home
tri
tri
focus
حزب البعث في العراق.. تاريخ حافل بالانقلابات.. والمؤامرات.. وأخيرا الفوبيا

حزب البعث في العراق.. تاريخ حافل بالانقلابات.. والمؤامرات.. وأخيرا الفوبيا

العالمية نيوز

ليس الحديث عن المؤامرة أو الانقلاب على العملية السياسية في العراق جديداً. فخلال السنوات الماضية، وبسبب الإشكالات التي تحكم علاقات الأحزاب والكتل السياسية فيما بعضها، والأجندات الخارجية التي تتحكم فيها؛ فإن قضية المؤامرة أو الانقلاب باتت إحدى الملفات الموضوعة على الطاولة، والتي تفتح بين فترة وأخرى، إما لتصفية حسابات بين هذا الطرف أو ذك، أو من أجل عبور ظرف معين.

وفي كل الأحوال، فإن حزب البعث "المنحل" و"المحظور" و"المجتث" و"المطارد بلا هوادة" في العراق، هو دائماً في صدارة المشهد الانقلابي والمؤامراتي. فإلى أي حد يمكن أن يكون حزب البعث العربي الاشتراكي ضالعاً في مثل هذه المؤامرة، على الرغم من النفي الرسمي المتكرر لأعضاء بارزين في الحزب ممن يقيمون في سوريا اليوم ويحظون بحماية من النظام البعثي الحالي في سوريا؟

وقائع تاريخ العقود الستة الماضية التي ظهر فيها حزب البعث على ساحة العمل السياسي العربي في كل من سوريا والعراق تحديداً، تؤكد فعلاً أن البعث حتى كفكر يؤمن بالانقلاب. بل إن جوهر فكره، ومثلما صاغه مؤسسه ميشيل عفلق، يقوم على الانقلاب من فكرة البعث ذاتها.

وعلى المستوى السياسي فإن البعث وصل بالفعل للحكم في كل من سوريا والعراق أكثر من مرة عبر الانقلابات، التي أخذت بعض المرات صبغة دموية، مثلما حصل في انقلاب البعث في العراق عام 1963، عندما أعدم البعثيون رئيس وزراء العراق آنذاك عبدالكريم قاسم، بعد محاكمة سريعة في مبنى الإذاعة والتلفزيون، فضلاً عن إعدام المئات من الشيوعيين وغيرهم من الخصوم.

لكنها أحياناً تأخذ صبغة سلمية، تماماً مثلما حصل في إنقلاب عام 1968، عندما أخرج البعثيون الرئيس العراقي الراحل عبدالرحمن عارف من القصر الجمهوري، ورحلوه في طائرة خاصة إلى تركيا ودخلوا القصر مكانه. لكن هذا الطابع السلمي للوصول إلى السلطة لم يكن يخلو من حديث المؤامرة.

ففي مرة تم الوصول إلى القصر الجمهوري باستخدام أهم أداتين، هما: آمر الحرس الجمهوري إبراهيم الداود آنذاك، ومدير الاستخبارات العسكرية عبدالرزاق النايف. ومرة بطريقة إزاحة كلا الرجلين بعد مرور 13 يوماً على نجاح الانقلاب. حيث دخل صدام حسين الذي كان أحد أبرز مصممي ومخرجي صيغة الثورة إلى النايف الذي أصبح رئيساً للوزراء، حيث كان جالساً في مكتب رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر ليرفع بوجهه المسدس طالباً منه الخروج معه إلى المطار.

ومع أن الثورة بدأت فعلاً سلمية في صفحتها الأولى على الأقل، إلا أنها تحولت فيما بعد إلى قطعة دم حمراء عندما تم مطاردة قادة الثورة وخصومها معاً في فترات لاحقة، قبل أن يتهم النظام فيما بعد بتحويل العراق إلى مزرعة من المقابر الجماعية.

فالنايف تمت مطاردته في لندن حتى تم اغتياله هناك، وقبله تمت مطاردة واحد من أهم قادة الثورة، وهو وزير الدفاع حردان التكريتي الذي تم اغتياله في الكويت في أوائل السبعينات من القرن الماضي.

وبعد حكم طويل دام 35 سنة، تفرد فيه صدام حسين، تمكنت الولايات المتحدة الأميركية من إسقاطه عام 2003 عبر تحالف دولي قادته معها بريطانيا، بعد أن فشلت أو ترددت في إسقاطه عام 1991 عندما نظمت تحالفاً دولياً واسع النطاق ضم أكثر من 30 دولة اكتفى بإخراجه من الكويت مكسور الجناح ومدمر ومحاصر. بعد عام 2003 أصبحت الساحة السياسية في العراق بفضل الولايات المتحدة الأميركية مهيأة لأن تحكم أحزاب المعارضة السابقة في العراق.

وكان الحاكم المدني الأميركي بول بريمر قد هيأ الأرضية المناسبة لها تماماً عندما أصدر أخطر قرارين في تاريخ العراق، هما: حل حزب البعث، ناهيك عن اجتثاثه. والثاني حل مؤسسات الدولة بما فيها الجيش والشرطة وألأجهزة الأمنية. هذا الأمر أتاح للسلطات الجديدة أن تبني أجهزتها البديلة. لكنها وبسبب المحاصصة وعدم وجود خبرة كافية لإدارة دفة الدولة ظلت تتخبط حتى الآن حتى أصبح حديث الأزمات هو حديث الساعة الدائم.

يضاف إلى ذلك ملفات الفساد المالي والإداري التي كانت نتيجتها الأبرز حتى الآن عدم تقديم الخدمات الأساسية للناس وأهمها الكهرباء، فضلاً عن عدم الاستقرار الأمني رغم مئات المليارات التي يضخها تصدير النفط سنوياً في العراق، يضاف لها سنتان من الحرب الأهلية (2006 ـ2008).

واليوم حين يتجدد الحديث عن مؤامرة بعثية وانقلاب يخطط له شركاء في العملية السياسية، فإنه يأتي في وقت بدأ فيه تفعيل قانون المساءلة والعدالة في وزارة التعليم العالي، والذي أدى إلى إخراج مئات الأساتذة والمدرسين بحكم الانتماء إلى حزب البعث. ومع أن هذا الإجراء أثار أبناء المنطقة الغربية، وهم العرب السنة، إلا أنه لم يقتصر عليهم بل شمل بعثيين شيعة.

وهو ما ينطبق على الانقلاب أيضاً، حيث لم تقتصر الاعتقالات على السنة، بل شملت بعثيين شيعة. بل إن كبار المسؤولين العراقيين الشيعة يفاخرون الآن أنهم اعتقلوا بعثيين شيعة من النجف والبصرة والكوت والناصرية والحلة، أكثر مما اعتقلوا من أبناء المحافظات السنية.

وهذا يعني باختصار أن البعث تحول من حزب محظور ومجتث ومطارد إلى فوبيا تلاحق كبار المسؤولين العراقيين الحاليين. وغالباً ما يتخذ هذا الخوف طابع نظرية المؤامرة المرتبطة بأجندات خارجية، فتتم الملاحقة أو الاعتقالات، أو على الأقل، اتهامات الخصوم على هذا الأساس، أو تأخذ أحيانا طابع المعلومات عن وجود تحركات لدى البعثيين باتجاه إعادة تنظيم صفوفهم بوصفهم حزباً سرياً ليس مسموحاً له العمل العلني بالساحة.

وقد يكون هذا الأمر صحيحاً إلى حد كبير، ولكن طبقا لكل الوقائع والحيثيات فإن حزب البعث لم يعد قادراً على عمل شيء في العراق، وأن أركان السلطة الحالية باتوا يمنحونه أدواراً يتمناها هو، وتصب في صالحه، بل تبعث في نفسه الأمل بإمكانية أن تتجدد في دمائه القدرة على القيام بتدبير انقلاب يعيده إلى السلطة في العراق للمرة الثالثة في خمسين عاماً.

الإثنين 7 / 11 / 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان