home
tri
tri
focus
حلف شمال الأطلسي والدروس الليبية

حلف شمال الأطلسي والدروس الليبية

جون بودستا- وكِن جود

لقد ساعد تدخل منظمة حلف شمال الأطلنطي قبل عام واحد في ليبيا في تجنب كارثة إنسانية، وعمل على خلق الظروف الملائمة التي سمحت للمواطنين الليبيين بإنهاء الحكم الدكتاتوري للعقيد معمر القذافي، فقد أبرزت العملية العسكرية التحسن الكبير الذي طرأ على الزعامة الأوروبية منذ كارثة البوسنة في تسعينيات القرن العشرين، ولكن الظروف المصاحبة لنجاح مهمة ليبيا من غير الممكن أن يُعتَمَد على توافرها مرة أخرى في المستقبل. والواقع أن إنجاز حلف شمال الأطلنطي في ليبيا يهدد بحجب نقاط الضعف المستمرة التي تعيب القدرات العسكرية لأوروبا.
إن وحدة الغرض في أوروبا فيما يتصل بليبيا تتناقض تناقضاً حاداً مع ما صاحب تفكك يوغوسلافيا في تسعينيات القرن العشرين من انقسامات وتردد، فقد كان لزاماً على الولايات المتحدة أن تقنع العديد من الدول الأوروبية الغربية بمساعدتها في وقف مذبحة الأبرياء في البوسنة. ورغم أن التحالف عبر ضفتي الأطلسي كان أكثر توحداً واستجابة أثناء أزمة كوسوفو في وقت لاحق، فإن الولايات المتحدة كانت لا تزال راسخة على مقعد السائق، أما في ليبيا فقد انعكست الأدوار: فقد كان لزاماً على أوروبا الغربية أن تدفع الولايات المتحدة دفعاً إلى التحرك. إن الطريقة التي دفع بها الرئيس باراك أوباما الولايات المتحدة إلى المشاركة في الجهود الرامية إلى حماية المدنيين الليبيين كانت سبباً في تهدئة المخاوف الأوروبية بشأن الغطرسة الأميركية التي نشأت عن حرب العراق. كما سمحت أيضاً بإقامة تحالف واسع بين عدد كبير من الدول، فضلاً عن الدعوة الأولى من نوعها للتدخل والتي صدرت عن جامعة الدول العربية. وكان القرار الذي اتخذه أوباما بضرورة اضطلاع الولايات المتحدة بدور داعم، مع تولي غيرها من الشركاء في حلف شمال الأطلسي- وخاصة فرنسا والمملكة المتحدة- لزمام الريادة، سبباً في تعزيز شرعية المهمة في التصور العالمي. واليوم تثير المناقشة المحتدمة بشأن التدخل السوري تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت ليبيا حالة فريدة. كان قرب ليبيا من أوروبا سبباً في خفض الحواجز التي تحول دون المشاركة فضلاً عن تحفيز شعور أوروبا بالمسؤولية، في حين كان القذافي قليل الأصدقاء. فضلاً عن ذلك فإن العديد من الدول الأوروبية لديها مصالح مباشرة في ليبيا، وبالتالي كانت المصلحة في المشاركة واضحة. كما كانت معارضة الليبيين للقذافي منظمة بشكل جيد نسبيا، فضلاً عن اعتراف المجتمع الدولي بها ودعوتها الواضحة التي طالبت بالتدخل الخارجي. وفي حين كانت الأوضاع في ليبيا مثالية بكل تأكيد، فإن أفضل وصف للوضع في سورية يشير إلى تعقيد فريد من نوعه فيما يتصل بأي شكل من أشكال التدخل. فعلى سبيل المثال، لا يشكل موقع سورية على شرق البحر الأبيض المتوسط ميزة كما هي حال ليبيا في شمال إفريقيا. كما تفرض الحدود السورية مع تركيا والعراق ولبنان وإسرائيل تحديات فريدة من نوعها على الأمن الإقليمي، نظراً لاحتمالات حدوث موجات من تدفق اللاجئين عبر الحدود على نحو مزعزع للاستقرار، وليس فقط إثارة نزاع دولي، وسورية لديها حلفاء أيضا، وأهمهم روسيا التي تتمتع بحق النقض بحكم مقعدها الدائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
إن العقبات الكبرى التي تحول دون تنفيذ التدخل، والخطر الحقيقي المتمثل باحتمالات تفاقم الموقف السيئ بالفعل، تجعل من التدخل العسكري المباشر في سورية احتمالاً بعيد المنال في الوقت الحالي. وهذا أمر مأساوي من أكثر من جانب، ولكن هذا لا يعني أن الزخم الإيجابي في فترة ما بعد ليبيا إزاء حماية المدنيين تلاشى بالكامل. وحتى على الرغم من انتهائه إلى الفشل، فقد تم الاتفاق بين جامعة الدول العربية ونظام الأسد على السماح للمراقبين بالدخول إلى سورية لتيسير التوصل إلى نهاية للصراع، على حد تعبير وزيرة خارجية أوباما: “لإنقاذ العالم العربي من التدخل الغربي”. صحيح أن مهمة الجامعة لم تنجح في وقف القتل، ولكنها كانت بمنزلة تصعيد للضغوط لإنهاء المذبحة، وكانت تستند إلى الثِقَل المكتسب في ليبيا.
وبالنسبة إلى حلف شمال الأطلسي، فإن حجم هذا الثِقَل يتوقف على قدرة أعضاء الحلف على حشد الإرادة والموارد اللازمة للتدخل إذا دعت الضرورة. وفي حالة ليبيا، اكتسبت أوروبا أخيراً الإرادة اللازمة لتولي زمام القيادة، ولكنها كانت تفتقر إلى الموارد اللازمة، وكانت لا تزال تعتمد بشدة على الولايات المتحدة. ورغم أن الولايات المتحدة لم تكن أول من دعا إلى العمل العسكري، فإن مشاركتها في المهمة كانت على قدر عظيم من الأهمية وأكدت مكانتها باعتبارها دولة لا غنى عنها في التحالف الغربي.
وباستثناءات ضئيلة، كانت حملة ليبيا حرباً جوية بشكل كامل، وكانت أغلب الضربات الجوية تنفذ بواسطة طائرات غير أميركية، مع المشاركة الخاصة من جانب الدنمارك والنرويج وبلجيكا، التي شاركت بحصة غير متناسبة من المهام. ولكن لا ينبغي لصناع القرار السياسي أن يخدعوا أنفسهم فيتصوروا أن قدرات هذه الدول الجوية كافية للسماح لها بالعمل بشكل مستقل عن أميركا. وإلى جانب أوجه القصور التي تعيبها فيما يتصل بالضربات الجوية، أظهرت أوروبا عيوباً خطيرة في جميع المجالات اللازمة لدعم أي حملة جوية، وكما أكد الجنرال مارك ويلش قائد القوات الجوية الأميركية في أوروبا لكبار الضباط والمديرين التنفيذيين في أحد الاجتماعات في الصيف الماضي: “نحن في احتياج إلى المزيد من الاستخبارات والرصد والاستطلاع، ونحن في احتياج إلى كل هذا الآن”.
ولكن من المؤسف أن الأزمة الاقتصادية المستمرة تفرض ضغوطاً كبيرة على ميزانية الدفاع في مختلف بلدان حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يكشف عن الحاجة إلى قدر أعظم من التعاون بين أعضاء الحلف الأوروبيين. ومن المرجح أن يتفاقم الضرر الناجم عن خفض الموازنات إذا خفضت كل الحكومات الأوروبية الإنفاق في نفس المجالات. ويحذر قائد القوات الجوية الألمانية الفريق آرني كروزينجر يانيك من أن هذا من شأنه أن يخلق “فجوات أكبر وأوجه قصور أعمق”. ويتعين على الحكومات الأوروبية الآن أن تعمل على ضمان قدرتها على استثمار مواردها المحدودة في المجالات الصحيحة.
لقد وصل التحالف الأطلسي إلى مفترق طرق، فالسبيل الأول غير المطروق كثيراً الآن سوف يتطلب قدراً أعظم من التنسيق فيما يتصل بتحقيق الأهداف الاستراتيجية وتنمية القدرة العسكرية، وخاصة داخل أوروبا، حيث يتعين على الحكومات أن تقسم الموارد فيما بينها على نحو أفضل من أجل التغلب على أوجه القصور الأساسية التي كشفت عنها مهمة ليبيا. أما الطريق المعتاد فإنه يؤدي إلى التداخلات المكلفة والاستثمارات المتدنية في التكنولوجيات الأساسية، الأمر الذي من شأنه أن يخلف فجوات أوسع من أي وقت مضى في القدرات الدفاعية الأوروبية.
وإذا كان لأوروبا أن تبني على نجاحها في ليبيا، فيتعين عليها أن تسلك السبيل غير المطروق، وهذا هو ما تحتاج إليه لإحداث الفارق المطلوب.

* جون بودستا رئيس هيئة أركان الرئيس بِيل كلينتون أثناء الفترة 1998-2001، ورئيس مركز التقدم الأميركي. وكِن جود رئيس الأركان ونائب رئيس مركز التقدم الأميركي.

الخميس 22 / 3 / 2012
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان