home
tri
tri
focus
من هو الشريك السُّني الحقيقي للسلطة في العراق؟

من هو الشريك السُّني الحقيقي للسلطة في العراق؟


صالح العوسج
alausaj@gmail.com

ليس بالإمكان الحديث عن نجاح العملية السياسية في العراق في الوقت الذي تتعرض فيه بعض الأطراف الأساسية المعنية بالتغيير الى الحظر والتهميش، ومن الطبيعي أن ينجم التنكر لنضال الغير عن إدخال البلاد في ظروف استثنائية يصبح معها الحديث عن وحدة البلاد ضربا من الأماني مع وجود شرائح مهمّشة صودر تاريخها النضالي أو أسدل عليه الستار ليتم تدوينه عبثا في صفحات أصحاب اللاّموقف. ولايقتصرحديثنا عن الإقصاء على أصحاب المواقف الواضحة من النظام السابق من أبناء السُنة في العراق الذين قدّموا التضحيات تلو الأخرى منذ عام 1968 حتى 2003، بل يمتد ليشمل العديد من أبناء الشيعة العرب أيضاً.

أن السبيل الأفضل للتضامن والعمل المشترك يتجسد في عثور التحالف الوطني على شريكه الحقيقي السُنّي لبناء دولة القانون، ولايتم له ذلك مالم يتحرك بإتجاه الأطراف التي يجمعه بها قاسم مشترك وموقف واضح من النظام السابق ويلتقي معها في الحرص على وحدة العراق. وذلك ما أغمض التحالف الوطني عينيه عنه طيلة هذه الفترة، متشبثا بأطراف محسوبة على المكوّن السني جاء بهم الأمريكيون على عجالة لإكمال المثلث (الشيعي- السني- الكردي) وماهم في الحقيقة سوى إمتداد لنظام لازالوا يترحّمون عليه في مجالسهم الخاصة ولا يترددون في التعرض له بالمديح في وسائل الإعلام إذا ما إقتضت الحاجة لذلك والعكس بالعكس. ولكن المد الطائفي قد أتى بهؤلاء الى واجهة الأحداث السياسية دون أي إمتلاك لأي موقف معارض واضح من النظام السابق، وأبرزهم، صالح المطلك الذي أخبره صدام شخصيا بأنه " لايصلح للسياسة قدر صلاحيته للمهام التجارية والخاصة"، وعلى ذلك الاساس مُنح العقود التجارية، وكُلّف بمهام إستخبارية من قبل جهاز المخابرات، لذا فلا يمكن القول سوى أن الرجل صدّامي بإمتياز إستخدم الجهد البعثي للوصول الى السلطة ومن ثم شتم البعث وتبرأمنه أمام الرأي العام، تماما كما فعل صدّام عام 1964 عندما تبرأ من البعث خدمة لأغراضه الخاصة . كما لم يكن لأسامة لنجيفي وعائلته أي دور سياسي يذكر في مقارعة النظام، وعلى العكس فقد حظت هذه العائلة بالتسهيلات التجارية من النظام الحاكم لـ (شركة الأصالة للإنتاج الزراعي) التي كان يديرها النجيفي 1992 الى عام 2005 حيث قفزت الموجات الإرهابية والصراع العربي- الكردي بالنجيفي من منطقة النمرود في الموصل الى كرسي وزارة الصناعة والمعادن ومن ثم الى رئاسة البرلمان بعد أن تراجع عن شعاراته الوطنية والقومية وتقدم لإبداء الولاء المطلوب للسيد مسعود البارزاني. وذات الحال ينطبق على طارق الهاشمي الذي لم يجد سوى ركوب المد الطائفي بديلاً عن أصله التركي السلجوقي. وأما العيساوي فلم يُتح له إختصاصه بجراحة العظام والكسور الفرصة للعمل السياسي أو معارضة النظام وكذلك الحال مع جمال الكربولي أو مايطلق عليه شعبيا "حرامي الهلال الأحمر"، أوعدنان الدليمي وما عرف عنه بـ "أمير التناحر الطائفي"، أما ظافر العاني (شريك السلطة السُنّي الحالي) فهو من إدعى بأن المقابر الجماعية إكذوبة روّجت لها إيران، ويعد أحد العناصر الأمنية للنظام السابق، فبالرغم من كونه مختص في العلوم السياسية ألا أنه (العاني) ولغاية سقوط النظام كان أحد التدريسيين البارزين في معهد التطوير الأمني التابع للأمن العامة، فضلا عن أنشطته السياسية والإعلامية في الدفاع عن نظام صدام وحتى اللحظات الأخيرة. في الحقيقة لم يتم الإلتفات الى المعارضين الحقيقيين للنظام السابق من أبناء المكوّن السني في العراق، لأن النهج الأمريكي للمرحلة السابقة والإسهامات السلبية لدول الجوار قد أبرزت الأصوات الطائفية من كلا الطرفين، فضلا عن الدور السلبي لبعض الأطراف الكرديّة.

لقد كان للمكوّن السني معارضة قوية منذ عام 1968 وحتى عام 2003، تجسدت في حركات منشقة إختلفت مبدئيا مع النظام القائم آنذاك، وأخرى حلقات معارضة كان لها وجودها العلني في ساحات النضال المعارض، وشخصيات دينية تعرّضت للنفي والملاحقة وقادة عسكريين عُـلـّقوا على أعواد المشانق نتيجة تذمرهم بل منهم من قاد تمرداً وترك خلفه رفاقا مشردون وتنظيمات سياسية وعوائل وجدت نفسها محاصرة بين أحقاد الدكتاتورية السابقة وطائفية المرحلة الحالية.. فلايمكن إغفال الدور المعارض الذي أسهم به هؤلاء ومنهم د. صلاح عمر العلي ومواقفه المبدأية من النظام السابق وإعتراضه العلني على الحروب التي شنّها صدام على جيرانه مقترحا الإنفتاح على الثورة الإسلامية في إيران بعد مجيئها للسلطة ليجيبه صدام قائلا "هذا أوان الحرب وليس موسم الإنفتاح"، وكما هو معلوم فقد كان د.العلي من أبرز المؤسسين لحركة الوفاق المعارضة للنظام ويعلم الكثيرون مدى الضغط والمضايقات التي تعرضت له عائلته لثنيه عن مقارعة النظام ولكنه أبى إلا الإستمرار لحين الإطاحة بصدام. وكذلك هو الحال مع السيد صلاح الشيخلي العنصر الفاعل والمؤثر في حركة المعارضة العراقية ود.عدنان الباججي وحضوره المتميز في النضال ضد نظام صدام. ولازال العراقيون يتذكرون وبفخر قضية الدكتور راجي عباس التكريتي وموقفه المناوئ يضاف له الدور السياسي الذي لعبه حاتم جاسم مخلص الذي أعدم والده في قضية راجي التكريتي. وكذلك الدكتور رعد مولود مخلص وحركته الدؤوب في تأليب الرأي العام ضد نظام صدام، وليس من السهل أيضاً تغافل الدور الإعلامي والسياسي للسفير السابق ماجد السامرائي أو حازم السامرائي أو السفير فارس عبد الكريم العاني الذي أعلن إنشقاقه عن النظام ملتحقا بالمعارضة العراقية، والسفير أرشد توفيق وفاروق السامرائي، وكذلك د. أسامة التكريتي (رئيس الحزب الإسلامي) الذي تم تهميشه مؤخرا من قبل الطارئين على العمل السياسي، والشريف علي بن الحسين ذو الدور البارز والمؤثر في قيادته لحركة الملكية الدستورية التي قارعت النظام المباد.. كما كان للدورالسياسي والإعلامي الذي لعبه السيد إبراهيم الزبيدي الأثر الواضح في مقارعة النظام ومنذ إنشقاقه في سبعينيات القرن المنصرم حيث كان يتحدث بإسمه الصريح وبصوته المدوّ وهو يدير إذاعة (صوت العراق من جدة) ومنذ نهاية التسعينات والى سقوط الصنم، ولم يتغيّر من موقفه شيئا وحتى اليوم.

وأن للبعض الآخر (وإن إختلفنا مع نظرتهم النمطية المسبّقة تجاه بعض القضايا)، مواقف واضحة من النظام، كما هو الحال مع الفريق وفيق السامرائي، حيث يعد يوم التحاقه بالمعارضة انتقالة حادة وزحف بالعمل المعارض نحو الحلقات الأمنية والعسكرية المقربة من صدام، والتي ضاعفت الأمل في إسقاطه، فقد ساهم الفريق السامرائي في تعرية أساليب النظام والكشف عن مواقعه الحسّاسة وإبراز نقاط ضعفه مستمرا في عمله المعارض الى حين دخوله العراق في 9 نيسان مع الفصائل الكردية. أما السيد مشعان الجبوري ودوره الذي لاينكر في تفعيل المعارضة العراقية من خلال الأنشطة الإعلامية والسياسية على الساحة السورية، فقد كتب الجبوري في إحدى المرات مقالا علميا نُشر في جريدة الرافدين التابعة للمجلس الأعلى عام 1997 في دمشق، تحدّث فيه وبصراحة عن التمييز الطائفي الذي مارسه نظام صدام ضد الشيعة في العراق الذي أدى بالنتيجة الى إبعادهم عن الخطوط القيادية الأولى في الحُكم. أما السيد سعد البزاز فلايمكن لمنصف إنكار دوره البناء في المعارضة العراقية، فقد إستطاع بمهنيته العالية أن يكون أحد رموزها السياسية آنذاك، رغم أنه قد أعطى إنطباعا مغايرا فيما بعد (2003)، ولربما بسبب التهميش الذي لحق به من قبل الآخرين. مع ذلك، لا يجب أن تلغي الخلافات في العمل المعارض دور الآخر، فلهؤلاء ولغيرهم تاريخا ليس من مصلحة أحد إغفاله!!

هنالك أيضاً، من شيوخ العشائر ورجال الدين والقادة العسكريين من أبناء المكّون السني ممن ترك بصمات واضحة في السجل المعارض لنظام صدام، كالفريق سليم الإمام والفريق نزار الخزرجي والفريق مهدي عبدالله الدليمي، الفريق عبد مطلك الجبوري والفريق عامر شياع الجبوري.. ومن شيوخ القبائل، فقد شخّص الشيخ أبو فارس علي الدحّام (رحمه الله) مساوئ النظام منذ السنوات الأولى لحكمه متخذا موقف المعارض له، ومن رجال الدين الأستاذ الدكتور أحمد الكبيسي الذي ألقى محاضرة عام 1992 أشارَ فيها ضمنا الى ضرورة إتباع العدل والإنصاف بين أتباع المذاهب الرئيسية في العراق وعدم التفريط بأحدهم لحساب الطرف الآخر، وقد أثار فيها حفيظة النظام أعد على أثرها د. الكبيسي من المناوئين في نظر السلطة. وبالحديث عن المتصدين اليوم لتمثيل سُنّة العراق، فإن عدم إنتماء البعض للبعث لايعُد تزكية لهم مثلما لايعد الإنتماء جرماً إن لم يترتب على أثره جناية أو مصادرة حق، لذا لا ضير في فسح المجال الى ذوي من تصدّى للصداميين في (داخل العراق)، ممن لا زالت مقصلة 1979 تقطر من دمائهم وعلى مرأى ومسمع عوائلهم ومنهم محمد عايش وعبد الخالق السامرائي وعدنان الحمداني ومحمد محجوب الدوري وآخرين، فقد يمتلك عوائل هؤلاء من الأهلية ما لايمتلكه أصحاب اللاّموقف اليوم، خاصة تلك العوائل التي تصدّت للنظام من قبل ونأت بنفسها عن مساندة الإرهاب فيما بعد.

لقد ساهمت الظروف المشار إليها سلفاً، يضاف لها الأدوار الطائفية التي لعبها المتسلقون على نضال الآخرين في إبعاد من تم التطرق لهم وعشرات ممن لايتسع المقال لذكرهم، كما لم تقتصر سياسة التهميش على الشريك الحقيقي في المكوّن السني، بل إمتدّت لتستبعد شخصيات شيعيه أيضا، تحت ذرائع شتى وإلى اليوم، على سبيل المثال الوزير السابق حامد علوان الجبوري، والفريق الركن فوزي الشمري واللواء الركن عامر مخيف الجبوري ، الفريق عبد الأمير عبيّس، الفريق فارس حسين، الفريق حامد الزيّادي، والفريق الركن نجيب الصالحي رجل المواقف المبدأيه الذي إنتقل الى صفوف المعارضة عام 1995 من موقعه القيادي (قائد فرقة) مباشرة، بقيافته ورتبته العسكرية ومع أفراد حمايته ليعلن موقفه الصارخ ضد النظام، مؤسسا لحركة الضباط الأحرار المعارضة، فضلاً عن دعمه المسبق والموثّق لثوار الإنتفاضة الشعبانية 1991 وتوثيقه فيما بعد لتأريخ أحداثها في كتابه الزلزال، فيما إستمرت وتائر نضاله بشكل تصاعدي وحتى الإطاحة بالنظام، هذا وقد إستمر الصالحي مشاركا في العملية السياسية حريصا على نجاحها رغم الإقصاء والتهميش الذي تعرّض له على يد الأحزاب الحاكمة نتيجة عدم إنضمامه عضويا لأحد أحزابهم. إبتدأ العزل للصالحي منذ الجمعية الوطنية التي تشكلّت وفقاً للخريطة الطائفية في البلاد، حيث جوبه بالقول من قبل تلك الأحزاب بأنه " ليس شيعيا"، في محاولة منهم لتعويم إنتمائه المذهبي كي لايتسنىّ له مزاحمتهم في شغل المواقع العليا رغم أهليته لذلك، وقد إستمر تهميشه وآخرون الى اليوم، كالسيد ماجد الساري وفائق الشيخ علي وهم من ثوار الإنتفاضة الشعبانية اللذين تصدّوا للنظام بأسمائهم الحقيقية وعناوينهم الصريحة.

لاشكّ أن التاريخ سيكشف وبشكل جلي دور القوى التي تسببت في تمزيق عرب العراق وسعت لمصادرة نضال أبناء مكوناته.. لكن، ولتفويت الفرصة على هؤلاء، على التحالف الوطني والسيد المالكي بالذات، كونه المعني الأول بالموضوع، عليه أن يلتفت الى الخلل البنيوي في العمل السياسي في العراق، ويضع الناس في أماكنهم الصحيحة، كي لاتتحقق نبؤة النجيفي وغيره في الإنفصال وتمزيق الوحدة الوطنية. فالتردد والنظر بعين الشك والريبة الى من قالوا (لا) لنظام صدام، قد فسح المجال لأصحاب اللاموقف من أبناء السُنّة والشيعة في التسلق الى أماكن ليست من إستحقاقهم، بل وحتى النتائج الإنتخابية لاتعد مبررا لوصولهم الى مراكز القرار، فالتزوير من جهة والطائفية هي الأخرى،قد أكسبتهم رمزية مهلهلة ساهمت في فوز قوائمهم الإنتخابية ولكنها وبلا أدنى شك، رمزية هلامية سرعان ماتتهاوى صروحها، كونها تفتقر الى تاريخ نضالي يديم إستمرارها أو يمكّنهم من البناء السياسي في ظلالها.

هناك العشرات بل المئات من المكوّن السُنّي ممن يُعد الشريك الحقيقي في بناء الدولة العراقية ينبغي البحث عنهم ومساعدتهم في إحياء تاريخهم النضالي وبما يؤهلهم لإيجاد موطإ قدم في الأوساط الشعبيه العراقية، فالمعادلة الصحيحة التي يتم على أساسها إحداث التوازن في فضاء الجغرافيا السياسية ومن ثم صيانة وحدة العراق تتلخص في إستبعاد الطائفيين من السنة والشيعة والتعامل مع الأطراف ذات التاريخ النضالي ممن تشكل صفحات نضالهم وتضحياتهم قاسما مشتركا مع الأطراف المؤمنة في بناء العراق الجديد.

 

 

 الأربعاء 13 -7- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان