home
tri
tri
focus
شارع "الشانزليزيه" الفرنسي يغار من شارع "هندنبرغ" الرشيد في بغداد

شارع "الشانزليزيه" الفرنسي يغار من شارع "هندنبرغ" الرشيد في بغداد

 

الذين ينبهرون بمكتبات العالم قد لا يعلمون أن مكتبة 'مكنزي' في شارع الرشيد ببغداد كانت توفر للقراء الكتب الأجنبية من كل حدب وصوب.

بقلم: ميسلون هادي

 

الذين ينبهرون بمولات عمان والشارقة ودبي وغيرها من المولات، قد لا يعلمون أن أول مول أنشيء في الشرق الاوسط كان في شارع الرشيد ببغداد. وكان اسمه اورزدي باك ويتقدمه بواب أنيق يقف قرب الباب الدوارة وتعمل فيه نخبة من الفتيات الجميلات اللواتي يرتدين الزي الموحد وفيه كافيه يطل على نهر دجلة ومكتبة تستطيع من خلالها التزود بأحدث الكتب العربية والأجنبية عن طرق (الأوردر) أو بشكل مباشر.

والذين ينبهرون بمكتبات العالم التي تحوي أحدث الكتب قد لا يعلمون أن مكتبة "مكنزي" في شارع الرشيد كانت توفر للقراء الكتب الأجنبية من كل حدب وصوب، أما خانات الإنتيكات والسجاد والمصوغات الفضية والذهبية والنحاسية فهي ما لا يمكن العثور عليه حتى في أهم شوارع التحف في اليابان وإيطاليا أو إسبانيا.

تلك المظاهر اندثرت أو كادت لولا تلك الصور المسحورة التي لا تزال موجودة في ذاكرة آخر جيل من الكتاب والفوتوغرافيين والروائيين الذين عاصروا مجد هذا الشارع وخلدوه في مدوناتهم كفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان ويوسف العاني ولطفية الدليمي وحسين محفوظ وباسم عبدالحميد حمودي وعزيز الحجية وأمين المميز وصادق الأزدي وجلال الحنفي وعلي عبدالأمير عجام وعادل العرداوي وفؤاد قزانجي وعماد عبدالسلام وجبرا ابراهيم جبرا وغيرهم كثير. ناهيك عن مئات بل آلاف الصور الفوتوغرافية المؤبدة بأنامل مصورين كبار كأرشاك وعبوش وجان وإمري سليم وناظم رمزي وعلي طالب وفؤاد شاكر وعبد علي مناحي والمصور الأهلي عبدالرحمن، والحمد لله رب العالمين إنهم إلتقطوا تلك الصور التي شكلت ناووساً لمعالمه الجميلة وجعلتها تبدو قادمة من كوكب آخر كان فيه للجمال مكان وللذوق مكان والبغددة مكان.

ألف ومئتان وأربع دنكات (أعمدة) بين دنكة ودنكة معلم حضاري في غاية الكبرياء والهدوء. من فتاح باشا وكعك السيد وحسو أخوان وأورزدي باك إلى خان مرجان وأسواق الشورجة والعربي والصفارين والبزازين. ومن شوارع المستنصر والمتنبي والقشلة إلى دور السينما التي اندثرت كالخيام ورويال وريكس وروكسي والزوراء. ومن حافظ القاضي وتسجيلات الجقمجي إلى مقاهي البرازيلية والسويسرية ومحل جواد الساعاتي، أول مسلم امتهن بيع الساعات في شارع الرشيد بداية الأربعينيات، وكان محله قريباً من المكان الذي حاول صدام حسين فيه اغتيال عبدالكريم قاسم عام 1959، تبعه ابنه ناجي جواد الساعاتي في افتتاح محل للساعات في ساحة حافظ القاضي عام 1948.

                       

• بغداد مبنية بتمر

في كل مدن العالم يبحثون عن التاريخ بشمعة جبارة لكي يحولوا داراً قديمة إلى بيت تراثي أو دارة عمرها بضعة عقود الى متحف، ونحن لدينا بغداد الممتدة إلى العام 762 الميلادي ولا أحد يلتفت إليها مع الأسف إلا بحدود لا تليق بتاريخ هذه المدينة التي كانت ذات يوم مدينة السلام. غير أن الناس كانوا يسمونها في الغالب "مدينة المنصور" نسبة للخليفة الذي شيدها. كما أطلقوا عليها وعلى ما شملته من أبنية أخرى عند توسعها "بغداد" وهو الاسم الذي كان يطلق على هذه المنطقة منذ أيام البابليين.

تلك هي بغداد التي قال عنها الملا عبود الكرخي "بغداد مبنية بتمر فلش وكل خستاوي". أما شارع الرشيد شريان بغداد الحيوي فكان شاهداً على دخول القوات الإنجليزية لبغداد عام 1917 وعلى الكثير من مظاهرات ووثبات العراق المناهضة لذلك الاحتلال، فقد شُق الشارع خلال الحكم العثماني، وعرف أولا باسم "هندنبرغ" ثم شارع "خليل باشا جادة سي" نسبة لخليل باشا حاكم بغداد وقائد الجيش العثماني الذي قام بتوسيع وتعديل الطريق العام الممتد من الباب الشرقي إلى باب المعظم وجعله شارعا باسمه عام 1910 تحول اسمه فيما بعد إلى شارع الرشيد، ويكاد يختصر هذا الشارع تاريخ مدينة دار السلام التي كانت أم الدنيا والاسم الذي تشتق منه صفة الدلال، ولكننا نسينا ذلك التبغدد حتى قال لنا أردوغان وهو يخطب أمام البرلمان العراقي إن الأتراك لديهم مثل مشهور يقول: "لا حبيبة إلا الأم ولا مدينة إلا بغداد".

                       

شارع المتنبي بعد إعماره     

من شارع الرشيد تنمو أهم الجسور التي تربط بين الكرخ والرصافة كجسر الجمهورية الذي يقابل نصب الحرية وجسر الأحرار الذي يربط حافظ القاضي بالصالحية ثم جسر الشهداء الذي سمي بهذا الاسم تخليداً للشهداء الذين سقطوا عليه في وثبة كانون وهو الذي يربط منطقة السراي بسوق الشواكة. وفيه رثى الجواهري أخاه جعفر الذي استشهد في تلك الوثبة بالقصيدة التي يقول مطلعها:

"أتعلم أم أنت لا تعلم ** بأن جراح الضحايا فم"

أما باقي المساجد والخانات والمطابع والتكايا فلكل واحد منها قصة وحكاية، فقد شق شارع الرشيد طريقه بين أهم الأمكنة التراثية، وأقدم الجوامع والكنائس والمباني الحكومية، كجامع مرجان الواقع في باب الأغا وجامع السيد سلطان علي الذي سميت إحدى شرائع دجلة باسمه، وجامع الحيدرخانة الذي كانت تنطلق منه الخطب الوطنية الحماسية، وجامع المرادية الذي يقع في بداية الميدان، وطوب أبي خزامة الذي كانت تعلق فيه خرق النذور ومقر وزارة الدفاع التي يقول عنها الظرفاء إنها تقع مقابل لبن أربيل، والمدرسة المستنصرية التي أسسها الخليفة العباسي المستنصر بالله، وتصل إليها من شارع الرشيد بطريق يحيط به خان مرجان على جهة اليمين وخان علي صائب الخضيري على جهة اليسار ثم يليهما شارع المستنصر الذي يسمّيه العامة بشارع النهر والذي يضم أشهر محلات الصاغة وتتفرع منه أشهر أسواق القماش والاكسسورات وأقمشة الستائر والموبيليا. وفيه تقع أيضاً عمارة الدامرجي التي يذكرها جبرا ابراهيم جبرا في كتابه "شارع الأميرات"، فيقول إنه عقد قرانه على زوجته لميعة في المحكمة القريبة من تلك العمارة مستقلاً ولميعة عربة ربل في شهر تموز شديد الحرارة.

                       


شارع المتنبي لبيع الكتب يتفرع من شارع الرشيد باتجاه دجلة         

باقي أسواق الرشيد تعد بالعشرات كسوق الشورجة لبيع الحبوب والبهارات والمواد الغذائية بجميع أنواعها. وسوق العربي لبيع القرطاسية والإكسسورارات والمستلزمات التجميلية وشارع المتنبي الشهير لبيع الكتب وسوق الصفارين المعروف بصناعة الأواني النحاسية والقائمة تطول من أسواق الساعاتية والبزازين والخفافين وباعة الجام والمرايا والعدد المنزلية والصيدليات ومحلات الخط والتجليد والصيرفة ومغازات بيع الملابس ومستلزمات العرائس ومحلات الخياطين، وكان من أشهرهم أحمد خماس وشوقي داود ومحمد نوشي وقبل هذا الجيل من الخياطين كان هناك الخياط البيروتي علي رضا والخياط الهندي (جي اس فارما) الخياط الخاص للملك فيصل الأول.

ولا يذكر شارع الرشيد إلا وتذكر محلات المصورين وأشهرهم الأهلي وعبوش وأرشاك وبابل لصاحبه الأرميني جان مصور الرؤساء والملوك، وهناك أيضاً محل حكمت الحلي حلاق الملوك والباشوات الذي تأسس في 1954. وثمة محلات يعود تاريخها إلى زمان أقدم من ذلك التاريخ وأشهرها كعك السيد الذي تأسس عام 1906 وشربت الحاج زبالة الذي تأسس عام 1910 .

في هذا الشارع أيضاً كانت توجد المطاعم والاوتيلات والكازيونهات والمقاهي الشتوية والصيفية التي لم يتبق منها الكثير، وكان بينها مقهى البرلمان وحسن عجمي والبرازيلية والسويسرية والزهاوي وأم كلثوم وكوكب الشرق، وكانت تقع في شارع الرشيد المدرسة المأمونية ومدرسة الصنائع والمعهد العلمي الذي كان يهيئ الجرائد للقراءة المجانية نهاراً ناهيك عن مقرات الأحزاب والمطابع التي يربو عددها على التسعين أغلبها في محلة جديد حسن باشا والتي كانت تصدر منها عشرات الصحف كل يوم وهناك المتحف البغدادي أيضاً ومتحف الرواد الذي يضم عشرات اللوحات التي سرقت في أعمال السلب والنهب وبيت أمل الخضيري البغدادي التراثي الذي كانت تقام فيه الأمسيات الموسيقية والمعارض التشكيلية.

بالإضافة إلى كل ذلك توجد في شارع الرشيد أقدم الكنائس في بغداد ككنيسة الكلدان (أم الأحزان) في عقد النصارى وكنيسة اللاتين قرب سوق الشورجة وكنيسة مريم العذراء في ساحة الميدان.

                       

• شارع الرشيد ليس له مثيل في الألم

مئات المقالات كتبت عن تدهور شارع الرشيد، ولا نريد أن نزيد عليها حرفاً واحداً ولكننا نريد فقط أن نسأل هل يوجد شارع في العالم ولا حتى الشانزليزيه يشبه هذا الشارع الذي توجد فيه معالم تراثية لا تلتئم بهذا الشكل الجمالي، في أي حي من الأحياء السياحية الشهيرة كخان الخليلي في القاهرة أو في منطقة سوق الحميدية في دمشق أو أي سوق آخر في العالم؟

نعم يوجد في شارع الرشيد من المعالم الحضارية ما يعادل عدد دنكاته .. دنكة.. دنكة، ولكنه لم ينل ما يستحقه من العناية والإهتمام. وكانت حكايته مع عشاق الجمال من الكتاب والفنانين أوفر حظاً. فالكثير من كتاب القصة والرواية كجبرا إبراهيم جبرا وعلي بدر وشاكر الانباري ورياض قاسم وعبدالرحمن الربيعي وعبدالستار ناصر وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان تذكروا شارع الرشيد بحاناته ومقاهييه وأزقته الخلفية. والكاتبات على وجه التحديد كان لهن شغف بشارع الرشيد من نوع آخر. فهن لا يدخلن إليه إلا من جهة الروح. ويسكبن حنان القلم عليه من جهة أخرى هي جهة القلب، فهاهي لطفية الدليمي في "قصة الريح" من مجموعتها الصوفية "ما لم يقله الرواة"، تحاول إعادة تشكيل شارع الرشيد من حلمها بفراديس مفقودة فترسمه بالكلمات والصور وتمنحه صيغاً حضارية ثم تهب ريح عاتية وتمحو ما رسمته، ولكنها تحاول مراراً أن تعيد صياغة الحلم دون أن تيأس أو تتراجع كأنها كانت تتوقع خرابه الراهن. وتعود سيدة "سيدات زحل" لتجعل شارع الرشيد أحد أبطال تلك الرواية المهمين عبر أحداث كثيرة تجري فيه وهو مذكور على لسان البطلة وعمها قيدار في معظم فصول تلك الرواية.

يمامة بطلة رواية "العيون السود" تعبر شارع الخلفاء من جهة الشورجة إلى السوق العربي ومن هناك إلى شارع الرشيد ومن شارع الرشيد إلى شارع المستنصر ومن شارع المستنصر إلى دجلة: "توقفت يمامة عند المدرسة المستنصرية لتلتقط أنفاسها، بعد أن كان المطر قد توقف وتركها مبتلة تماماً. تراءى لها أن أبا جعفر المنصور الذي جاب الغبراء سابحاً على ظهور الخيل قد تاقت نفسه لركوب الزوارق وصفحات المياه، فلما وصل دجلة سحرته بموجها الأزرق وألهمته بغداد فبناها".

بطلة هدية حسين في "حبيبي كوديا"، وفي حالة أقرب إلى الحلم أو الهذيان تتمشى في شارع الرشيد من مبتداه إلى منتهاه وتمر بمقاهيه وتسجيلاته وسينماته لحين تصل إلى ساحة التحرير وتجلس تحت نصب الحرية. وتقول: "نعم يا أمي بالتأكيد. مررت بكل المتاجر والأماكن التي نعرفها. لم تزل على حالها. أربطة البلداوي. وأحذية زبلوق. ومطعم أبو يونان الشهير الذي يجاور فندق فندق السندباد.لا أدري إن كان ما يزال يبيع الهمبرغر أم تحول إلى صنف آخر من الطعام. كما مررت بمحل خياطة محمد نوشي .. نعم يا أمي هو نفسه الملحن المعروف ولكنه ترك الخياطة بعد أن سطع نجمه.."

أما الشاعرة والروائية نضال القاضي فتقول في حوار منشور معها:

"أنا لا أستطيع العيش من دون العراق، إن العراقي ما ان يخرج حتى يصاب بـ (الهومسك). أنا كاتبة أجد نفسي هنا، أشعر بحنين غير طبيعي، هناك الكثير من القضايا المعلقة عندي على صعيد الكتابة، هناك رواية لديّ مكانها شارع الرشيد، اين أجد الرشيد في البرازيل؟"

نعم لا يوجد شارع الرشيد في البرازيل ولكن عشاقه هم الذين طاروا إلى هناك. دارت الأعصر على بغداد وأصبحت ذاكرتها في الشتات. وشارع الرشيد أصبح كالجوهرة في يد فحام لا يعرف ماذا يصنع بها. وما يرتكب بحقه ليس إهمالاً وحسب ولكنه اغتيال للتاريخ. قبل أيام كنت في زيارة لشارع النهر وسرت من حافظ القاضي باتجاه سوق دانيال المكمل للنهر باتجاه المدرسة المستنصرية. كنت أحاول استرجاع لحظات السعادة التي كنت أشعر بها كلما مشيت من هناك. ولكن المكان تبعثر والزمان تعثر وهالني ما رأيت من العباءات السود المعروضة في كل مكان وتساءلت من أدخل إلى حياتنا كل هذا السواد؟ ولماذا؟ هل نحن في بغداد أم في مدينة أخرى؟

حين وصلت إلى ساحة الرصافي كانت الفوضى تحيط بشاعر التمرد والتحرر. والحمالون يتدافعون في كرنفال الدخاخين والأوساخ والزحام الرهيب. ساقية من الماء الآسن كانت تجاور المدرسة المستنصرية. الجوالون يتراكضون في نهر الشارع، باعة شحاطات وملابس وكل أنواع البضائع، ومخلفاتهم أصبحت كبركة من الصمغ المتلاصق مع بعضه البعض بشكل مقرف. والحواجز لا هنا ولا هناك. شعرت أنني في شارع آخر ليس فيه عبق إلا روائح القاذورات. أكيد أن الناس يتحملون جزءا من المسؤولية، ولكن من أوصلهم إلى هذه الدرجة من اللامبالاة؟

أكيد الحب ليس هو السبب. فالقلب تارة هنا وتارة هناك

 الخميس 23 -6-2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان