثقافي ، ويتساءل الكاتب أحمد محمد في نفس الوقت ويقول : ولكن كم هو عدد هؤلاء الأذكياء الحصفاء ؟ وكأنه يجيب هو نفسه عن سؤاله ويقول : إنهم قليل ! ويضيف بأن عقوبة السراق تكون بإنشاء هيئة شبيهة بمحكمة التحقيق ، لها قوانينها الخاصة وخبراؤها ، فعندما يشك في نص مسروق ، يصار الى تحويله الى تلك الهيئة ، حتى تصدر لاثحة إتهام أو براءة ، أمّا العقوبات ، فهي من إختصاص المحاكم القضائية التي تعتمد على قرار التحقيق المشار اإليه آنفاً . خالد شويش : انا ادعو الزملاء المشرفين بأن يتعاملوا بحذر مع النصوص التي تردهم .

خالد شويش القطان / شاعر

في البدء نقول أن السرقة الأدبية وفي مجالات الإبداع كافة ، أصبحت ظاهرة مستشرية في بعض الصحف وعلى شبكة الأنترنيت ، وهي ظاهرة مذمومة تسيء الى من يتعاطاها ، ولسوف يفضح السارق ولو بعد حين . نعم من الممكن التعرف على النص المسروق ، إذا كان القاريء نبهاً ويحمل ثقافة واسعة متأتية من قراءاته المتراكمة ، ويستطيع تشخيص عائدية النص ، وتقع مسؤولية نشر النص المسروق بالأساس على المشرف على الصفحة الثقافية للمطبوع ، وبهذه المناسبة فأنا أدعو الزملاء المشرفين أن يتعاملوا بحذر مع النصوص التي تردهم ، وبخاصة تلك التي ترد عن طريق البريد الألكتروني . من الصعب القضاء على ظاهرة السرقات الأدبية ، لأن البعض من أنصاف المثقفين الذين يفتقرون الى الموهبة قد استسهلوا هذا الأمر واستمرأوا هذه اللعبة التي تسيء الى الثقافة والى المبدعين ، أما عقوبة هؤلاء فهي تعريتهم وفضحهم وعدم التعامل معهم في نشر نصوصهم ، حتى يكونوا عبرة للاخرين ، ومن حق المبدع الذي يعثر على نصه وقد رفع عليه أسم آخر ، أن يرفع دعوى قضائية تعيد له حقوقه وتقتص ممن تجاوز على حقه الفكري .

الكاتب هشام الجاف

احدهم فاز بالجائزة الاولى بقصة تعود الى القاص المصري يوسف ادريس . هشام الجاف / كاتب: روى لنا أنه في إحدى المرات تقدم ( أديب ) لمسابقة أجرتها إحدى الإذاعات العراقية بقصة تعود للقاص المصري المعروف ( يوسف إدريس ) ، وقد فاز بالجائزة الأولى في تلك المسابقة ، و تعلل ذلك السارق بعذر مفاده أنه لم يكن يقصد الغش والسرقة ، إنما كان يريد أن يثبت نظريته حول جهل وقلة ثقافة القائمين على التحكيم في تلك اللجنة المشرفة !

الكاتب فاضل الخياط

الدليل على عائدية النص ، اسلوب الكاتب وتأريخه وسماته الشخصية . يمكن التعرف على النص الأدبي لهذا الأديب أو ذاك ، ومن خلال ذلك يمكن التعرف على هذه السرقة ، فالدليل على عائدية النص ، أسلوب الكاتب وتأريخه وسماته الشخصية ، فتأريخ الكاتب وثيقة ، والوثائق تعلن عن صدقية الكاتب ، وصاحب النص هو الناشر الأول ، والناشر الثاني هو السارق ، كما يمكن عقد مناظرة بين الطرفين للإستدلال على صاحب النص الأصلي ، ويمكن الكشف عن النص المختلس بمجالسة طرفي الخصومة إن كانا حاضرين ، وجلب وثائقهما ، ومعرفة من هو صاحب الفكرة ، لأن صاحبها هوالكاتب الحقيقي للنص . ويعتقد الكاتب ( الخياط ) بأن العقوبة والتعويض يكونان مادياً ومعنوياً ، فتعويض الكاتب الأصلي للنص ، يكون بتسهيل نشر كل دفاعاته وآرائه ووجهات نظره ، في مختلف المنابر ، وتغريم سارق النص كل ما جناه من مبالغ مالية تحققت عند نشره النص المسروق ، لكي لا يكررها مرة أخرى .

عبد الرزاق حسين النداوي

ليس من السهل ألكشف عن النص المسروق ، سيما ونحن في عصر تكنلوجيا المعلومات التي أتاحت للجميع النشر والإطلاع معاً ، فالمسألة في غاية التعقيد ، ويحكمها جانب أخلاقي أكثر مما هو معرفي ، وربما يكون لتداعيات الوضع العراقي الحالي ما يسّر شيوع هذه الظاهرة واستفحالها . وليس لدينا من سبيل لمعاقبة السراق في مجال الإبداع والمعرفة ، في ظل غياب تشريع يحفظ حقوق المبدع من السرقة والتطاول واختلاسات الغير . ومن الضرورة تعامل المثقفين عموماً ودور النشر والصحافة خصوصاً مع من يثبت تورطهم في السرقة ، من خلال الإحجام عن نشر مواضيعهم والتنويه عنهم في الصحف والمجلات ، وبذلك نستطيع أن نحد من إستفحال هذه الظاهرة ، ولا أحسب أن هناك إمكانية للقضاء عليها بوجود أشخاص من هذا الصنف لهم القدرة على إبتكار طرق ووسائل جديدة تقيهم الفضيحة . جبار حسين صبري : سيخضع السارق لتأنيب الضمير واحتقار الذات .

جبار حسين صبري/ ناقد

ليس أيسر من كشف السرقات الأدبية ، فالنص مهما كان شكله ، فهو يحمل علناً أو ضمناً صورة منتجه ، وتلك الصورة تتجلى في كل خط وحرف وكلمة وجملة ، وهذه الصورة لما تحمله من صراخات وصيحات تدق نواقيس حضورها في كل سطر ، وبذلك يفصح النص عن صورة صاحبه . أما العقوبة لهؤلاء فاعتقد أنها ساقطة عنه كونه قد سقط مع نفسه بنفسه ، وسيخضع لتأنيب الضمير واحتقار الذات ، وبالتالي فإن الصورة التي تنطبع في ذهن القراء ، ستكون لمثل هذه النماذج شوهاء مملوءة بالقباحة. سعد مطر عبود : التراكم المعرفي والابداعي يؤدي الى بروز الهوية الابداعية للقاص او المبدع .

سعد مطر عبود/ ناقد
يمكن التعرف على مقاطع النص الأدبي المسروقة من هذا الأديب اوذاك ، عندما يحاول السارق أن يآلف بينها لتكون نتاجاً واحداً ، فمن المؤكد أن هذا ( الكاتب ) القاصر سيخفق وسيخالف بذلك الشكل الفني أنساقه البنيوية ، ( إذا جاء بنيان النص مغايراً للخريطة الجمالية المتفق عليها ) فضلاً عن التناقض في السرد ، أو في الصورة ، أو في الثيمة ، ومن ناحية اخرى هيمنة الحشو أو التضمين ، أو الإقتباس على الإبداع ، وبشكل عام تجد هنالك تناقضات اسلوبية تخلق حيزاً فضفاضاً في الثيمة ، ما يولد الشك في إنتساب النص للمبدع ، ويمكن الكشف عن السرقة في تكرار الحدث ، مع بروز مخالفات في الطرح والرؤية . يقول بوفون : ( الأسلوب هو الرجل نفسه ) فكل أديب أو قاص أوكاتب له خصوصية اسلوبية ، وهذا لم يأت في يوم وليلة ، أو عن عمل أو عملين ، بل نتيجة تراكم معرفي وإبداعي ، الذي بدوره يؤدي الى بروز الهوية الإبداعية للقاص أو المبدع . وإذا ما لمس المتلقي شذوذاً بنيوياً في النص ، وعدم تآلف في النص ، فسيؤدي ذلك الى نفوره منه ، وعدم توحده مع معطياته .

موسى القريشي / أكاديمي

السراق يستغفلون الآخرين ويستبيحون عصارة افكارهم . موسى القريشي / اكاديمي : الصحافة لا تخلو من سرقات للنصوص الأدبية ، لأن في الساحة الأدبية الكثير من ممن يدعي أنه شاعر أو قاص أو كاتب ، ولكن عندما ندرس نتاجه نجده قد سرق من هذا واخذ من ذاك ، ومعيار قياس هذه السرقات هو اسلوب الكاتب نفسه ، فإن كان ممن يعتدي على الغير ويسرق ، نلاحظ أنه يرتقي بإسلوبه مرة ، وأخرى يتدنى الى الحضيض ، كذلك يمكن التعرف على السرقات من خلال إطلاعنا الواسع على نتاجات هؤلاء ، وهذا من شأنه أن يجعلنا نتعرف ونميّز أساليبهم وطريقة كتاباتهم ، وحتى المفردات التي يوظفونها في نصوصهم الأدبية ، والكشف عن هؤلاء مسألة تعود لمتابعي نتاجات هؤلاء ، فالمتابعون وحدهم القادرون على تمييز نتاجاتهم الحقيقية من المسروقة ، لأنهم بمتابعتهم أصبحوا خبراء فيهم ، أمّا الدور الأول في معاقبتهم فيمكن أن تقوم به الصحافة ، لأنها قادرة على تهميشهم ، وعدم السماح لهم بالنشر مرةأخرى بعد ثبوت تورطهم ، لأنهم يستغفلون الآخرين ويستبيحون عصارة أفكارهم ، وفي ذلك إساءة للأدب وللأدباء ، ولذلك فعلى الأوساط الأدبية أن ترفض هؤلاء ، وتمنع التعامل معهم . ليث علي يوسف : هذه الظاهرة تظهر عند انحدار القيم والثقافة . ليث علي يوسف / تشكيلي : هذه الظاهرة تظهر بوضوح جلي عند إنحدار القيم والثقافة ، وعدم وجود الضوابط القانونية الرادعة كما يحصل في وقتنا الحاضر ، والصحفي الذي يحترم قلمه وفكره لا يمكن له أن ينحدر الى هذا الحضيض ، ولكن الطارئين على الساحة الصحفية والثقافية هم من يقومون بهذا العمل المخجل . يجب وضع صيغة قانونية بمعاقبة هؤلاء ، وتشكيل لجنة ثلاثية من الأدباء والصحفيين تأخذ عى عاتقها التحقيق في هذا الأمر ، قبل السوق الى المحكمة ، على أن تتواجد هذه اللجنة في نقابة الصحفيين أو في أي مؤسسة ثقافية اخرى .

علي رضا علي / مخرج

يبقى الضمير الحي هو المتحكم وله القول الفصل في ذلك . علي رضا علي / مخرج مسرحي : ليس من الصعوبة على القاريء الجيد والمطّلع أن يتعرف على النص الأدبي المسروق أو المقتبس ، ولكن ليس هذا هو المهم ، المهم أن يشعر السارق بالخجل من نفسه ، ومن المفترض أن يتحلى الكاتب بأخلاقيات تجعله يراقب نفسه ولا يسمح لها بالتورط في سرقة جملة واحدة ، وأن يصون نفسه ويمنعها من هذا الإنحطاط ، وأن يمنع نفسه إعتبار الإختلاس مفخرة من المفاخر . والمفترض أن تكون هنالك هيئة ، أو جهة مسؤولة قضائياً مخولة ، لها الحق بإحالة مثل هؤلاء السراق الى القضاء ، للنيل منهم ، ولكن كل الدلائل تشير الى عدم وجود المعنيين والمتابعين لمحاسبة ووقف أمثال هؤلاء ، لذلك ترى الأمور سائبة ولا وجود لرقيب حقيقي يحقق ذلك ، بينما يبقى الضمير الحي هو المتحكم الذي له القول الفصل في كل ذلك .

فلاح القريشي / تربوي

يتجاوز من يعجب بمقالة وينسبها لنفسه . فلاح القريشي / كاتب : هذه قضية أخلاقية ، فحينما يعجب شخص ما بمقالة أو بحث ، ويعيد نشره بإسمه ، يكون قد تجاوز على حقوق الغير ، ولكن المشروع في ذلك ، أن يأتي بنص ثري نابع من فكره واسلوبه هو ، وذلك بعد ان يهضم ما قرأه ، ويعيد كتابته بإسلوبه الخاص .

فاضل طلال القريشي / إعلامي

الانترنيت وسيلة للسرقة . فاضل القريشي / كاتب : سارقو النصوص من الأنترنيت معروفون ، لأنهم يكتبون بكل الإتجاهات ، فالكاتب الحق له اسلوبه المعروف للقراء ، ولا يمكن أن تسرق نتاجاته دون أن يكتشفها القراء ، لأن أسلوب الكاتب هو نفسه مهما تنوعت أفكاره ، فالأنسان يسكن البيوت العامرة ، أما الأشباح فإنها تسكن الخرائب .

الكاتب جمعة عبدالله مطلك

على المرجعيات العامة ان تزدري السارق وتعزله. جمعة عبدالله مطلك / كاتب وباحث : أعتقد ان المسألة تتعدى الاخلاق الشخصية الى مرجعيات المجتمع العامة ، ففضلاً عن الانحدار الاخلاقي للسارق ـ الذي لايختلف كثيراً عن نظرائه في التجارة والبيع والشراء ـ فإن المرجعيات العامة التي لا تزدري السارق وتعزله تساعد على بقاء مثل هكذا ظواهر شاذة ،على ان السرقة الادبية تتعدى نسبة نص الى شخص لم يكتبه ، ذلك الى سرقة الافكار بطريقة إعادة التصفيف والبرمجة.

الخاتمة : رغم كل هذه الآراء المتنوعة في تشخيص النص المسروق ، ورغم كل ما أقترح من عقوبات ، فتأنيب الضمير ، وازدراء العيون لمن تجاوز واستهان بحقوق الآخرين ، وظلم نفسه لأنه حمّلها ما لا تطيق ، وطلب منها ما لا تحسن ، حتى سولت له بأمر ترفضه القوانين و الشرائع ويأباه الذوق السليم ، وتأباه النفس العزيزة التي تتنزه عن هذه الأفعال ، كل ذلك هو العقوبة الحقيقية والمؤثرة لأمثال أولئك . منصور بسيم الذويب / بغداد

 

 

 الإثنين 3 / 10 / 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان