home
tri
tri
focus
كيف تكونت المناطق الساخنة؟

كيف تكونت المناطق الساخنة؟

عدنان الأسدي

طبوغرافيا بغداد تختلف عن بقية المدن والمحافظات الاخرى، وبما انها العاصمة فهي لم تكن حكرا على طائفة او قومية او عرق واحد مثل بقية المحافظات الاخرى.

فلو اخذنا السليمانية او ميسان او الانبار لوجدنا ان في الاولى غالبية سكان اكراد ولا تشكل الاعراق والاثنيات الاخرى الا هامشا لا يكاد يذكر في حين تتميز الثانية باغلبية سكان عرب يتعبدون على المذهب الشيعي والثالثة تكاد مغلقة على العرب السنة وتتفرد بغداد بوجود جميع المكونات وبنسب تتفاوت حسب الظروف والمتطلبات ومن دون وجود قيود رسمية اواجتماعية على من يرغب السكن والعيش فيها وتجد في الضاحية الواحدة اوالمحلة السني يجاور الصابئي والكردي جارا لشيعي والمسيحي والايزيدي والتركماني كلهم لهم تواجد وتعايش وتجاور مع ملاحظة ان هناك (كامببيوتزات او ضواحي) قد تختص بوجود غالبية من مكون واحد مثل الاعظمية والكرادة والثورة في الرصافة والكاظمية والجعيفر في الكرخ.

وبما ان بغداد تقع في الوسط وتحيط بها المحافظات الاخرى فأن مداخلها واطرافها (المناطق الريفية والزراعية) تتأثر بتلك المحافظات او تكون امتدادا لها احيانا وبغداد تحاددها من الشرق الشمالي محافظة ديالى وتفصل بينهما منطقة الراشدية التي تتبع بغداد اداريا وهي منطقة ذات طبيعة زراعية وتكوين فلاحي عشائري في حين يحدها من الجنوب الشرق محافظة واسط وتفصل بينهما منطقة الصويرة التابعة اداريا الى محافظة واسط، ومن الجنوب الغربي محافظة بابل وتفصل بينهما منطقة اللطيفية وهي تابعة لبابل اداريا ومن الغرب محافظة الانباروتفصل بينهما منطقة ابو غريب التابعة لبغداد اداريا ومن الشمال محافظة صلاح الدين وتفصل بينهما منطقة التاجي والمشاهدة والطارمية وتتبع الاولى بغداد والثانية والثالثة لصلاح الدين.

وهذه المناطق كانت تابعة لمحافظة بغداد في يوم ما لكن ولادات محافظات جديدة ومتغيرات من منظور السلطات المتعاقبة هو الذي جعلها تتأرجح بين الانتماء الى العاصمة او الضم للمحافظات المجاورة لها. وعلى مدار الحكم الوطني منذ عشرينات القرن الماضي حتى نهاية حكم (آل عارف) عام 1968 لم تفكر السلطة باستخدام او توظيف ذلك لاهداف وستراتيجيات سلطوية ذات اغراض عسكرية حتى وصل البعث للسلطة . ومعلوم ان البعث عندما سيطر على مقاليد الحكم احتاج الى بناء قاعدة لحماية حكمه خصوصا وانه (البعث) لم يكن حزبا مرغوبا به من الشعب بصورة عامة بعد ارتكابه مجازر ومذابح بعد استيلائه على السلطة في انقلاب عسكري في شباط 1963 اطاح بحكومة عبد الكريم قاسم، فلم يكن امامه افضل من تلك المناطق المحيطة بالعاصمة خصوصا وان اغلب ابنائها من الفلاحين ذوي الثقافة العشائرية والحالمين بالعمل بالعاصمة والسكن فيها والعيش وسط اضوائها، فتفتق ذهن البعث عن فكرة حزام بغداد الاخضر وهو بداية للتغلغل ومن ثم اجتذاب شباب الفلاحين في هذه المناطق وكسبهم للحزب واعدادهم من خلال دورات للعمل في الاجهزة الامنية وضمان ولاءهم.

وخلال فترة قصيرة نسبيا، اصبحت تلك المناطق مغلقة حزبيا على حزب السلطة ويعمل ابنائها ضباطا ومراتبا وعناصر في الاجهزة الامنية والحرس الجمهوري والحمايات والحرس الخاص، وبعد تسلم صدام للموقع الاول في السلطة رمى بكل ثقله في حسم ولاء هذه المناطق له شخصيا فاغدق الهدايا وابتكر صفة (صديق الرئيس) ذات الامتيازات المالية المغرية، اضافة للبيوت والسيارات الفارهة والمواقع المهمة، وكان لأبناء هذه المناطق حصة الاسد، ثم سعى صدام لأن تكون معسكرات حرسه الجهوري وقواته الحامية له في هذه المناطق ليبعد بذلك شبح أي انقلاب عسكري محتمل يقوم ضده، بعد ان وضع فواصل وموانع تحول بين قطعات الجيش الاخرى والوصول للعاصمة.

وهكذا وبمرور الزمن اصبحت تلك المناطق جزءا لايتجزء من النظام وحسبت عليه قولا وفعلا اضافة للمناطق الاخرى التي كانت محسومة الولاء لصدام في بعض المحافظات.

وكنتيجة حتمية بعد سقوط النظام اصبح ابناء هذه المناطق من المتضررين جراء سقوط النظام الذي انتموا له واصبح يطلق عليهم (اتباع النظام البائد) و (فلول البعث) وفقدوا وظائفهم وامتيازاتهم وشملوا باجتثاث البعث وتعرضوا للمطاردة الرسمية والشعبية، لذا ومن هنا اصبحت هذة الاماكن حاضنة جيدة وفيها معاونين مخلصين لكل من يرفع راية المقاومة ضدالنظام الجديد،تحت مسمى المقاومة الوطنية ومقاومة الاحتلال، ولم يفوت طلائع رجال تنظيم القاعدة الارهابية هذه الفرصة الذهبية وعدم استغلالها، لتبدأ النقمة تتصاعد ببث النار في الرماد وتعبئة من خسروا النفوذ وسطوة المناصب فيها، ولم يكن هناك من بديل متاح الا الانتماء لتنظيمات مسلحة مدعومة بالمال والسلاح من خارج الحدود،شكلت ونمت وتوسعت بغياب سلطة الدولة وبغياب القانون وبدأت هذة الاماكن تتحول الى مناطق متمردة على النظام وصنفت امنيا على انها مناطق ساخنة.

وقد يكون مثلث الموت (المحمودية، اللطيفية، واليوسفية) اكبر مصاديق هذه المناطق والتي اريد منها قطع الاتصال بين العاصمة وبقية محافظات الفرات الاوسط ودق اسفين الفرقة والطائفية بين مدن العراق،هذا الحواظن المحيطة ببغداد كانت تمارس بشكل ممنهج الذبح والقتل والتشريد على الهوية، وقد يبدو للناظر الى مواقعها على الخارطة انه مبعثر، لكن تكوينها لم يكن عشوائيا البته بل مكان مخططا له،ومع استمرار وصول المدد المالي والتسليح، بدأت الحلقة الاخطر وهي التنسيق الميداني والتنظيمي بين الاماكن الساخنة، وهكذا كانت بداية المخطط الكبير.

الإثنين 25 / 6 / 2012
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان