home
tri
tri
focus
مخاطر الاستغراق في الذات الأوروبية

مخاطر الاستغراق في الذات الأوروبية


آنا بالاسيو

بينما ينتظر العالم بفارغ الصبر بلوغ الدراما في منطقة اليورو ذروتها، يأتي سلوك زعمائها أشبه بالمعادل السياسي لما يطلق عليه علماء الفيزياء “الحركة البراونية” (الحركة العشوائية)، حيث يقفز المسؤولون عشوائياً من مشاورات ثنائية حاسمة ومن قمة أوروبية نشطة إلى التالية، أما التصريحات الحاسمة التي لا تسمح بأي حيز بين النجاح والفشل، والتي من المفترض أن تحل مشاكل الاتحاد النقدي، فيتبدد أثرها بمجرد صدورها.
ومن ناحية أخرى، تتنافس مجموعة هائلة من التشخيصات والوصفات على جذب الانتباه، وإثارة جو من الكآبة والظلمة، ولكن التركيز الساحق على الجوانب الاقتصادية من أزمة اليورو يشكل في حد ذاته جزءاً من المشكلة لأن الأزمة في المقام الأول انعكاس لنقاط ضعف تضرب بجذور عميقة في المؤسسات الأوروبية، ونسيج المجتمع الأوروبي. وخلافاً لهذا فإن ما بدأ بوصفه أزمة ديون هامشية تفاقمت بسبب عدم الحسم على الصعيد السياسي في اليونان وفي الاتحاد الأوروبي ككل، ما كان لينمو إلى أن يتحول إلى لحظة وجودية فاصلة في تاريخ المشروع الأوروبي.
الواقع أن أوروبا مبتلاة بثلاث مشاكل مختلفة: الأولى، أنها لا تزال عاجزة عن التكيف مع واقع العالم الذي تحول مركز ثِقَله على نحو لا رجعة فيه باتجاه الشرق إلى منطقة الباسيفيكي (المحيط الهادئ)، جاذباً معه انتباه الولايات المتحدة. والثانية، أن الأوروبيين أصبحوا الآن، أكثر من أي وقت مضى، ينظرون إلى الداخل في ظل التقاء شعور الاستحقاق بالتشكك الشديد، وهو المزيج الذي تغلغل إلى أعلى المراتب في الاتحاد والحكومات الوطنية للاتحاد الأوروبي.
خلال ذلك، وفي وقت حيث كان قانون الاتحاد الأوروبي الأساسي (معاهدة لشبونة) في حاجة إلى الإصلاح، أصيب الاتحاد بالشلل بسبب الموقف المستغرق في الذات الذي انتهجته ألمانيا المبتلاة بتسعين عاماً من ذكريات “جمهورية فايمار” الهالكة، وهنا تكمن المشكلة الثالثة: ذلك أن عملية صنع القرار السياسي التي دعمت الكثير من بنية الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من فعاليتها العالية أثناء الحرب الباردة، ظلت بلا تغيير تقريباً أثناء إرساء القواعد المؤسسية والقانونية للاتحاد، الأمر الذي جعل أوروبا عاجزة عن معالجة تحدياتها الراهنة.
كان الاتحاد الأوروبي الذي تأسس على استقرار النظام الدولي الثنائي القطبية في حقبة الحرب الباردة يتمتع بمتسع من الوقت للتداول بشأن كل لبنة من لبنات صرحه المتنامي، وبمجرد وضع لبنة جديدة في مكانها، كانت عوامل تحقيق المزيد من التكامل تتخلل البنية القائمة، فتقيم رؤوس الجسور اللازمة لتطور الاتحاد الأوروبي إلى مستويات أكثر عمقاً. الواقع أن بعض مهام الاتحاد الرئيسة- وهنا يصلح الاتحاد النقدي الأوروبي كمثال مناسب- كانت موضع تأمل وتفكير لسنوات قبل أن ترى النور. وكانت فكرة الاتحاد النقدي الأوروبي، التي تم تنفيذها في عام 1999 بإطلاق عملة اليورو، تحمل الحمض النووي لـ”لجنة ديلور”، التي وضعت أساس العملة الموحدة في عام 1988. وسرعان ما أعلن المنتقدون رفضهم للطبيعة غير المكتملة التي اتسمت بها البنية الأصلية لليورو، والتي ظلت بلا تغيير حتى يومنا هذا، ولكن هؤلاء المنتقدين نسوا أن الخطأ الأعظم في التقدير كان ببساطة يكمن في افتراض الاستقرار في حين كانت أوروبا على وشك الخضوع لتحول شامل مفعم بالتقلبات.
إن الأزمة الأوروبية الحالية تضرب بجذورها في الخسارة، فبعد تحررها من قيود القطبية الثنائية الوثيقة التي فرضها عصر الحرب الباردة، أصبحت أوروبا تحت رحمة تيارات عالم أخضعته العولمة، عاجزة عن الشعور بمكانها أو اتجاهها، والأمر الأكثر أهمية أن غرائز أوروبا وأساليب عملها القديمة ظلت مؤثرة لفترة طويلة حتى بعد أن اتخذت الملامح الجديدة للشؤون العالمية هيئتها.
وهي لاتزال مؤثرة حتى يومنا هذا، وهو السبب الذي جعل أوروبا تبدو في مواجهة أخطر اختبار لها حتى الآن تبدو وكأنها غافلة وغير مبالية ومتشككة في ذاتها؛ وهو نفس السبب الذي جعل مؤسساتها تشتبك في معارك على النفوذ وتظل عالقة في إجراءات وبروتوكولات شاقة. وهو أيضاً جزء من السبب الذي جعل الأسواق تحاصر منطقة اليورو بهذا القدر من الإصرار، فما يستشعره المستثمرون الآن ليس ضعف الأسس الاقتصادية، بل ضعف الأساسات السياسية لأوروبا- غياب بنية الحكم مع السلطة الحقيقية والإرادة اللازمة لاستخدام هذه السلطة لحل المشاكل، وإذا كان لأوروبا أن تتكيف مع متطلبات “العالم الباسيفيكي” الجديد، فإنها لا تحتاج إلى الصقل؛ بل إنها في احتياج إلى تصميم جديد. إن الاتحاد الأوروبي عبارة عن بناء سياسي يقوم على سيادة القانون، ولا يجوز له من هذا المنظور أن يتجاهل المهام الحيوية المتمثلة بتحديث عناصره الإجرائية، وعلى مستوى أكثر عمقاً، يتعين على الأوروبيين أن يجعلوا في محل الشكوك الدرامية التي تفتقر تماماً إلى أي أساس شعوراً جديداً بالفخر والعزيمة، بما يليق بالمثال الذي يقدمونه للعالم من الديمقراطية والازدهار، والأمر الأكثر إلحاحاً الآن هو أن تكف ألمانيا عن الغناء المنفرد وأن تبدأ في أداء دورها في الجوقة الأوروبية.

* وزيرة خارجية إسبانيا السابقة، ونائبة رئيس البنك الدولي «بروجيكت سنديكيت»

الأربعاء 25 / 1 / 2012
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان