home
tri
tri
focus
لؤي الزهيري فتى العراق الحر وقصص 69

لؤي الزهيري فتى العراق الحر وقصص 69


هاتفته قبل أيام وسألته أين أنت يا لؤي؟ قال أنا متقاعد. ولكن هل يتقاعد الشاعر؟

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف


لؤي الزهيري وعبدالوهاب البياتي في مهرجان ابي تمام 1971

لا أكتم سرا إذا قلت إنني كنت معجبا بكتابات الصحفي المبدع، والصديق العزيز مجايلي وأخي الأستاذ لؤي الزهيري، فالرجل كان مفعما بالنشاط أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، فهو شاعر كذلك نشرت له دواوين كان لها أصداؤها الأدبية ليس في الموصل وحسب بل في العراق كله.

لؤي الزهيري ولد وعاش في واحدة من أعرق محلات الموصل تلك هي محلة المكاوي نسبة إلى الفقيه والمحدث عبدالله المكي، وهي قريبة من محلتي التي ولدت فيها محلة رأس الكور، وكانت المحلتان تعجان بالتيارات السياسية والفكرية، وتتبادلان الأدوار، وكان لكل محلة منهما رموزها الأدبية والسياسية والفكرية التي كان لها دورها في تشكيل المشهد الثقافي والسياسي الموصلي المعاصر.

ولد سنة 1945 وهي السنة نفسها التي ولدت فيها وترعرع في هذه المحلة وأنهى دراسته الابتدائية والمتوسطة فيها وأكمل الإعدادية في "الإعدادية المركزية"، وهي من المدارس المتميزة بنشاط أساتذتها وطلبتها. دخل كلية العلوم وأنهى السنتين الأولى والثانية لكنَّ ثمة طارئا سحبه من الدراسة ليلقي به في ميدان الأدب والشعر. كان مولعا بالقراءة واندفع باتجاه الصحافة، وخاض أول تجربة أدبية في حياته من خلال انتمائه لجماعة أدبية قادت حركة ظهرت في الموصل ضمت نخبة من شباب الستينيات أطلقت على نفسها مجموعة قصص 69 وأصدرت كتابا باسم قصص 69.

"كتبت عن جماعة قصص 69 مقالا نشر في مجلة الصوت الآخر (العدد الصادر في 28/11/2007) وقلت فيه: قصص 69تولد من كبت وجودنا، من بسمة الشحوب في جباهنا، من تداخل أفكار تشيد عالم الإنشاء، ولن يسل الأمل في رؤوسنا، نغني للجدب، ونحرق بخور أهازيج لما نقدمه، ولكنها علامة لوجودنا، إصرارنا الحي رغم كل الرسوم الذليلة التي تنحتها أزمة الوجوه الصدئة، وكل اغتيال لصوتنا سوف يحقق هزيمة نعرفها مسبقاً، ونعلنها للشمس والقمر.

بهذه الكلمات والموسومة "ومضة في الطريق الخرساء" أفتتح القاص حسب الله يحيى سلسلة حلقات من قصص لجماعة أطلقت على نفسها "جماعة أصدقاء القصة في الموصل 1969".

ويبدو أن أصدقاء القصة في الموصل، يوسف الصائغ، وطلال الحديثي، ولؤي الزهيري، وحسب الله يحيى، وأنور عبد العزيز، وعبدالستار ناصر، وسالم حسين الطائي، وعبدالغني علي يحيى وغيرهم، قد أدركوا أنه لا بد لهم من أن يبدأوا مشروعاً أدبياً، ونضالياً يرتكز على أسس من الوعي بضرورة الخروج من شرنقة القوالب الكلاسيكية في التعبير عن أنفسهم، وذواتهم، وعصرهم بانسيابية تعتمد الحرية والأمل والصدق.

وقد وجدوا من حولهم أناسا رحبوا بمشروعهم، وأسهموا معهم في زرع "أكف الحب، والاهتمام، والنقد الأصيل". ويقيناً أنهم مضوا للولوج في كل الطرق التي أسموها، في حينه، (عرجاء) وكانوا متأكدين من أن "الومضة ستكبر" وستمدد جذورها نحو الرسوخ؛ فالمشروع نقطة ارتكاز نحو الفهم، وثورة وثوق حارة في تلامس الأصوات، أما كل الأحلام العصفورية فينبغي أن تؤول إلى زوال، لذلك قالوا في صدر الحلقة الثانية من "قصص 69" التي صدرت في آذار 1969، أن قصصهم ثورية. وتصدر "تضامناً مع الحركة النضالية التقدمية في العالم، والتحاقاً بغد الإنسان المشرق في فلسطين وفيتنام. إنهم وعدوا قراءهم بأن تحمل قصصهم رايات الإقدام الصلد، والانفتاح الجاد على التيارات القصصية المتسمة بالصدق والمعاناة.

لقد جاء ظهور جماعة قصص 69، الأدبية متزامناً مع سلسلة من الأحداث المحلية والعربية والدولية، لعل من أبرزها انعكاسات هزيمة حزيران 1967، وتمرد الشباب على الواقع المر الذي كانوا يعيشونه، حيث الانكسار، والإحباط، واليأس، وخيبة الأمل من أنظمة سياسية ظلت تضحك على ذقون شعوبها، وتستنزف إمكاناتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتأتي النتائج مؤلمة. فكان لا بد لمثقفي الأمة من ان يبحثوا عن طريق آخر يمكن ان يوصلهم إلى بر الأمان.

وإذا كان نزار قباني قد عبر عن حالة السقوط تلك بقصيدته الشهيرة "هوامش على دفتر النكسة"، وإذا كان صادق جلال العظم قد كتب نقداً ذاتياً قاسياً بحق حكامه ومواطنيه في كتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، فإن أدباء الموصل ومعهم زملاؤهم في بغداد والمدن العراقية الأخرى، قد وجدوا في "الفن القصصي" ما يعينهم على تحمل المآسي، والتدهور، والتراجع، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل جعلوا من تلك الحالات اليائسة نقطة انطلاق "لرفض وتجديد الفكر والأسلوب"، ولن يكون ذلك، كما قالت مجلة العلوم (اللبنانية) في حينه في معرض نقدها لقصص 1969، الا "بالانفتاح لكل فكر يخدم الإنسانية".

أما مجلة ألف باء (البغدادية) فكتبت تقول إن ما فعله أصدقاء القصة في الموصل يشكل، بحق، "انعطاف حاد في تاريخ القصة العراقية" فبعد ان كانت القصة ميداناً لا يلجه الا قلة من الأدباء، فإن هؤلاء الشباب فتحوا الباب على مصراعيه ليرتاد القصة أكبر عدد ممكن من الأدباء، وكل ذلك بفعل تسهيلهم النشر الذاتي المعتمد على إسهام الأدباء أنفسهم مادياً وقصصياً.

أما القاص الكبير عبدالمجيد لطفي (1905-1992) فكتب بعد أن قرأ الحلقة الأولى من قصص 69، يقول إن تلك القصص تعكس "مواهب جديدة تلتصق بالحياة والواقع المرير".

وذهب جوفر حداد أبعد من ذلك حين عد القصص المنشورة "مجهوداً يسد ثغرة في أدبنا العربي". ورأى محرر ملحق جريدة الجمهورية (البغدادية) في القصص ومضامينها "قضية شريفة وعميقة لاتوجهها الأنانية الفردية". وقالت مجلة الأسبوع (البغدادية) إن القصص "خطوات جادة، عازمة، رصينة".

لقد صدرت الحلقتان الأولى والثانية من قصص 69 في آذار 1969 بمشاركة مادية وقصصية لشباب من مختلف الأفكار والاتجاهات السياسية والفكرية السائدة في العراق آنذاك، ولكن ما كان يجمع أولئك الشباب هو الرغبة في التوثب والفهم، والارتياد المبكر الذي يرصد الحاضر بإخلاص وينظر إلى الماضي بغضب، لكنه يحمل شارة الإقدام الصلد، والانفتاح الجاد على التيارات التجديدية في القصة العالمية.

وبصدق الشيوخ وحكمتهم قال محمود العبطة، الكاتب والأديب والقاضي العراقي المعروف (1920-1986)، بعد أن قرأ القصص، بأن له الشرف في قراءة كل حرف كتبه أولئك الشباب. وقد قيم المسؤولون عن الصفحة الثقافية في جريدة الثورة (البغدادية) المجموعة بقولهم إنها تتجاوز كل الظروف والصعوبات.

حقاً كانت ردود الفعل على صدور "قصص 69" ايجابية ليس في العراق وحده، وإنما في كل الساحة الثقافية العربية، خاصة وأنها عدت تطلعاً عميقاً لمعيار التعادل الموضوعي بعد الهزيمة، ووجهاً تقدمياً نابعاً عن صميمية حقة، ومحاولة جادة في تبديد الأقنعة الزائفة، وأصواتا شابة طموحة لكنها خدرة في صخب الحياة والصمت وعنفوان اللامبالاة الفكري. إنها كما قالت جريدة الحرية (البغدادية) "أصوات تزرع أقمارا في النفوس".

ليس من السهولة حصر الآباء المؤسسين لجماعة أصدقاء القصة في الموصل، لكن من أبرز الأسماء التي وجدنا لها إنتاجاً قصصياً منشوراً ضمن "قصص 69"، سالمة صالح (مواليد 1942)، يوسف الصائغ (مواليد 1933 )، طلال سالم الحديثي (مواليد 1944)، حامد الهيتي، عبدالستار ناصر (مواليد 1947)، محسن الخفاجي، عبدالغني علي يحيى، سالم حسين الطائي، أنور عبدالعزيز، حسام داوود، فاضل الربيعي، حسب الله يحيى (مواليد 1944)، عبدالصمد حسن، لؤي الزهيري، منيب محمود السعدون، فخري محمد أمين، ريسان جاسم، وعبدالوهاب النعيمي، طلال عبدالمجيد، محمود جنداري الجميلي (1944 ـ 1995)، يوسف عبدو يحيى (1934-1993) غازي العبادي (مواليد 1935) جمعة اللامي، خالد الخميسي، فاضل العزاوي (مواليد 1940) غانم الدباغ (1923 – 1991) عبدالرحمن مجيد الربيعي، موفق خضر، منير عبدالأمير، ستار الشيخ، سليمان البكري، خالد حبيب الراوي، محمد عبدالمجيد، عبدالله رستم، سهيلة الحسيني، مائدة الربيعي، وناجح المعموري.

لقد استطاع أدباء الموصل من خلال هذا التجمع القصصي الرائع ان يجتذبوا أصدقاءهم من مختلف المدن العراقية، ليسهموا معهم في مشروعهم، فكان هناك من أرسل قصصه لتنشر ضمن "قصص 69" من الحلة، والفاو وحديثة، وبغداد، والناصرية، واربيل، والبصرة ولم يكن يجمع بين هؤلاء سوى الكلمة الحرة الصادقة النظيفة.

لقد اتسمت المجاميع القصصية التي ضمتها الحلقة الثانية من "قصص 69" بالتركيز على الجوانب الإنسانية، وخاصة فيما يتعلق بالصدق، والحب، والحنان، ورفض العنف، والطيبة والشرف، والتفاؤل، والكلام عن الطفولة والذكريات، والخروج من ضفة الكآبة والدخول في ملكوت العشق والرحمة. لقد استحضر عدد من رواد قصص 69 ذكريات مقاومة المحتل في الجزائر وفيتنام وفلسطين وأفريقيا.

كان باتريس لوممبا. هذا الرجل الأفريقي الذي قتل لأنه أسود. وماوتسي تونغ في الصين والذي صرح أكثر من مرة بأن الجيش المسلح وحده لا يكفي إذ أننا بحاجة إلى جيش ثقافي. وفي واشنطن حيث كان الشعب الأسود يتظاهر ضد التمييز وفي صفحة أخرى، كانت صورة نابليون، بقامته القصيرة وهو يعبر البحر إلى فرنسا وملايين البشر تردد وراءه "لا يوجد مستحيل".

وأخيراً، ونحن ننتهي من رواية قصة "قصص 69" لا بد لنا، إلا نحيي مجهودات أولئك الشباب الذين انطلقوا من خلفية واعية، وفهم عميق لما كان يحيط بهم من متغيرات ويقيناً ان جهداً إضافيا كان إلى جانبهم يدعمهم بالمادة والتشجيع، فالفنان الراحل ستار الشيخ صمم غلاف الحلقات، ومطبعة الزوراء الحديثة لم تبخل عليهم، بل وان تجاراً وأصحاب وكالات سفر ومكتبات ومطاعم ومحلات للكماليات والعطور كانوا ممن نشرت إعلاناتهم لديهم، لكي يتمكنوا من تغطية نفقات الطبع والنشر. وهكذا فان الهمم عندما تعلو، والنفوس عندما تتسامى، والنيات عندما تصدق فان النتيجة تكون عملاً أصيلا لعل من أبرز سماته أنه ينفع الناس ويمكث في الأرض.

وهكذا كان لؤي الزهيري ضمن أولئك الأدباء والشعراء الذين قدموا أنفسهم بجرأة وشجاعة كبيرة. وحاولوا أن يكون لهم شأن فكان أن برز معظمهم وصارت له بصمة في جدار الثقافة العراقية المعاصرة .

لم يقف لؤي الزهيري عند حدود هذه الجماعة أو هذا التكتل الأدبي بل ساح في دنيا الأدب والصحافة، وأخذت كتاباته تجد لها مكانا في صحف ومجلات عراقية وعربية منها الأديب ( اللبنانية) وكل شيء والجامعة (العراقيتين).

في سنة 1970 أصدر مجموعة شعرية عدت البكر في نتاجه الأدبي حملت عنوان "صوت الثلج ". ولست هنا في معرض نقدها ومعرفة مكانتها في المكتبة الشعرية العراقية المعاصرة لكنني أسمح لنفسي القول بأنها نالت حين صدورها اهتمام عدد غير قليل من أدباء العراق بالنقد والتحليل على الرغم من قلة إنتاج صاحبها وضعف تجربته الشعرية كما قيل في حينه. وممن تناولها القاص الراحل محمود جنداري وحسب الله يحيى وعاصم إسماعيل وذو النون الاطرقجي وآخرون من رعيل الأدب الستيني المعرفين.

اختار في مطلع السبعينيات ـ أو بالأحرى اختاره أو اختطفه ـ الإعلام ليكون عنصرا مميزا فيه وعضوا في نقابة الصحفيين العراقيين وفي الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وصدرت له مجموعة شعرية جديدة بعنوان "العشق الذي لاينحني" وهي بحق تجربة شعرية ناضجة وقد جاء في مقطع نشر على غلافها:

يا فتى الزمن الحر

طاب صباحك كالشمس حين تدغدغ خفق الليالي

وخفقك هذا المرحل

مثل ضفيرة ليلكة

سرقتها أنامل هذا الخريف

هاتفته قبل أيام وسألته أين أنت يا لؤي؟ قال أنا متقاعد. ولكن هل يتقاعد الشاعر؟

لا أدري أرجو أن يعيد صديقي الشاعر والصحفي لؤي الزهيري النظر في قراره. فلقد كان بتحقيقاته الصحفية – الأدبية وملاحقته للأنشطة الثقافية والأدبية وخاصة في مجلة الجامعة مجلة جامعة الموصل، مذاقها ونكهتها الطيبة والتي من الصعوبة على أي إنسان يحب هذه المدينة أن ينساها.

تحية للؤي الزهيري شاعرا وأديبا وصحفيا من الطراز الأول.

 

 

 الثلاثاء 12 -7- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان