home
tri
tri
focus
نحو نظرية جمالية إسلامية

نحو نظرية جمالية إسلامية

 


د. عبدالباسط بدر


شغلت قضية الجمال الفلاسفة والمفكرين والأدباء منذ عهود سحيقة، وبحث فيها سقراط وأفلاطون وأرسطو ومن قبلهم، وكتب عنها هيغل ونيتشه وبرناردشو.

وما زال الكثيرون يكتبون، فقد تحولت القضية إلى نظرية ترتبط بأسس ذوقية وفكرية في آن واحد، وصار للمذاهب الأدبية الحديثة نظرياتها في الجمال، وبحث روادها ـ حتى أصحاب المذهب الماركسي ـ عن أسس الجمال في الأعمال الفنية عامة، وأسسه في العمل الأدبي خاصة.

ولعله من المدهش والمحزن أننا نحن المسلمين لم نضع نظريتنا الإسلامية في الجمال، حتى الآن.. مع أن أجدادنا رحمهم الله كتبوا بأسلوب عصرهم شذرات هنا وهناك. وبحثوا في الفقه والمنطق والنقد والفلسفة عن القيم الجمالية التي لا تتعارض مع أصلنا العقدية.. وآراؤهم مبثوثة في مؤلفاتهم المحققة والمخطوطة، تنتظر من يجمعها في دفتي كتاب.

وقد أثر غياب النظرية الجمالية ـ قديما وحديثا ـ في عدد من مفهوماتنا النقدية، وأثر بشكل خاص في اتجاهات أدبنا العربي الحديث ونقده، فتوزع هذا الأدب والنقد وراء آراء ومذاهب جمالية غربية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.. وظهرت دعوات تقصر جمال العمل الأدبي على صياغته، وظهرت تطبيقاتها في الشعر والقصص والمسرحيات التي لا تبالي ـ وقد أتقنت صياغتها ـ أصادمت قيمنا وعقيدتنا أم وادعتها، وأنكر عدد كبير من أدبائنا ونقادنا أن يكون لموضوع العمل الأدبي ولو اعتدى على القيم والأخلاق والعقيدة.

والأشد من ذلك أن بعض دارسي أدبنا العربي ومؤرخيه أخذ يفسر أدبنا العربي القديم وفق هذه المقاييس، ويستنبط من نصوص نقدية معينة يختارها وفق هواه ومذهبه، مقاييس جمالية تقطع كل صلة لها بالأخلاق والعقيدة، ونزعوا سمة الجمال عن أي قصيدة تصادمها، مع الاعتراف لصاحبها بالقدرة والمهارة في صنعة الشعر.. ولئن كانت هذه القضية محدودة بشكل عام في تراثنا النقدي فلأن تطبيقاتها محدودة سابقا.. لا تتجاوز مبالغة شعرية أو تطرفا في الغزل وربما التفحش فيه..

أما في عصرنا الحديث فقد تضخمت تطبيقات القضية، ولم يستوعبها النقد بعد.. فأصبح بعض الأدب يعتدي عدوانا سافرا على العقيدة، فيدعوا إلى التحلل منها، أو يدعو إلى الماركسية، أو إلى الوجودية أو إلى العبثية والإلحاد، ولم يعد الأمر مبالغة أو غزلا متطرفا..

وإذا كنا نعذر نقادنا الأوائل في أنهم لم يصوغوا نظرية الجمال الإسلامية صياغة واضحة مجردة؛ لأن عصرهم لم يكن عصر نظريات ومذاهب فنية.. فما عذر نقادنا اليوم؟ وما عذر دارسينا الإسلاميين وقد أصبح التنظير لغة العصر الحديث ووسيلة المحاججة والإقناع.

إن صوت الإسلامية الصادقة، التي ترتفع هنا وهناك مستنكرة الأدب الذي يصادم عقيدتنا، مدعوة بحرارة إلى أن تصوغ آراءها في أسس واضحة محددة، وأن تبحث في جذورها الأدبية والعقائدية عن بذور هذه الأسس، ثم تصوغ بأساليب النقد الحديث، ولغته ووفق منهجنا العربي الإسلامي نظرية الجمال في الإسلام، وتجعله قبلة النقد في أسواق الأدب يرتفع بها من يوافقها ويسقط من ينحرف عنها، ويتزود بمبادئها الأدباء الناشؤون، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.. ولهؤلاء الرواد المنتظرين أشواقنا وتحياتنا.

آيار 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
للتعليق على الموضوع يجب أن يكون لكم حساب على موقع (فيس بوك) أونلاين
picDecor
خبرة العالمية
أسرع للاعلان
إعلانكم مع العالمية يحقق لكم الشهرة والنجاح