home
tri
tri
focus
مخاطر الجرائم غير المكتشفه على الأمن الوطني

مخاطر الجرائم غير المكتشفه على الأمن الوطني


رياض هاني بهار
عميد شرطة متقاعد – خبير في الشؤون الامنية


مع التقدم الحضاري والتكنولوجي في العصر الحديث ووجود الكثير من التقنيات بالغة الدقة وزيادة الأنشطة الاقتصادية والمالية وضخامة مواردها المالية بدأت الكثير من النواحي المجتمعية في التغير ولم يقتصر هذا الأمر على جوانب محددة بل شمل الغالبية منها، فعلى سبيل المثال بدأت سلوكيات الأفراد واتجاهاتهم الفكرية تتميز بطباع عصر التطور والتقدم . وبرغم ما حققه هذا الأمر من إيجابيات في زيادة الكم المعرفي والثقافي لدى العديد من المجتمعات والأفراد والرغبة في التقدم والنماء إلا أن ذلك كان مصحوباً أيضاً ببعض السلبيات ذات الخطورة على سلامة المجتمعات وأمنها . وكان أبرز هذه المخاطر الزيادة الملحوظة في معدلات الجريمة وتنوع أساليبها ووجود العديد من الأدوات المستحدثة في ارتكابها وظهور أنماط جديدة منها لم تكن مألوفة من قبل بل والأخطر من ذلك ظهور جماعات منظمة بدأت تسعى لتحقيق الهيمنة والسيطرة في هذا المجال بفضل ما امتلكته أو تحصلت عليه من أموال وأدوات تقنية وفنية وأفراد لديهم الرغبة في الثراء غير المشروع أو أعوزتهم الحاجة نتيجة للمتغيرات الاقتصادية التي أضرت في كثير من المجتمعات بالطبقات الدنيا فيها .
ويمكن أن نطلق على هذا الأمر- وفي ضوء ما لمسناه في الآونة الأخيرة من ازدياد النشاط الإجرامي (الهوس الإجرامي). ولقد كان من المؤسف ومع التنامي المتزايد في الجرائم وتعدد أنماطها أن الأجهزة الأمنية والشرطية لم تكن على ذلك القدر من الاستيعاب سواء للمتغيرات الاقتصادية والإجتماعية أو العلمية والتكنولوجية وكذلك أيضا وجود رؤية مستقبلية لديها بما ستؤدي إليه هذه المتغيرات . وقد أدى هذا الأمر إلى نقل العبء الملقى عليها وفوجئت هذه الأجهزة بوجود كم كبير من الجرائم يجب عليها مواجهتها وفك غموضها والتوصل إلى مرتكبيها مما أدى في نهاية الأمر إلى عدم القدرة على التوصل إلى اكتشاف هذا الكم الهائل من الجرائم وأصبح يوجد لدينا ما يسمى بالجرائم المجهولة وهي التي لم يتم التوصل إلى فاعليها وتقديمهم ليد العدالة الجنائية .
ويوما بعد يوم ومع ازدياد الظروف والمتغيرات ازداد حجم هذه الجرائم الأمر الذي أصبح يشكل في حقيقته تحدياً أمنيا للأجهزة الشرطية . ومن المعلوم لدينا أنه في العصر القديم والذي كان العالم يفتقر فيه إلى وسائل الاتصال والإعلام والفضائيات كانت دول العالم تعيش بعزلة عن بعضها البعض في كثير من النواحي ذلك حيث كانت تفتقر إلى وسائل الاتصال ونقل المعلومات الأمر الذي كان يؤدي إلى وجود ما يسمى بالجهل الإعلامي بالكثير من الحوادث والجرائم التي ترتكب وكان هذا الأمر يصب من الناحية الشكلية لمصلحة الأجهزة الأمنية التي كانت تسعى إلى إظهار صورتها بصورة المسيطر على الأمور والقادر على الوصول للمجرمين في كافة الأحوال وبشتى الطرق ورغم عدم حقيقة هذا الأمر إلا أنه كان يؤدي إلى إيجاد نوع من الأمان الشكلي .
أما اليوم وفي عصر الثورة المعلوماتية والتكنولوجيا الهائلة والانتاج الإعلامي بين كافة دول العالم على العالم) فإن كافة الأحداث والجرائم التي تقع في أي بقعة من بقاع الأرض يتم نقلها فوراً لكافة بلدان العالم وتقوم وسائل الإعلام المختلفة بإجراء التحاليل لها من كافة الجوانب الأمر الذي يعني أنه لم يعد بقدرة أجهزة الأمن في دول العالم إخفاء أي حادث أو جريمة أو التستر عليها . ومما لا شك فيه أن هذا الأمر أصبح يحدث كثيراً من الانعكاسات الأمنية والجماهيرية والإعلامية والإقليمية والدولية عند وقوع أي حادث أو جريمة والتي تتمثل فيما يلي :
اولا- لم يعد بمقدور الأجهزة الأمنية الهروب أو التنصل أو التستر على الجريمة المرتكبة بل أصبح لزاما عليها أن توضح أسباب وقوع هذه الجريمة وهل يوجد خلل أمني أدى إلى وقوعها أو لا وما هي الإجراءات الفورية التي تم اتخاذها من قبلها للتصدي لمرتكبيها في حالة القبض عليهم. أوالإجراءات التي ستقوم بها لسرعة القبض عليهم في حالة فرارهم من موقع الجريمة .
ثانيا-  أصبح المواطن أكثر حرصا على تتبع الأحداث المحلية والعالمية وبصفة خاصة ما يتعلق بالجرائم لتقييم درجة الاستقرار الأمني بموطنه أو بدول العالم الأخرى ومدى جدية والتزام الجهات الأمنية في التعامل مع الجريمة وفي الكشف عن مرتكبيها .
ثالثا- كثرة التحاليل الصحفية والإعلامية لكافة الأحداث الأمنية والنتائج والانعكاسات المترتبة عليها وهل قامت الأجهزة الأمنية بدورها الفعّال في وقت وقوعها أم أن هناك خطأ أمني أدى إلى حدوثها وهل كانت هناك أية مؤشرات تنذر بوقوعها ولم يتم اتخاذ إجراءات الحيطة والحذر والمعالجة اللازمة لمنع وقوع الجريمة التي كانت تدل هذه المؤشرات على وقوعها .
رابعا- لم يعد مقبولاً لدى المواطن وبصفة خاصة في دول العالم المتقدم ومع ما يتم استقطاعه من دخوله للإنفاق على الأجهزة الخدمية كالشرطة وغيرها أن يجدها غير قادرة على توفير الحماية الأمنية له أو أن هناك الكثير من الجرائم التي لم يتم اكتشافها والتوصل لمرتكبيها .
ومما سبق يتضح أن الجرائم المجهولة أصبحت تشكل بالإضافة إلى مهدداتها الأمنية التي سيرد بيانها عبئاً على أجهزة الشرطة والتي يجب عليها في ضوء الانعكاسات السابقة العمل على فك رموزها والكشف عنها .
ومن الواضح أن الجرائم المجهولة باتت تشكل العديد من المهددات الأمنية والتي تتمثل فيما يلي :
اولا-  زعزعة الثقة لدى الجمهور في قدرة وكفاءة الأجهزة الشرطية القائمة على حراسته وحمايته .
ثانيا- قلة الإحساس بالأمن لدى المواطنين وشعورهم بالخوف واحتمال تعرضهم للجريمة دون وجود الجهاز القادر على حمايتهم .
ثالثا- تزايد السطوة الإجرامية لدى مرتكبي الجريمة لشعورهم بالقدرة على ارتكاب جرائمهم والإفلات من يد العدالة .
رابعا- خلق نوع من الفوضى الأمنية تتجه لقلة اعتمادالمواطن على الحماية الأمنية القائمة بها أجهزة الشرطة والبدء في الاعتماد على نظم الحماية الشخصية وبدون مراعاة لقواعد الضبط والنظام العام .
خامسا- بيان عجز الأجهزة الشرطية المختصة بالكشف عن الجرائم المجهولة وعدم مقدرتها على وضع الخطط الأمنية الكفيلة بالوصول إلى مرتكبيها أو وضع آليات للتعاون مع المواطن تكفل إمدادها بالمعلومات الأمنية التي تسهم في معاونتها للكشف عن هذه النوعية من الجرائم
riadhbahar@yayoo.com
*********
مقالات أخرى للكاتب

 

 الأحد 17 -7- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان