home
tri
tri
focus
أبو الرواية المصرية والعربية في مئويته الأولى نجيب محفوظ: عاشق مصر العظيم

أبو الرواية المصرية والعربية في مئويته الأولى نجيب محفوظ: عاشق مصر العظيم

العالمية - ثقافة

احتفلت مصر، والعالم العربي، في الحادي عشر من ديسمبر/ كانون الأول بالذكرى المئوية الأولى لولادة روائي العرب الأشهر، الحائز على جائزة نوبل للآداب العام 1988، نجيب محفوظ.. ولقد شهد في حياته (1911 ـ 2006) ثورات 1919 و1952، وحربين عالميتين وتحول مصر، التي كان لا يطيق البعاد عنها، من عهد الاستعمارين العثماني والبريطاني إلى الحكم الملكي ومن ثم إلى الجمهورية بعد الثورة الناصرية..

كتب محفوظ 33 رواية، و13 مجموعة قصص قصيرة، وحوالي 50 قصة، وكلها تدور عن بلده مصر وواقعها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ورفض خلال حياته الطويلة الاشتغال بالسياسة بالطريقة المباشرة.. ورغم ذلك فقد عكست معظم رواياته وقصصه فهماً كبيراً للسياسة بأدق تفاصيلها، لدرجة أن البعض يعتبرونه كاتباً سياسياً من الدرجة الأولى.

محفوظ وموقف الاسلاميين من أدبه...

واليوم بعد خمسة أعوام على رحيل محفوظ عاود بعض السلفيين المسلمين المصريين هجومهم عليه من خلال وصف أدبه بالمشجَّع على الرذيلة بين الشعب، ما أعتبره البعض محاولة اغتيال لمحفوظ وهو ميت بعدما جرى اغتياله فعلياً العام 1994، حين أقدم شاب على محاولة قتله عبر طعنه بمدية في رقبته استدعت نقله إلى المستشفى وهو بحالة حرجة، ليعتزل الكتابة بعدها.

ومن المفارقات التي يمكن رصدها هنا أن أول ناقد أدبي كتب عن محفوظ كان سيد قطب، أحد أبرزالمفكرين الاسلاميين في القرن الماضي، قبل أن يهجر عالم النقد إلى السياسة الحزبية التي تأخذ لبوساً دينياً. مقالة قطب جاءت بمناسبة ظهور رواية "خان الخليلي" فكتب سنة 1945 فى مجلة "الرسالة": "رواية "خان الخليلي" أحسن من رواية "عودة الروح" لتوفيق الحكيم، وإن أحسن ما فيها هي بساطة الحياة وواقعية العرض ودقة التحليل. وقد نشر قطب مقالته تلك في كتابه النقدي المهم واليتيم "كتب وشخصيات".. ولم يقم قطب بتكفير صاحب الرواية مع أن فيها حوارات تأتي على لسان أبطالها تتعارض مع الدين. ولقد فصل قطب بين ما تقوله الشخصيات وبين كاتبها الذي لا يكون كافراً ولا زنديقاً إذا جاء على لسان أبطاله ما يمكن اعتباره زندقة وكفراً..

رأي قطب لم يحد عن جادة الصواب فسرُّ انتشار أدب محفوظ بين الأجيال المصرية، والعربية، المتعاقبة إنما يأتي من قدرته المدهشة على التقاط التفاصيل البسيطة في الحياة المصرية، وتعبيره عنها بلغة واقعية تلتزم أفضل الأساليب الروائية المعروفة في العالم..

نجيب الموظف ونجيب الأديب...

ولم يكن محفوظ الأديب شبيهاً بمحفوظ الموظف الذي عانى من روتين العمل على مدار أكثر من 37 عاماً استمرت من وقت مباشرته للعمل الوظيفي اليومي العام 1934، وتقاعده العام 1971. فقد حقق كاتبنا لنفسه فرادة وصفه بأبي الرواية العربية الحديثة، ما ترك أثره في أجيال من الروائيين العرب ممن وجدوا فيه رائداً لهم في ميدان الرواية التي تنطلق من حياة الناس اليومية لا من تهويمات رومانسية كما كان سائداً قبله.. ويرى دارسو أدب محفوظ أن انتقاله من كتابة روايات تحاكي تاريخ مصر الفرعوني كما في رواياته "عبث الأقدار"، "رادوبيس" و"كفاح طيبة"، إنما جاء بعد إطلاعه وتأثره بالأدب الروسي، ولاسيما دوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف.. وهكذا انتقل الكاتب إلى التقاط حياة المصريين الذين كنا نراهم في حارات الحسين وبولاق والسكرية.. واليوم تبدو رواياته تأريخاً لما عاشته مصر في القرن الماضي رغم اختلاف الأمكنة والعادات وتغير اللباس وأحوال الناس..

نوبل والطريق إلى العالمية...

ويحفظ لنا تاريخ الأدب العربي أن محفوظ الفائز العربي الأول والوحيد بجائزة نوبل للآداب لقي هجوماً واسعاً بعد نيله للجائزة.. والسبب أن نقاداً وكتاباً عرباً لا يستهان بعددهم وأهمية نتاجاتهم ورأيهم اعتبروا منحه للجائزة بسبب انحيازه لاتفاقية كامب ديفيد للسلام بين إسرائيل ومصر، وبرروا رأيهم بوجود قامات أدبية في مصر والعالم العربي تستحق نوبل لكنها أستبعدت رغم ترشحها للجائزة، كما هي الحالة مع أديب مصر الكبير يوسف إدريس، لا لشيء سوى لأن الجائزة مسيسة وتعطى بناء على معايير أخرى إضافة لمعايير الجودة الأدبية. ومع ذلك لا يسع أي دارس للأدب العربي إلا أن يرى أحقية محفوظ بالجائزة لإسهاماته الجليلة في خدمة الأدب العربي ونشر الرواية وفنونها بين عموم الشعب العربي بروايات تباع بملايين النسخ وهو أمر لم يكن موجوداً قبله.

إبداع محفوظ وشهرته لم تأتيا صدفة، ولا بسبب موهبته فحسب، بل من خلال النظام الصارم الذي أحاط نفسه به، فقد كان يكتب لساعات معينة لا ينقص منه ولا يزيد، ويشرب سيجارة واحدة كل ساعة، ويقرأ صحيفته في وقتها، وينام ساعة الظهر.. وعن هذا يقول: "الإبداع ليس مرتبطاً بنظام.. حالة الإبداع يمكن أن تأتيني وأنا أسير على الرصيف، أو في الشغل وحتى أثناء النوم. الإبداع عالم جواني وليس خاضعاً لنظام، لكن الذي يخضع لنظام هو العمل، فالفكرة تولد وتنمو ثم تتحوَّل إلى شغل".

ويعطينا أدب محفوظ وقبوله في اللغات الأجنبية التي ترجم إليها مثالاً مهماً على أن المحلية هي أهم الطرق للوصول إلى العالمية.. فهذا الأديب الذي لم يغادر مصر سوى لمرتين رغماً عنه، والذي كتب كل قصصه ومسرحياته ورواياته عن شخصيات مصرية من لحم ودم وبطريقة فنية كانت تجد دربها دائماً نحو الجديد والتنوع الضروريين للمغامرة الأدبية.. وقد كان كاتبنا مجيداً في رسم صور شخوصه المصرية بلغة آسرة وبسيطة، لكنها بارعة في التقاط التفاصيل وشحنها بالرموز واستحضار التاريخ بما يخدم حبكات أعماله.

بقلم: سامر الياس

 الثلاثاء 13 / 12 / 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان