home
tri
tri
focus
الطفل الآتي من هناك

الطفل الآتي من هناك


قصة: د. أفنان القاسم
(( إلى أخي الشهيد بيان القاسم ))
أتيتَ باريس مريضًا ومبتسمًا، فابتسمنا لك، ونحن لا نعرف خطورة مرضك، ولكن، بعد حين، عرفنا خطورة ابتسامتنا. كان الشتاء في باريس. كلما فكرت في باريس أفكر في الشتاء، وكلما فكرت في الشتاء أفكر فيك. كان الشتاء ثوب باريس القديم، وأنت، بثوبك الجديد أتيتنا. كنت جميلاً، أجمل طفل. كنت أجمل لحظة في حياتك. في العاشرة. لحظة انتهاء الطفولة واكتمال الفصول. لكنك لم تكمل سنتك هذه من حياتك معنا نحن البعيدين عن طفولتنا وقصتنا، القريبين منك اليوم رغم بعدك. هل مت حقًّا، ونحن نعيش في باريس شتاء آخر؟ هل ذهبت حقًّا، ونحن نأتي إليك بالفصول والذكريات؟ هل ودعتنا حقًّا، ونحن نطرد بابتسامتك أحزاننا؟
ومع ذلك، مذ كنت في بطن أمك كنت ترفض أن تتركنا وحدنا أمام تعاساتنا. كنا عديدين، عناقيد من الصعب إرواؤها، إعلاؤها، عصرها. كانت أمك في الجزائر تضرب بطنها مرددة: يجب أن أسقطه! يجب أن أستأصله من لحمي! يجب أن أتخلص منه! كنت تقاومها. ثم تلك الأقراص الصفراء التي كانت تبتلعها في الحمام. تلك الأقراص الصفراء التي دمغت حياتك وحياتنا. تلك الأقراص المدورة. تلك الأقراص المدورة وخاصة الصفراء، صفراء بالقدر المرعب ذاته لذاكرتنا سنوات ما بعد موتك. لقد وقعت مريضة، أمك، بعد كل محاولاتها لإسقاطك، دون أن تنجح. وكان أبوك يجلس إلى جانبها ليقرأ القرآن بصمت. كان يعتقد أن الله يزود كل وليد برزقه. ووقت الصلاة، كان يذهب إلى المسجد.

قرب ستراسبورغ، بعيدًا عن التاريخ الذي صنع السلالات والحروب، كانت أم تكابد الألم كأمك. هل هو قدر كل أم بائسة؟ كانت كأمك حبلى، وزوجها تركها منذ بعض حين. صاح بها: بؤس ثلاثة أمر لا يحتمل، فقررت التواري وراء الأفق، نهائيًا. دون رجل، ودون إله، لم يكن هناك خيار آخر لها غير الإسقاط. وهذه الأقراص الصفراء التي تترك آثارها على وجوه النساء التعيسات خلال كل حياتهن. لون أصفر دون لمعان، كامد، مُخَشَّن. لون أصفر يهمس بالموت، يدمدم بالعدم. لون الألم!
ومع ذلك، ولد جوهان. مثلك، كان يكره كل ما هو أصفر. كان حقده على لون الخريف يمده بالقوة على عدم الاستسلام. ولأنه كان يحب أمه كثيرًا. هذه الأم التي دمغ الألم وجهها. وجه دمويّ. وجه دون وجه بما أن مرضها كان داخلها. وهي في القطار الذاهب إلى باريس للعلاج، كانت تسعل سعالاً قويًا. جوهان الذي كان يحاول النوم، رفع رأسه، ونظر إليها. هل ستموت، أمه؟ هل ستتركه وحده مع هذا اللون الأصفر الذي يكرهه؟ هل ستخضع، هي، لإرادة هذا اللون الذي كان قد نجح في التغلب عليه بقوة إرادته؟ لم يكن هناك مسافر آخر في العربة، ففضل اللعب، بينما داومت أمه على السعال. أراد العودة إلى جانبها، لكنها أشارت له بأن يستمر في اللعب. لم يكن الهواء ساخنًا ليس إلا، لكنها كانت مريضة جدًا.
وهي على عتبة مستشفى سان-فنسن دو بول، بدلت رأيها. طلبت من سائق التاكسي أن يقودها إلى فندق صغير، وهي تخبئ ألمها خلف ابتسامة تعبة. لتوهم ابنها أنها في صحة أفضل، وقبل الدخول إلى المستشفى، يجب انتهاز فرصة وجودهم في باريس. التماثيل جميلة في الليل. الناس يلهون أحسن لهو. المتع عابرة، الرغبات قصيرة وخاطفة. لم تكن تعلم أن رغبتها تلك في عيش ليلة في باريس كانت الأخيرة. على عكس ما يقال، يمكن للموت أن ينتظر. وعلى أي حال، رغبتها هي، لن تكون الأخيرة.

بيان، اسمك، بوح بالحب. وبأشياء أخرى يمكن أن تكون من أسرار الوجود. استدعاني الطبيب، ولم يقل لي إنك ستموت. قال لي فقط إن الورم الذي في أمعائك يكبر، ويتحجر. وابتسم. لم تحو ابتسامته نفس الضوء الذي تحويه ابتسامتك. هل أقول له إنك أخي وإن عليه واجب إنقاذك من أجلي؟ هل أحدثه عن أبيك الذي يبكي؟ هل أقول له إنك أتيت من هناك، وإني أتيت لأراك، وكنتَ تبتسم، وجعلتني ألمس بطنك القاسي، وكنتَ تبتسم؟ لم تكن تتوقف عن الابتسام، والنظر إليّ، فغرقت بعينيّ في نظرتك العميقة، وقلت لنفسي لن أدعهم يقتلونك. لم تنجح أمك في قتلك، فعليك العيش. عليك أن تعيش الحياة التي اخترتها حتى النهاية. لما كان عمرك عدة أسابيع في بطن أمك، أرادت أمك قتلك بكينينها، عبثًا. ولما كان عمرك عدة أشهر في أحشائها ضربت بطنها بالمدق لتسقطك لكنها هي من سقطت على الأرض، بساقيها المزاحتين، وهي تواصل ضرب بطنها، وهي تدق، وهي تدق كيانها. أم جوهان أيضًا ضربت بطنها بمسند السرير، ضربت نفسها، ضربت نفسها حتى الإنهاك. أنت وجوهان كنتما قد قررتما العيش.

من وراء نافذة الفندق، كان جوهان وأمه يراقبان الحياة ((العادية)) لأحد الشوارع. ثم ابتعدت أمه كظل أصفر شاحب ورقيق. لم يدر الطفل رأسه. كان اللامتوقع يتهيأ في ظهره. كان الشارع ضيقًا يعج بالحركة، يؤدي إلى كنيسة. مكان للعبادة مقفل بقُفل، كان يبدو معزولاً عن العالم. كان يفلت منه صوت البحر. صوت مخنوق. صوت أشبه بصرخة أو بضحكة مقموعة. صوت لم يكن في الواقع صوتًا. كان على البحر أن يبدل صوته أو مكانه إذا ما عاند. وأولئك الناس الذين لم يكونوا يركضون من وراء متعهم، كما كانت تعتقد الأم التعسة. كأمك، ككل أمهات هذا العرق اللعين الذي هو عرقنا، نحن، بؤساء هذا العالم أجمع، هذه الأم تخدع نفسها عندما يتعلق الأمر بإشباع رغباتها. كان الناس الذين يتحركون على الأرصفة يتحركون لأسباب أخرى غير الركض من وراء متعهم، حتى أن كثيرين منهم كانوا مضطرين إلى النزول على الطريق المعبدة للالتفاف حول الخط الطويل للسيارات المصفوفة على ظهر الرصيف. هذا ما يدعى بخطوط جهنم. ومع ذلك، كانت الجنة على بعد خطوتين من هناك: قاعة عرض وحلم للذين هم مثلك، مثل جوهان، للذين كانوا قد نجوا من الموت في الرحم الخائن. وإعلان للأقزام... توأم أمك عادت إلى السعال بقوة، بقوة كبيرة، فاضطر جوهان إلى ترك النافذة. كان يريد أن ينادي طبيبًا، فهزت أمه رأسها سلبًا. كان الفندق ساخنًا أكثر مما يجب، مما جعل الأمر غير محتمل. لهذا السبب كانت تسعل. لا شيء خطير. اتجه توأمك نحو النافذة، كما لو كان يريد فتحها. أخذ يلعب بالستارة. كانت أمه تعلم أنها كانت تموت، فما فائدة الذهاب إلى المستشفى. متع باريس ستكون للمرة القادمة. من يدري؟ ستعود على شكل ملاك. بنفس عمرها. ستعود على شكل ملاك بنفس عمرها. ستعود مع صغيرها جوهان، وقد غدا شابًا. آه! لو يمكنها الراحة قليلاً، ستغادر غدًا في الليل، ويوم الاثنين صباحًا، ستكون في البيت. البيت، الريف، الطفولة. أنت ولدت في المدينة، وجوهان في الريف. كان الريف مهده. ومثلك ولد رغم إرادة أمه. عصى. عانى، لكنه عصى. ولأنه تحمل كل آلام العالم، لم يصرخ، وهو يخرج من بطن عذاباته. لم يعد يمكنه العذاب. لهذا نظرت إليه أمه كأمك بحقد، لم تكونا طفلين كباقي الأطفال، لم تبكيا عند عناق الحياة. كانت الحياة لكما دمعة زائفة، ولنا بسمة زائفة.

في اليوم التالي، أتيتك بحذاء جديد، غير أنك، ابتداء من تلك اللحظة، لم تعد تمشي. كان الورم في بطنك قد ازداد تصلبًا، ولم تعد تستطيع الأكل. كنت تأكل نفسك كالحجر يأكل نفسه، أو أنه الوحش في أعماقك هو الذي كان يأكلك. وكنت تبتسم. لمست الحذاء الجديد بأصابعك، وطلبت مني أن أحتفظ به في البيت حتى عودتك، قائلاً لي إنك ستلبسه، إننا سنذهب معًا إلى باريس، وإننا سنتمشى. لكنك لم تعد، وحذاؤك الجديد بقي جديدًا.
لم تكن تستطيع أن تقول الوداع للحياة بطريقة أخرى. وعلى العكس، كانت توأم أمك تريد أن تقتل لحظاتها الأخيرة على طريقتها. تركها جوهان لقلقها الرهيب، وخرج. وما أن انغلق الباب، عضت إصبعًا، ثم لعقتها. كان دمها، وكان الحق معها. أخيرًا، تركت نفسها تسقط على السرير، وهي تتعلق برأسه، وهي تنتحب، وتئن، وهي تهز رأسها في كل صوب. كانت طريقتها كي تقول الوداع للحياة: نوبة هستيرية، وجرعة كحول كبيرة، ثم جرعة ثانية، ثم جرعة ثالثة. كانت تئن، كانت تسعل، لكنها كانت تحتفل بالموت.
لم تزل تسعل، توأم أمك. أسقطت القنينة على السرير. حاولت القبض عليها برعونة في الوقت الذي كانت فيه تتكلم مع نفسها. عند غياب جوهان، كانت تتكلم مع نفسها. كانت تتكلم مع أمك دون أن تعرفها. كانتا أختين دون أن تكونا أختين، كسمك البحر، كالطيور المهاجرة. كانت تتشبث بالفراش بعناء. كان من اللازم أن تبقى صاحية. كان لها صيت المنطقيّ. لم تعش أبدًا حياة سهلة. كانت لها بعض الأحلام، بعض المغامرات، بعض المشاريع التي فشلت كلها دون عاقبة. رغم أنها كانت تفكر بشكل عقليّ. أو ربما بسبب ذلك. في حالتك، في حالتها، كان لكما مرض عضال، هذا كل ما في الأمر. كان ذلك دون منطق. لكن هذا ما كان. عضال. مرض يُعطى اسمًا لنوهم بمنطق. دون دواء، ليس هناك أقل مكان للعقل. كان الطب يهذي بخصوصك، بخصوص أم جوهان. كان الموت الذي ينتظركما المنطق الوحيد. أضف إلى ذلك، سقطت من السرير، يائسة، وأخذت بالنحيب، بالأنين كالهالك اللعين. كانت على ركبتيها، ويداها ممدودتين على السرير. كانت تهمهم: يا إلهي، اجعلني أصل إلى البيت قبل موتي! وبعناء نهضت. بصقت دمًا، لوثت العالم، قبل أن تعود إلى السقوط، ساكنة دون حراك. كان نفير سيارة الإسعاف يدوي من بعيد. صورة واحدة بقيت حية في رأسها: جوهان وهو يركض في حقل من القمح الذهبيّ. كانت تنادي. كانت قلقة. كان مفاعل نووي يبصق الدخان. أما أنت، أيها الصغير، فلم تكن تتوقف عن الركض. كنت تسلك شارعًا بعد الآخر. كانت أمك تركض من ورائك، كانت تمسك بك، كانت تضربك. كانت تضربك، وتبكي معك. في النهاية، كنت تفلت منها إلى ذراعي أبيك. وكلاكما، مع مصلين آخرين، كنتما تدخلان المسجد. كان آخر ملجأ لك. لم يكن جوهان يبدي أية مقاومة، وأمه تضربه، وهي تبكي. لم يكن يستطيع أن يجد ملجأ لدى أحد، لا إنسانًا، ولا إلهًا. ثم كانت أمه تضمه بحنان. وبحركة خاطفة، كانت تختطف سنبلة قمح تفركها بين أصابعها. دون حَب. حقدها كان المفاعل النووي. كانت قد أخذت بالسعال قويًا جدًا، وهي تجر جوهان من ذراعه للرجوع إلى بيتهم، في ريف قتيل.

أسابيع مضت. حجرتك المزججة كانت إلى جانب حجرة توأم أمك. كنت تبتسم لها بلا كلل رغم أنها كانت تغمض عينيها، وكانت مخدرة. كنت تبتسم لها. كنت تبتسم لي. كنت تنحف يومًا عن يوم. الصخرة في بطنك كانت تقوى من لحمك، وأنت، كنت تبتسم. كنت تتشبث بابتسامتك، بطفولتك الذاهبة، وبصخرة الموت في ذات الوقت. كان الألم لم يأت بعد. كان اليأس لم يهاجم بعد. وفي لحظة أمل، تركتك إلى الطبيب. قال لي هذه المرة إنك ستموت، قال لي إنك ستموت. بكل بساطة. كان إله الألم يتأهب للعمل بكل قسوة. رجوته أن يفعل شيئًا، لكنه حدثني عن العجز المالي لمستشفى (( فيلجويف ))، هناك حيث يعالج السرطان، هناك حيث كنت تستطيع أن تجد حظًا، حظًا صغيرًا، حظًا صغيرًا جدًا، فمن يدري. كان أمل اليائس. اللاأمل، في الواقع. لم لا نحاول؟ كان العجز المالي لا يسمح بذلك. المفاعل النووي لم يكن يطرح أي مشكل للنقود. لشفائك، كانت النقود تنقص. أمل شفاء مستحيل.

أما جوهان، فلم يغادر نافذة الفندق. كان ينتظر عودة أمه. لم يكن يعلم أن الأمل ليس أبدًا إلى جانب اليائس. سقط الليل، وهو لم يزل يترقب دومًا عودة أمه. لقد وعده الطبيب. سيكون سريعًا، قال له. ستكون عودتها سريعة. لم يكن الطفل يعرف التفكير في الموت. يبقى طفلاً رغم كل شيء. بالنسبة له، البشر لا يموتون. كانوا كلهم ملائكة الأرض. كانوا كلهم خالدين، خاصة الأقزام، أولئك الأطفال الذين لا يكبرون أبدًا. هذا ما كان الطفل يفكر فيه. هذا ما كانت البراءة تفكر فيه ببراءة. أضاء إعلان الأقزام. تمنى جوهان ألا يكبر. ترك النافذة ليجول في ممرات الفندق. سينتظر أمه قرب الباب، فكر الطفل. هكذا سيمكنه أن يأخذها بين ذراعية بأكثر سرعة. ثم قال لا، لن تأتي. تذكر أنها بصقت دمًا كثيرًا. بحر من الدم أكثر غَدَقًا من المرة الأخيرة، عندما كانا في البيت قرب دخان المفاعل النووي الذي يقتل. كان عليه هو أن يذهب لإحضارها. لن يفعل كما فعلت أمك عندما اكتشفت الورم في بطنك للمرة الأولى. كانت أمك قد بكت، وشدت شعرها. كان أبوك قد حمل القرآن، وأخذ يتلو الآيات الأكثر رحمة. سيذهب لإحضارها، أمه، هناك حيث كانت، ويعود معها. توقف على بساط أحمر بلون الدم. رجل صغير جدًا، بأنف كبير معوج، وعينين مدورتين، وغرة على الجبين، مر بسرعة من أمامه، فعاد جوهان يسير نحو جدار علقت عليه لوحة في إطار ذهبي. كان يمثل لوحة لامرأة سمينة عارية تتضارب مع شخص يرتدي سروال جلد كثير الشعر وحذاء مفلوقًا. كانت المرأة زهرية كلها، والشخص أسمر الأديم مثلك ومثلي، مثلنا أبناء شمال إفريقيا. كان شعر على كل بدنه. وجوهان ينظر إلى المشهد عن مقربة، لاحظ أن المرأة لم تكن ساخطة بما أنها كانت تبتسم ببلاهة.

في شوارع باريس كان الناس يركضون من عمل إلى آخر كالعادة، ولم يكن أحد يعرف أنك تحمل صخرتهم في بطنك. كانوا الجبل العاجز أمام موتك، أنت تدري! بين قنبلة هيروشيما والبحث العلمي سيختار الجلاد القنبلة. بين قتلك والبحث العلمي سيختار الجلاد قتلك. بين قطع ذراعه والبحث العلمي سيختار الجلاد قطع ذراعه، بعد أن يقطع كل أذرع العالم. وهذا ما فعل، بشكل من الأشكال، هذا الكائن اللاإنساني، حين عمليتك الأولى. انهارت أمك على مقعد. بكى أبوك، ودعا. كانا يتألمان ألمك قبل وصوله بوقت كبير. كان انتظارك للألم جريئًا. لم تتوقف أبدًا عن الابتسام. أتقاتله بابتسامة؟ كانت الابتسامة سلاحك. أتقاتله بيأسي؟ كان اليأس سلاحي. أتقاتله بصيف الجزائر؟ كان أبوك يبكي في الجزائر، ودموعه كانت سلاحه. لكنك لم تكن تعلم أنك ستموت، وكنت تحلم بحذائك الجديد يوم تعود إلى البيت لتلبسه، ونذهب إلى شوارع باريس لنتمشى.

وجوهان يفحص اللوحة، كان يحدد بصره إلى الحيوان، وهو يداعب فخذ المرأة. إنه جلادك الذي تدبر أمر عدم قطع ذراعه. أدار توأمك ظهره للوحة ليذهب نحو باب مفتوح، لكن الأقزام هم الذين كانوا هناك. خمسة رجال صغار منشغلين بحمى وانفعال كانوا لا يقفون في مكان، وهم ينتقلون بسرعة، ويتكلمون، ويومئون. على طرف السرير، كان قزم عجوز سمين جدًا يجلس بشعر أبيض وعيني عصفور. كان يخيط ثوبًا صغيرًا لعروس، ويشير إلى جوهان الذي دخل الحجرة لتوه. وكما هو الأمر في الحكاية، انغلق الباب وحده من ورائه. أخذ الطفل يضحك، بينما كنت تصرخ، وأم جوهان تبكي، عاجزة، في سريرها. كان جوهان يضحك، كان يضحك. ارتدى ثوب العروس الصغير. كان الأقزام يضحكون، كانوا يضحكون. كانوا قد أحاطوا به كما لو كانوا يحضرون عرضًا مسرحيًا. قفز أحد الأقزام المرتدي لقناع قرد على السرير وعمل سلسلة من الحركات التي أظهر فيها خفته ومهارته. كانوا يضحكون، كانوا يضحكون، إلى أن انفتح الباب فجأة، وظهر رئيس الأقزام. أخذه الغضب على منظر الحجرة. أعطى أمرًا بصوت جاف وساخط، ورمى بقبعته أرضًا. استداروا كلهم، مذعورين، بينما كان رئيسهم ينذرهم بترتيب الحجرة. أطاعوا، وتوأمك المرتبك قليلاً يتقدم من الجلاد، الذي خلع عنه الثوب، وأشار إلى الباب بطريقة شرسة جدًا. فهم جوهان هذه المرة أن أمه لم تكن موجودة خلف الأبواب المفتوحة، وأن عليه الذهاب للبحث عنها في مكان آخر. لكنه لم يكن يعرف ما يفعل للحاق بها. عاد إلى حجرته، ونظر من النافذة. كان الليل مخيمًا...

سقط عليك الألم دفعة واحدة بعنف وضراوة، وكأنك غدوت شعبك، وكأنك غدوت مكانك الآخر، ذلك الذي يعذب، وهو يبتسم، وكأنك غدوت كفارتنا إلى خراب الحضارة، وكأنك كنت تريد إطلاقنا من حضارة الخراب، من ذنوب آدم، من قاتل هيروشيما، من ذابح الجزائر الذي يبقى غير مسمى، وكأنك غدوت صرختنا المسموعة أخيرًا، وكأنك غدوت كل هذا على الأقل في غرفتك الصغيرة التي في مستشفى سان-فانسن دو بول، الواقع قرب مترو بور-روايال، هناك حيث تصمت التماثيل... وعلى العكس، كان توأمك يبدو الوحيد الذي يريد أن يقول شيئًا في حالتك، الذي يستطيع أن يحكي عنك، دون أن يصل رغم ذلك إلى صياغة الكلمات التي تعبر عن فاجعتك. كان جوهان يقف دومًا وراء النافذة، لم يكن جوهان ينام، كان ينتظر عودة أمه بيأس. هل ستعود إلى وضع حذائك الجديد ذات يوم؟ هل سنتمشى في شوارع باريس كما كنت تحلم؟ هل ستشتري من الشانزلزيه شوكولاطه وتطعمني؟

في آخر عرض الأقزام، غادر المشاهدون القاعة مع ضحكهم غير اللائق، وفرحهم الزائف. تفرقوا، واستعاد الشارع هدوء ما بعد منتصف الليل. طلب الأقزام الفندق ما عدا رئيسهم. أشار بيده إلى جوهان بالنزول، فنزل توأمك. كان على رئيس الأقزام أن يأخذه إلى المستشفى بما أن كليهما قد ذهب معًا اليد باليد. وأنت الذي كنت تصرخ، كنت تصرخ. كنت تصرخ... قال لي طبيبك من الأفضل أن تموت في الجزائر، هناك حيث يبكي أبوك. أمام سُخطي، أوضح لي كيف أن ترحيلك، وأنت ميت، سيكلف الدولة غاليًا. وعندما قلت له ما أنت سوى طفل، وإنك غدوت ضامرًا بسبب الصخرة التي تنهشك في بطنك، إنك غدوت خفيفًا كعود زيتون يابس، أجابني أن الوزن لا حساب له، أن الميت ميت أولاً وقبل كل شيء، سواء أكان ضامرًا أم بدينًا، طفلاً أم بالغًا، وهو سيكلف الدولة غاليًا، غاليًا جدًا. حتى طفولتك لم تشفع لك.

قاد رئيس الأقزام جوهان إلى المستشفى. في الممر الطويل المؤدي إلى غرفة أمه، سقطت عليه صرختك كالصاعقة. رآهم، وهو يمر أمام غرفتك، وهم يخدرونك، ثم دخل، مع هذا الشخص البَئِس، غرفة أمه. خانتك الطفولة والرجولة، وغدا موتك أمرًا مهمًا من أمور الدولة. هل أتركك تذهب؟ كانوا قد اتخذوا قرارًا دون أن يأخذوا برأيي. وجوهان، وهو يرتمي على صدر أمه المخدرة في سريرها، لم يفهم أنه لم يكن يمكنه شيئًا أمام قرارهم. سرطان رئة، قرأ رئيس الأقزام على البطاقة الطبية. بلا أمل. مثلك. بلا أي أمل. يعني لا أمل في الشفاء. أبعد الشخص البَئِس توأمك عن أمه الغائبة عن الوعي، وبيد عزومة رمى الغطاء على الأرض. كانت توأم أمك عارية كما ولدتها أمها. صعد عليها، واغتصبها تحت النظرة المستقرة للطفل. بدأت تبصق الدم، لكن هذا الشخص الخسيس واصل اغتصابها حتى أسلمت الروح. انسحب جوهان دون أن يفوه بكلمة. تردد قليلاً أمام بابك، ثم دخل. كنت مخدرًا تمامًا. ومع ذلك، ارتمى على صدرك منتحبًا. كان الدمع يسيل من عينيك المغلقتين. كان يسيل... أخذ جوهان بالسعال كأمه. كان يسعل سعالاً قويًا، قويًا جدًا. لم يتوقف عن السعال أبدًا.
* * *
أتيتك إلى الجزائر بعد موتك، وبكيت. قالوا لي إنك انتظرتني طويلاً، إنك بحثت بعينيك عني، ثم يئست. كنت محاطًا بأقزام يرددون الشهادتين كي تعيد كلماتهما، وتموت مسلمًا صالحًا. جلسوا طوال ليلة احتضارك، وهم يقبضون على يدك بين أيديهم، ويأمرونك بقول القول الطقسيّ. أبوك، أبوك التقيّ، لم يعد يحتمل أن يراهم، وهم يعذبونك أكثر مما فعل الشيطان فيك، فطردهم جميعًا، ثم تقدم بيده نحو فمك المفتوح قليلاً، وضغط بكل قواه.

باريس/ أبريل 1980

* من "حلمحقيقي" المجموعة القصصية الرابعة لأفنان القاسم بمناسبة نشره للأعمال الكاملة.
مفكر وأديب وأكاديمي متقاعد من السوربون
ramus105@yahoo.fr

 الأحد 18 / 12 / 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان