home
tri
tri
focus
الروائي والشاعر العراقي نعيم عبد مهلهل : ملحمة جلجامش حملت هاجسا شعريا عاليا..وإفادة الشعر العربي من الأسطورة قليلة

الروائي والشاعر العراقي نعيم عبد مهلهل للوكالة: ملحمة جلجامش حملت هاجسا شعريا عاليا..وإفادة الشعر العربي من الأسطورة قليلة

 حاوره عمر عنّاز

لاشتغالاته الأدبية عمق ثقافي يُخبِر عن مزاوجة متميزة بين القديم بوصفه دالا وبين الجديد بوصفه مدلولا، نجح في الإفادة من المعطى الأسطوري والديني لتجيء اجتراحاته مكتنزة بمعرفية عالية، أثرى المكتبة العربية بإصدارات ثقافية وفكرية مختلفة، إنه الروائي والشاعر العراقي نعيم عبد مهلهل، التقته الوكالة وكان هذا الحوار..

-شاعر عراقي ينتمي للصابئة المندائيين، الطائفة العريقة، ما المختلف في رؤيتك للأدب الذي أسهمت المندائية بوصفها الثقافي في كشفه لك ؟

في البدء وتصحيحا للانتماء أنا لست مندائيا، وإنما المندائية هي الرؤيا الصافية لجزء من الأجناس والديانات والأعراق والحضارات أيضا. لهذا فأنا في رؤى الروح أنتمي لذكريات المكان والمندائية ربما من أقدم مؤسسيه بفعل خلود وجودها وقدمه وعدم تأثره بأي تغير بالرغم من انهيار الكثير من الإمبراطوريات والممالك من سومر حتى اليوم .

-يفرز كل انتماء عقيدي ومذهبي أدبه الخاص، من هذا المنطلق هل للمندائيين شعرهم الخاص.. وهل ثمة نموذج تقدمه لنا ؟

هؤلاء الناس يمتلكون ديانة وتأريخا يليق بهم فهم موجودون منذ أقدم الأزمنة على تراب الرافدين في سفر يعرفونه هم أكثر من غيرهم ولهم كتب مقدسة أهمها ( الكنز ربا ) أي الكنز العظيم وقد ترجم لأول مرة في تسعينات القرن الماضي ولو تقرؤه لتعرف المكانة الروحية واقترانها بالسماء لدى هؤلاء الناس الذي جاء ذكرهم في القرآن في أكثر من آية وعدهم من أصحاب الذمة مع اليهود والنصارى كما في الآية 69 من سورة الأنعام (( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون..))

وكأي موروث لديانة جاورت الأزل منذ دهشته الروحية الأول تمتلك المندائية هاجسها الثقافي الأول والذي كان الشعر كما في بقية المعتقدات الأولى يمثل الشعر بأسطورية مخيلته هاجسا يرافق كل الرؤى الروحانية والميثولوجية التي كانت تصاحب الطقوس المندائية الأولى. وكانت الأدعية تتلى بإيقاع السجع والصورة الشعرية قي رغبة لدى المندائي لجعل صلاة روحه وتهجدها ذات إيقاع وتفاعل ومدى كقوله في واحدة من تلك الروحانيات الشعرية ـــ الدينية :

(( جلسوا على عروش الغطرسة

وأعمالهم تنجز بالسوط

عبيد للذهب والفضة.. غوغاء يثيرون النزاع في العالم

ويذهبون إلى النار الحارقة...))

- أفاد الشعر العربي من ثيمة الأسطورة ، إلى أي مدى أسهمت هذه الإفادة في الحفاظ على روح الأسطورة، خصوصا أن توظيفها في الشعر غالبا ما يجيء مجتزءا ؟

سآخذ من السؤال توظيف الشعر في الأسطورة الذي غالبا ما يكون مجتزءا .لأن علاقة الشعر العربي بالأسطورة وإفادته منها قيل فيها الكثير في الكتابات النقدية والأطاريح الجامعية وتقريبا أغلب المشهورين من الشعراء العرب وظفوا الأسطورة في قصائدهم وأهمهم السياب والبياتي وغيرهم .

لكن سبب التوظيف المجتزأ للأسطورة في الشعر. أعتقده من رغبة الشاعر للاستفادة بما يريد توظيفه لمحتوى قصيدته وفكرتها ورسالتها أيضا من خلال رمز من رموزها كما يفعله السياب مع تموز في أسطورة الخليقة وعشتار وغيرها. ولأن الأساطير هي في جمعها المعرفي ومتنها النصي تتحدث عن كون يتسع باتساع مدى نظرة الإنسان للكون فهذا يعني أن توظيفها بهذه السعة في قصيدة واحدة غير ممكن أبدا .

-ما الأسطورة التي وجدت أنها تقوم على مستوى شعري راق يفوق ما تضمه الأساطير الأخرى؟

أعتقد أن أسطورة جلجامش حملت هاجسا شعريا للذات الإنسانية بمستويات عالية من الكم والرؤيا الشعرية للحظة التي يريد فيها الإنسان للتعبير عن مصيره برؤيا القصيدة .

هذه الأسطورة شكلت في تنامي أحداثها وفرادة تفكير بطلها أنموذجا يتجدد مع كل متغير كما في أي هاجس أسطوري آخر مثل الإلياذة وتنازعات أوديب مع جريمته وهاملت وغيرها من أساطير الكون .

وهناك غير ملحمة جلجامش من وصلت إلى الهاجس الشعري عالي الأداء في تفاعلها الروحي الشعري كما في أسطورة حلم الملك كوديا في طلب الآلهة له بناء أول معبد على الأرض وأسطورة الصياد السومري آدابا. وهناك برديات في الأدب المصري ــ الفرعوني كتبت بلغة شعرية مدهشة كما في حكاية الفلاح الفصيح وغيرها.

-يرى البعض أن الانغماس في محيط التاريخ والماضويات يعطل حضورنا المعاصر ومواكبتنا لأمم تفوقت علينا بلا جذور تاريخية.. ما تعليقك ؟

ما تقوله هو بعض إشكاليات الخصوصية الثقافية للزمن المعاصر هذا بل يكاد يكون لبعض المجتمعات عقدة قائمة على هاجس ( الأنا ) المطلة التي تفتخر بما كان لها وهي تجلس في مؤخرة مسيرة التحضر .بل قابعة في القاع كما سفينة تايتانك .

أعتقد وأقولها إن السياسة ( الشرقية ) بأغلب رموزها الجائرة ومطامحها ورغبتها بأن تكون هي الموجودة دائما والمهيمنة على المسار المجتمعي والثقافي هي من تخلق هذه الأزمة وتجعلها صانعة للهوة الواسعة بين المعاصرة وما كان لنا أن يكون أساسا وارثا نافعا للنهضة الحديثة .

تعرف أن أوربا أمسكت تحضرها بقراءة واعية للقهر التاريخي وسيئاته فانطلقت تبني نفسها حتى لو كان على حساب الجغرافية الاستعمارية والاستيطانية. وكذلك فعلت أمريكا التي لا تملك من إرثها سوى الشتات الأممي الهجين والقريب لتكوينها الاجتماعي على يد بريطانيا. لكن هذه الأمم ظهر فيها دعاة وفلاسفة ومصلحون قرؤوا الحركة التاريخية بصورة صحيحة ووضعوا لبنات الرؤية الحداثوية الحديثة فيما الشرق بقي يعيش أنا مجد الوصول إلى الصين وخوارزم. وفي نفس الوقت نئن من سوط الآغا العثماني المتجبر والمتخلف.

- ينفي الدكتور بهنام أبو الصوف أن يكون لدولة عيلام الأخمينية أي حضور في العمق الخليجي الراهن وتحديدا مملكة " دلمون " ويرى أن التواصل والحضور المؤكد في هذه المنطقة كان للسومريين والأكاديين والأشوريين.. إلى أي مدى توافقه في هذا الطرح؟

ما يراه الدكتور أبو الصوف صحيح. لأن المكتشف في أثر تلك الأمكنة يكشف ذلك وكذلك يرينا إرثها المدون في أغلبه باللغة المسمارية بأن الإرث الحضاري لتلك المناطق بدءاً بالمسلات والأساطير وانتهاء بالشرائع وكل المدونات التي وجدت، فهي تحمل خصوصية وطابع تلك الحضارات. ولهذا حين دثرت هذه الحضارات واختفت أجناسها من الخارطة السياسية وحتى الاجتماعية وانصهرت مع الحضارات الوافدة والغازية، ولكن ما تركته ظل الموثق الحقيقي والمرجعي لكل تلك الدراسات الحديثة التي أرادت أن توثق حياة الدنيا في ذلك الوقت .

أما دلمون الجنة السومرية المفترضة ( مملكة البحرين ) اليوم. فقد بقيت في دلالتها والحديث المدون عنها في شكله الأسطوري والتاريخي يحمل هاجس النبض السومري وربما هذا الهاجس ارتبط حتى في الإرث السماوي الحقيقي في قصة بعث الأنبياء ونزولهم. ويكفي ذكر التوراة لموطن النبي إبراهيم في أور الكلدان وأسطورة أيوب السومري وما لمح له وذكر في الحوليات الآشورية حول النبي يونس للدليل على خصوصية الشعائر الدينية الأولى بشكلها الأسطوري والسماوي أن مكانها الحقيقي كان سومر وأكاد ونينوى.

-يعد الكثير من متخصصي الميثيولوجيا الدين تطورا لاحقا لأساطير وفلسفات جهدت في الإجابة على أسئلة كونية محيرة للإنسان..ألا يتقاطع هذا الفهم مع خصوصية الدين بوصفه خطابا يقوم على استقلالية التشكل ؟

إنها جزء من إشكالية قائمة درسها العلم المقارن في تواترات ورؤى وافتراضات كثيرة. وأتمنى أن يترك هذا لمزيد من النقاش العلمي والعقلاني الهادئ .

وفي النهاية شخصيا أرى أن الهوة بين الدين والميثولوجيا في جانبها الحضاري منفعة للبشرية لأن القرين المستنتج منها دائما يسعى إلى خلق رؤى للتحرر إلى آفاق أبعد وإن كانت الميثولوجيات تعتمد غلى الخارق الوهمي. لكن أساطير الأولين كما يطلق عليها في الكتاب القديم أوجدت لها مشابها روحيا وتاريخيا في الكثير مما جاء في الكتب السماوية وخصوصا في قصص الأنبياء والحديث عن أممهم وتواريخهم.

-الكثير من مواضع المراقد والمقامات الدينية تقع في إشكالية عقيمة مع التاريخي، كما حصل مع قبر النبي يونس في العراق بعد اكتشاف أنفاق تصل بينه وقصر الملك الآشوري أسرحدون، كيف تفسر هذه التقاطعات ميثيولوجيا ؟

أغلب أسئلتك هنا أخي ( عمر ) قائمة على إشكاليات من الصعب الوقوف على مرجعياتها التاريخية والزمنية مما حدا بالكثير إلى وضعها ضمن الموروث الروحي للميثولوجيا لاختفاء الدلالة التاريخية والتدوينية لهذا الرمز أو الأثر كما في حيرة العلامة ليوناردو وولي الذي اكتشف مقبرة أور المقدسة عندما سعى بكل جهده ليحصل على شاهدة تدوينية أو أثر يثبت أن النبي إبراهيم الخليل كان وعاش في أور أيام صباه وشبابه وهو من أقام الحد على هياكل الآلهة وحطمها بفأسه ورمي بالنار عقابا له فكانت بردا وسلاما كما في آيات الذكر الحكيم. لكنه لم يجد أي أثر أو إشارة حتى في قناعته ببعض النصوص الضئيلة التي اعتقد أنها تشير إلى إبراهيم عليه السلام .

وربما في قصة يونس الحقيقة التاريخية تبدو أكثر وضوحا واقترابا معتمدة على النص التوراتي والقرآني والحوليات الآشورية المكتشفة لكن الأمر برمته يبقى غير واضح في دلالته التاريخية التوثيقية كما نقرؤه عن ملوك آشور وما تركه آشور بانيبال في مكتبته وغزوات ملوكهم من سنحاريب وأسرحدون وغيرهم.

أما إشكالية المراقد والمقامات فهذا لا يخرج من منطق صحة المعلومة وجغرافيتها وتعرف أنت أن تاريخنا العربي خضع بشكل عجيب لتأويل المكان والزمان ومصداقية الوصف. ولكن، أي من هذه الأماكن والمقامات ستبقى وإلى الأبد تشكل المرجعية الروحية للشرق سواء أكانت حقيقية في مكانها وزمانها أو لم تكن لأن التوارث والتراكم الذهني والثقافي صنعها لتكون حقيقة سواء كانت هي حقيقية أو لا وبخاصة تلك التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين.

-لعل الكثير من القراء لا يعلم عن قصة السبي البابلي .. هل لك أن توجز لنا الحكاية..وهل شكّل ما حدث منطلقا عقائديا أو تاريخيا لموقف اليهود من الأقوام الأخرى؟

القصة معروفة ومدونة بتواريخها. وهي في موجزها تمثل هيمنة بابل على الشرق الأوسطي في ذلك الوقت. وتصرف الملك البابلي قائم على قناعة مستحدثة في تصرف الملوك سببه القلق الذي كان يمثله الوجود اليهودي وتراثه لملوك الأقوام الأخرى. فكما تعرف إن مجمل التراث الروحي ما بعد احتراق أور هو تراث توراتي وإن التنازع الروحي والسلطوي اشتد بين أورشليم والمناطق الأخرى في الشرق الأوسط بعد توارث أبناء إبراهيم ومجيء موسى فكان على من ينتصر على الأنا اليهودية أن يحاول عزلهم عن أمكنتهم التاريخية والمقدسة. وهو ما فعله الملك البابلي نبو خذنصر في غزوه لأورشليم في عام 586 قيل الميلاد.

نعم شكّل الأمر منطقا عقائديا كان موجودا وعمقه السبي بشكل أكبر، لم نزل حتى اللحظة نعيش أثره وربما هذا الموقف أربك تماما الوجود الحضاري للشرق الأوسط من وعد بلفور وحتى اليوم. لقد خلق لدينا إشكالية المكان اليهودي والتنازع العربي ــ اليهودي بشكله المسمى الصراع العربي ــ الإسرائيلي وحروبه المتعددة التي خسرنا فيها الأمكنة والروح المعنوية وأشياء أخرى وكل هذا في مرجعيته قائم بالنسبة لليهود على مظلومية ذلك السبي.

-الكثير من سلوكيات وعادات المجتمع تبدو امتدادا لثقافات سابقة حسب الأثر التاريخي، البعض من هذه العادات اكتسب صفة القداسة ربما ودخل في إطار تابوي .. هل يندرج الحجاب ضمن هذا الفهم...؟ .. بمعنى هل في ثقافات من سلف حضور لظاهرة الحجاب ؟

يبدو لي أن التأريخ الهاجس الوحيد الذي لا يعرف نفسه لهذا ترى صناعه يقعون ضمن حماس الحادثة الآنية ولا ينتبهون إلى مستقبلية المتن الذين يدونون فيه شاهدات ما يحدث. ربما الفلسفة عاكست هذا الفهم في تدوين تواريخها ورؤيتها للعالم في اتجاهات ثلاثة ( الماضي والحاضر والمستقبل ) إلا أنها في حصيلة المؤثر الجمعي في حياة البشر ظلت نوعا من الترف الفكري وما يطبق منها في أكثره يخدم الفلسفات الحكومية ومناهجها السياسية والتربوية وما بقي منها صار في خانة الندرة المثالية التي قد تبقي مقتنعها في المكان الأكثر علوا من مكان البشر العاديين وهذه التداخلات والإشكاليات هي من تخلق الظواهر الحضارية الشائعة من دون أن نعلم وكان على العالم أن يحصر جميع ظواهره بين الفلسفة والدين وطالما حرصت الفلسفة أن تحابي الدين لكنها في الماركسية خرجت من هذا النطاق وتحدت ما تعتقده خديعة التابوت لتولد نظرتها الإلحادية ولتتسيد الفكر العالمي في بعض نواحيها كونها أكثر الفلسفات التي اقتربت إلى الماديات وحرصت على تفسير الواقع بصورته القريبة إلى المنظور ليس كما الفلسفات الأخرى التي اعتمدت على الروحانيات والمنطق الغارق في مثالية التفسير.

منذ ظهور الفكر الماركسي القائم على رؤى هيكل وماركس والمطبقة بحماس، لينين وثورته البلشفية ظهر الصراع العلن بين الفلسفة المادية والدين وكل ما حدث بعد ذلك منذ ثورة البلاشفة وإلى الآن هو نتاج هذا الاحتكاك الخشن بين الماركسية والدين يضاف إليه المؤثرات التي خلقتها الثورة الصناعية والحروب والسفن الاستعمارية .

ما نراه اليوم في أية ظاهرة مجتمعية بالنسبة للشرق ومنها الحجاب هو الاعتقاد بالصحوة والرجوع إلى القيم الأولى التي حملها الدين. هذه الصحوة التي حملت الإيجاب والسلب في عمومها وانتشارها الكبير مثلت في باطنها وظاهرها عصرا جديدا من ثقافة الذات التي ترى في العودة إلى السلف القديم مقاومة ضد إغراءات الحداثة في منافعها وشذوذها. وسيستمر مع هذا الوضع الزمن المعاند والمقاوم. ومعه ستظهر أنظمة جديدة وفلسفات تتميز بكونها صنيعة المشهد الحديث والحماسي والقادم من تراكمات التواريخ الطويلة. ومن بعض صفاتها شعوره برد الفعل القوي تجاه كل ما لا يؤمن به. وربما كان ابن لادن وفلسفة تنظيمه العنيفة والمتطرفة تسير في هذا الاتجاه.

-هل فعلا استوعبنا الماضي فانطلقنا نحن واقع جديد .. هل ما نعيشه هو مخاض لكامن حضاري؟

الماضي يُقرأ فقط لنعرف إن كان الحاضر يليق به أو لا يليق ومن محصلة هذا نقيم ما نعيشه الآن. والجديد هي الخطوة التي تلغي سابقتها، لكن نحتاج في الكثير من جديدنا كي نعيد خطوتنا إلى سابقتها ويعني هذا أن القديم قد يكون جديدا مثلما الجديد بحكم الحركة الزمنية والمكانية لابد أن يكون قديما.

في خارطة العولمة إذا أردت أن تجد سؤالك في جوابه فعلينا أن ننظر إلى التجربة الأوربية في صناعة حياتها الجديدة وبعيداً عن أزمات الحاضر المالية فإن أوربا استفادت على النطاق الاجتماعي من تجربة ماضيها الحضاري فصنعت حاضرها الجديد بكل تطوراته في سلبياته وإيجابياته ولكنه في المحصلة هو في منفعة الإنسان الأوربي ومن يفد إليها ويلجأ فيما بقي الشرق مثل محك الحجر كما يصفه إدوار سعيد في كتابه المهم ( الاستشراق ) يلمع صورته بقسوة الحجر والاحتكاك فيه. بقينا نحن نعيش نشوة ارتداء ذلك المجد وفتوحاته ولم نغير في معاصراتنا شيئا سوى في طرائق الاستبداد والثراء والانحناء إلى التيجان ولهذا كان الشرق خاضعا لهيمنة الماضي في جانبه الإنشائي والحماسي فقط .

ربما ربيع الثورات العربي هذا يفعل شيئا. ولكن ليس الآن. لأننا في الكامن الشرقي النائم في إحساسنا لم نزل نمسك وسنبقى ثقافة ذلك الماضي السلطوي والمهجن بالجمال والانفعال فتضيع المكتسبات الحضارية ويبقى إطارها وشعارها هو من يحكمنا........!

-من خلال مسيرتك البحثية الشاسعة.. ما هي أبرز الحلقات التاريخية المفقودة التي لو وجدت لاكتمل الكثير من الفهم الحضاري لإنسان منطقتنا العربية ؟

أصلا نحن نعوم في الحلقة المفقودة والسبب أن تاريخينا من رموزه إلى أمكنته خاضع للتأويل والافتراض والأسطرة. ولكن في عموم المشهد الحضاري لتاريخنا فإننا نفتخر بهذا الإرث المدون بتلك البلاغة والرصانة والعمق. علتنا فقط في اختلاف التفاسير والتواريخ وصحة تاريخية الكثير من شواهدنا ومنها المقدسة والمهمة. ولكن بعموم المنطق العلمي للإرث الحضاري فإن جميع ترب وتراث هذه الرموز في أماكنها وخاصة تلك التي عاشت في زهو مرحلة التدوين بعد الإسلام.

-يقول أحد الباحثين "لا جُناح على العالم في أن يتخلى عن الإيمان عندما يدخل إلى المختبر، وأن يتخلى عن البرهان عندما يدخل إلى المسجد أو الكنيسة" ألا يعد هذا سخرية بالعقل من حيث مطالبته بالتعطل حينا والاشتغال حينا آخر.. أليست هذه معادلة ملتوية لإرضاء الديني بشكل مهذب ؟

مازلت أبقي ما يحدث وحدث في إشكالية عدم التوافق بين المادي والميتافيزيقي وهذا قائم في جدله وصراعه وسيبقى .

ونقلك عن أحد الباحثين هذه المقولة فإنها قد تكون وليدة إحساس وليس بحث لأن ما بُحث وفي معظم نتائجه يخضع للسطوة المقاومة والتقاليد والتابوه. لهذا سيظل وإلى الأبد الشعور ذاته قائما عند الدخول إلى الجامع والكنيسة. وربما في عصور متطورة خارج حدود الخيال قد يتزحزح هذا الفهم. لكن جينيا هو مغروس إلى يوم يبعثون....!

-أنت متعمق في دراسة الكتب المقدسة .. كيف تناقش الميثيولوجيا التحريف الذي نال نصّي التوراة والإنجيل.. هل ثمة ما يدعم ذلك علميا أم أن الأمر مؤطر بفهم ديني ليس للعلم أن يناقشه ؟

أنا لست متعمقا. أنا فقط أشتغل على مشفرة الهاجس الديني في جانبها الروحي والإيمائي وأسير بمحاذاة النص، وأظن أن هذا الوصف لعملي أطلقه القاص والباحث البابلي ناجح المعموري وسمعته أيضا من الشاعر والباحث خزعل الماجدي. أنا أشتغل بموازاة النص الديني. وأستفيد من قدرة الإيحاء في النص الديني لأتناول المعاصرة بشيء يبيح لي الانطلاق بعيداً برؤاي في الرواية والقصة والقصيدة والمقالة.

أما الكتب المقدسة بين حقيقة نصها الأصلي وتحريفاتها فهذا خاضع لنظريات وافتراضات ورؤى لا تحصى وفي عمومها خاضعة بجمعها إلى المؤثر التاريخي ومتغيراته وأعتقد أن الملوك والأباطرة والكهنة والأحبار لهم يد في كل هذا ...!

-ما المسافة بينك "إنسانا" والخطابات الدينية على اختلافها ؟

المسافة هي مسافة الوعي والانبهار والتدجين الآتي من رؤى ثقافة البيت والمجتمع والطقوس. وعندما كبرت تعدد الفهم من الخطاب الواحد إلى عدة خطابات وهذا جاء بفضل المكتسب الثقافي والنضوج والرغبة بمعرفة ما الذي يحدث في هذا العالم في منظور معتقدنا والمعتقدات الأخرى.

الخطاب الديني له دهشته الخاصة بكل فتنته الطفولية وما وليها.

هناك الدين الحقيقي البليغ وصاحب الرسالة الإنسانية العميقة. وهناك الدين الذي تختلط معه الفتاوى المزيفة والخرافات والممارسات التي لا يقبل بها جوهر الدين.

-في زمن يبدو صراعه ماديا أكثر منه صراع قيم ..ما تفسيرك لما يسمى بصراع الحضارات؟ وما جدوى الحضارة كقيمة معنوية في ظل هذه العولمة ؟

يعلق الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي على قراءته الأولى لكتاب صراع الحضارات لصموئيل همنغتون بقوله : ما في الكتاب ليس وليد لحظته. إنه وليد صراع تاريخي وحضاري قديم.

يعني هذا أن خاتمي يرى الأمر بمنظره الجدلي والواقعي وأعتقد أن الأمر لا يُفسّر إلا هكذا. غير أن الرؤية العميقة لهذا الصراع تحمل عمقا آخر غير رؤى عودت الهاجس الإمبريالي بشكل أكثر تحضرا وهو يرتدي شعارات العولمة الجديدة وديمقراطيتها لأن همنغتون فكر عميقا من خلال الوعي والريبة الروحية التي تربط بين الحضارات وأكثرها في الجانب الديني الذي نراه في المشهد الشرقي يبدو لنا كرد فعل إزاء واقع حضاري متلبس بين حكم الطغاة والأنظمة اليسارية والليبرالية وكان همنغتون يحاول أن يمهد لعصر جديد يغذي الهاجسين في نفس الوقت ( الديني والإمبريالي ) حتى عندما يستعمل كلمة حق ولكن يراد بها باطل. وهذا ما أفرز لدينا واقعا جديدا أفقد الكثير من خصوصيات ما كنا نعيشه ونستلذ به ومهد لهذا الأمر وقائع تاريخية نوه لها كيسنجر في مطلع السبعينات كجزء من جعل نظرية المؤامرة واقعاً مطبقاً تماما بدءا من الحرب العراقية ــ الإيرانية ومرورا بغزو الكويت وانهيار الاتحاد السوفييتي وأحداث سبتمبر وما لحقها.

في ظل العولمة هناك حضارة ولكنها تفقد الكثير من خصوصيتها بسبب تأثير المد العولمي المؤثر في صيغته الثقافية والاجتماعية. ولن نشبه الأمر بهذه الصورة :العولمة تسونامي يصيب الحضارات في منطقة القلب تماما ولكنه لا يوقف عن النبض بل يظل يعاني من العجز ويحتاج دوما إلى القسطرة....!

-لعل نفينا لنظرية التطور الداروينية يوجب علينا أن نتوفر على معطى ثقافي لإنسان يقوم منذ القدم على ثقافة وفكر مقنعين، هل ثمة ما يثبت ذلك خصوصا أن الكثير من الكهوف والحفريات تشير لإنسان بدائي جدا ؟

لاشك أن داروين ونيوتن وغاليلو وإينشتاين قلبوا موازين العقل ولكن لم يقضوا تماما على شكنا وضبابية معرفة جذورنا السحيقة على الأرض. ومادام يسكننا في أغلبنا الإيمان بأن قيامة الأرض ولدت بآدم وحواء ( وعلّم آدم الأسماء كلها ) فهذا يعني أن تابوها سيصطدم بنا ونحن نفكر بما توصل إليه داروين وهاجس التطور فيه وضعنا أمام الأسئلة وتعدد رؤى الشك بالرغم من أن الدراسات الدينية الواعية والعقلانية والمتفتحة درست الأمر بشكل العلمي والمقارن بين ما يطرحه دارون وبين ما تقوله كتب السماء وخصوصا القرآن الكريم حتى وصل الأمر إلى الإحساس بأن عبارة جدل بيزنطي هي ما ينطبق تماما على وضع داروين وما تبعه من أبحاث ودراسات في هذا الأمر.

لكن منطق الحفريات والأثر أظهر الكثير من الحقائق التي كان يلفها الغموض والأسطرة وعلينا أن نعي ما نراه ونلمسه وليس ما نحسه وبالتالي فإن ما ترك لنا من إرث روحي وديني قد يستطيع بفضل موهبته وإعجازه أن يصنع التناغم بين الحسي والملموس وربما في يوم ما يوصلنا العلم والدين إلى حقيقة أبدية تشعرنا أننا بأي شكل من الأشكال حين نولد ونموت إنما بعثنا وفناؤنا هو خدمة لهذا المكان ( الأرض ) سواء وُلدنا بكهف أو ناطحة سحاب.!

-في أي مساحة بحثية اضطررت أن تصمت ولا تفصح بأكثر مما قلت.. ولماذا ؟

كما قلت لك أنا لست باحثاً. أنا صانع نص. وكل الذي أتعلمه من الموروث أعصر فيه هاجسي وحسب مساحة الخيال التي أمتلكها ولكن ما أظنه ميزة في رؤاي أنني أصنع نمطا من حسية التفكير وشعريته.

أنا أكتب لشعوري أنني مسكون بالرغبة الغامضة المسكونة في الداخل الذي لا أعرف قراره سوى أنها هوة عميقة في نفسي. وأنا اصمت فقط لأستريح وأعيد قراءة المشهد برؤى وخديعة مبتكرة عندما يلازمني خوف الرقيب والمجهول. أي إني أعيد صياغة شجني بالمواربة وتدجين الهاجس بالمغايرة التي تعطي الخفي من الإيحاء ومرات أكون شاعرا لأتخلص من كل الضغوط الحياتية والنفسية ومرات أكون في المكان الذي لا أتمنى أن أكون فيه لكن الحماس والموقف والخوف على صغار الحطيئة يدفعك لتكون هناك.

أنا كاتب شرقي. وُلدت في تصارع جبّين، جب الفقر وجب السلطان. الفقر أفرز الجوع والسلطان أفرز الحرب. فتخيل أن السماء تمنحك الموهبة بين هذين الآتونين. إنها معضلة تشبه تماما قول الحلاج المتصوف :

ألقاه في اليم مغلولا وقال له .........إياك ..إياك أن تبتل بالماء

يكمن فيك ما يريك أن صناعة الحلم ليست باليسرة أبدا هذا الفهم سيبقى قائما. لكن إن كنت أديبا أو جنديا أو موظفا حكوميا أو عتالا أو أي قدر حياتي آخر عليك أن تحمد الله أنك لم تؤذ أحدا بخدش من إظفرك.

- كلمة أخيرة ...

الأخير دوما من تراه يضع المرساة على الشاطئ عند توقف السفينة. ولكنها تستريح أو تنزل ركابا ثم تعود إلى الإبحار. كذا الإنسان الحقيقي إن وجوده سيبقى مرتهنا بقدرته على أن يعطي. وهذا العطاء أول صوره وهواجسه وقيمته قائمة على الحلم. لكي تكون عليك أن تحلم. ولكي تحلم عليك أن تنسى لمعان الخنجر وبذاءة الحرف وصناعة الخدوش على المرايا.

قد يكون في هذا المنطق مثالية مفرطة ولكن أمهاتنا في أحلامهن لأجلنا كنّ يضعن هذه الرغبات في تنهيدة المهد وحلمة الثدي ودمعة التمني.

حتى نكون علينا أن نعي كينونة هذا الكون. وبالرغم من أننا في كون مضطرب لكن الإنسان خلق ليصنع الآمال ويجدها حتى عن المواعظ والأحلام والثقافات والثورات.. فكل هذه الإرهاصات في جمعها ومفردها خلقت وجودنا الحضاري وصنعت في ألفتها ومفارقتها وغرابتها وقسوتها وغرامها الوجود التاريخي لنا.

نعيش اليوم ونموت غدا. تلك هي الحقيقة والقبول بها هو المنطق الأقرب إلى العقلانية ولكن عليك أن تعيشها وتكافح من أجل ذلك. تعيشها متحسسا لذتها وجمالها ورقتها ولا تعيشها وأنت شاهر سيفك وغدرك وبذاءتك.

مختصر القول يوجزه لينين بكلامه ( ينبغي لنا أن نحلم ) ويرد عليه أبو ذر الغفاري بقوله : عشتها لأصون ما فيّ من عفة وإقدام وحلم

 

 

 الثلاثاء 29 / 11 / 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان