home
tri
tri
focus
الطريق إلى تل المطران : الدخول في لعبة الحلم

الطريق إلى تل المطران : الدخول في لعبة الحلم

ناطق خلوصي

دراسات
تتوهج لغة ” علي بدر” وتواصل تدفقها السردي وهو يتوغل بقارئه في عمق عالم روايته ” الطريق ألى تل المطران ” ، وعالم روايته هذا إنما هو عالم سريالي يلمّح هو ، وتتواتر الإشارة إلى ذلك في متن الرواية . فبطله ( وهو لا يحمل إسما ً ) يقول : كنت عشت لحظة سريالية بالكامل . لقد شعرت بتنوير عظيم . ” ( ص 340 )، أما القاشا ( وهو شخصية رئيسة في الرواية ) فإنه ” يؤمن بشيء إسمه السريالية الدينية ، ويظن ان السريالية هي قدر البشرية الأخير ومصيرها ” ( ص 121 ) ، وهو يبني عالمه الخاص وفق هذه الرؤية .
تجري أحداث الرواية في مستوى سردي واحد يعتمد ضمير المتكلم ، ويتنقل البطل ، الذي هو الراوي نفسه ، بين الحلم واليقظة خلال ذلك ، ويشط به الخيال ويشرّق ويغرّب وهو يرسم صورة مدينة ( سنسميها مدينة الحلم )، وهي مدينة تبدو خيالية ، أو هكذا شاء أن تكون ، لكن بناءها الخارجي والداخلي يظل مرتبطا ً بالواقع ارتباطا ً لا فكاك منه . هذه المدينة ، إذن ، هي نتاج مخيلة الروائي صنعها عبر مخيلة الراوي التي تتماهى مع مخيلته هو ، واستعار اسمها من موقع اختلفت الروايات حوله ، كان موجودا ً وأزيل ، لكنه أعاده في خياله . وقد قام بفتح مغاليق أبواب مدينته أمام القارىء ليجد نفسه وسط مدينة لها طبيعتها الخاصة ونماذج ناسها ، وانفتاحها على مباهج الحياة وترفها ونمطها العمراني الذي ينتسب إلى النمط المديني المتميز في شمال العراق ” كانت المدينة جميلة بمنازلها وكنيستها الحجرية الصغيرة والأشجار المعمرة المحيطة بها من كل مكان ” ( ص 47 ) ، و ” هناك طرازان من المنازل الحجرية : منازل صغيرة قريبة من الكنيسة والسوق ، ومنازل فخمة منعزلة قليلا ً تمتد حتى الميدان الحيوي للمدينة ….. وعند الصعود إلى درب المدينة يمكنك أن ترى من بعيد معسكرا ً للجيش يتوسط الهضبة العالية ” ( ص 48 ) . ومن هنا تتجلى صلة المكان الحميمة بالواقع وتنأى به عما أراده الروائي أن يكون متخيلا ً . وربما اجترح الروائي صورة مدينة الحلم تعبيرا ً عن رغبة داخلية في تقديم نموذج بديل لمدينة الواقع وحتى عنوان الرواية يوحي بالرغبة في الوصول إلى مثل هذه المدينة . لكن نموذجه البديل لا يتوافر على شروط القبول العام وإن كان مرغوبا ً فيه أو في جوانب منه أحيانا ً كرد فعل احتجاجي على مدينة الواقع . فمدينة الحلم هذه تعج بما يطمن رغبات الجسد ويخرب الروح ، فهي مدينة ملاه ٍ وخمارات وعواهر ولصوص ومهربين و ” ناس مهزومين أخلاقيا ً لذلك هم بحاجة إلى نبي ” ( ص 123 ) على حد قول القاشا . ومما يلاحظ ان الروائي زج في مدينته بخليط من الناس يجمع بين ديانات وأثنيات مختلفة لذلك وجد ما يبرر له أن يطعّم لغة روايته ( وهي اللغة العربية الفصحى ) بمقاطع أومصطلحات بالسريانية وأخرى بالكردية إلى جانب مقاطع حوارية صغيرة بالعامية العراقية بأكثر من لهجة ، حتى بدا كأنه أراد أن يقدم من خلال مدينة الحلم صورة لوطن تنفتح على احتمالات التأويل .
وتحت تأثير الخليط المتداخل من أفكار الفلسفة والدين والأخلاق والسياسة ، يدخل الروائي بروايته في لعبة الحلم لينأى بنفسه عن التبعات التي يمكن أن تترتب على ما يُحتمل أن ينشأ من خلل في الاستيعاب أو نتيجة لإساءة التأويل . وعلى الرغم من انه يومىء إلى الحبم في وقت مبكر ” فما إن أغمضت عيني بنعومة حتى رأيت عددا ً هائلا ً من فراشات ذات أجنحة رقيقة تتماوج مثل مراوح ملوتة ، وهذه الإغماضة الحالمة التي لا تتجاوز الدقائق تستحيل قرونا ً ” ( ص 23 ) ، فإنه يحاول التعتيم على حالة الحلم هذه وتضليل القترىء أو التشويش عليه من خلال التنقل المتواتر بين الحلم واليقظة ” استيقظت من نومي مرتبكا ً وحاولت الاتصال بليبيان مرة أخوى ” ( ص 23 ) ، ثم شعرت كأني عبرت الطريق الشاق للنهر السحري الذي لا يتجاوز عرضه قيد أنملة . كلن وجهي في المرآة أصفر مريضا ً مثل قيء متجمد ، وروحي مثقلة بلأبخرة أرجوانية شبيهة بأبخرة تتصاعد من معدن ذائب ، فسمعت صوتا ً خفيضا ً غائرا ً من بعيد ، وكلمات غير مفهومة هادرة مدمدمة خلف الستائر المخملية المتموجة التي مر بها تيار بارد . لقد شضعرت بروحي تتدلى بسكون عميق دون اختلاجة ومشاعري مزدوجة …. حيث يساهم الجو شبه الهستيري بخلق ذلك الوهم الدائم ومؤداه ان الذي يحدث هو تحقيق الخيال ” ( الصفحة السابقة نفسها ) . إن التنقل المتداخل بين الحلم واليقظة ، بين الوهم والحقيقة ، بين الخيال والواقع ، إنما هو من العناصر الرئيسة التي يقوم عليها النبنى السردي . ويرجىء الروائي عملية التوقف عن مثل هذا التنقل المتداخل ثم الدخول المباشر في لعبة الحلم إلى المقاطع الأخيرة من الرواية . فحين تتصل به صديقته السريانية ليليان ويخبرها انه كان في تل المطران تأتي إليه وتقول اه ” أنت محموم وكنت تحلم . بالأمس كنا معا ً ” ( 367 ) . وما تلبث أن تأخذه إلى الموصل بيتأكد بنفسه أن ْ ليست هتاك مدينة بهذا الإسم . لقد جاء الكشف عن حقيقة الحلم مباشرا ً فخلخل النسق السردي المثير الذي اعتمده الروائي منذ البداية ، وهو نسق كان قادرا ً على توفير قدر كبير من الشد لو أنه ظل محتفظا ً بقدرته ذاتها التي بدأ بها ، ولكانت الرواية بمنأى عن اللجوء إلىإلى الخاتكة التي تقول ” أسندت ليليان رأسها إلى كتفي ، أخذنا نأكل مربى نارنج ، ونلفظ حبات فستق نسحقها تحت أسناننا ونقذف قشورها على الأرضية ” ( ص 385 ) ، وهي خاتمة تعاني من فجاجة المباشرة كما هو واضح .
يشي المدخل الإفتتاحي للرواية” في مساء تشريني بارد ، بعد أن وضعت الحرب أوزارها “ ( ص 7 ) بزمن الأحداث .وللإشارة إلى الحرب ( وهي الحرب العراقية ــ الإيرانية )دلالتها التي يؤكدها قول الراوي انه كان عاطلا ً عن العمل بعد تسريحه من الجيش عقب انتهاء الحرب ، لمعنى انه كان قد دخل اتون الحرب واكتوى بنارها وشهد أهوالها ولابد من أن تكون قد خلخلت بناءه النفسي وخلـّفت بصمتها على أفكاره فبدا قلقا ُ ، مضطربا ً ، مهموما ً بالجنس . ونزعم ان ثيمتي الحرب والجنس بسطتا سطوتهما على على المناخ الروائي وإن جاء ذلك بشكل غير مباشر أحيانا ً . وبدا كأن شبح الحرب كان يلاحق الراوي حتى في حلمه . ففي مدينة الحلم كان ” هنالك معسكر الجبش الكائن على الهضبة القصية التي تقابل المدينة ، وعند المضائق الحمر التي تطوقها الأسلاك الشائكة والعوائق ، كانت هناك مظلات الحراس وموقف الحاميات في حين كانت الرادارات متخفية الأخضر والأحراش ” ( ص 70 ) . انه يسترجع من لاوعيه صورا ً اختزنتها ذاكرته ، تلح عليه وتتشبث به فتبدو معها كأنها توحي بأن الحرب لم تنته بعد وانها حدث له حضورهدائم ” ومن بعيد رأيت مجموعة ً من الجنود ترافقهم البغال المحزومة بجليكانات الماء وقد وضعوا على ألأكتاف بنادقهم المشكوكة الحراب …. كانت أحزمتهم الجلدية العريضة ممتلئة بالقنابل اليدوية وشواجير الرصاص ، وعلى خوذهم الداكنة ورق الشجر الأخضر وبقع الطين المستخدم في الغارات للغش والتمويه ” ( ص 72 ) ، وتضعنا هذه الصورة في جو الحرب تماما ً . وتتلاحق صور أهوال الحرب في ذاكرة الراوي التي هي ذاكرة الروائي نفسه هنا ، لتجد لنفسها تعبيرا ً على لسان وردة ( إحدى شخصيات الرواية ) وهو يتحدث عن تل مطران التي دمرتها الحرب ” وظل ناقوس البيعة يدق من الصباح إلى المساء ، يؤذن بالموت ، بينما امتلأت المدينة بالجرحى السابحين بدمائهم ” ( ص 83 ) . إن الروائي يجري مناقلة مكانية ينقل فيها صور ما كان قد شهده خلال الحرب من مدينة الواقع إلى مدينة الحلم . فما يرد على ألسٍنة شخصيات مدينة الحلم إنما هو وقائع لها حضورها المادي على أرض الواقع وهي ليست من صنع الخيال . فليس غريبا ً أن يأتي على لسان تيمور قوله ” كنت أزور المدينة من خمس سنوات . كنت جنديا ً في وحدة للرادارقريبة من هنا اثناء الحرب ” ( ص 230 ) ، ثم قوله بأنه كان يغادر المعسكر المحيط بتل مطران خفية ً متسللا ً من الأسلاك الشائكة وهناك يرتدي ملابس مدنية يحملها معه ويضع الملابس العسكرية في جحر محفور في التراي ثم يتسلل إلى المدينة حتى يصل الملهى ويلتقي بفريدة التي تعرف عليها هناك . وليست صورة مستعارة من الخيال تلك التي يجسدها قول ايلين زوما ” يأتي البريد العسكري يحمله الجندي على دراجته البخارية إلى تل مطران ، ونركض وراءه . كل نساء تل مطران يركضن وراءه ” ( ص 256 ) ، أو قول الراوي عن ايلين نفسها ” ولم تنس أن تتحدث لي عن تأخر زيا ( زوجها ) مرة أكثر من شهرين عند الهجوم على البصرة : قررت أن أذهب إلى البصرة ، لم أكن وحدي طبعا ً . كان معي كثيرات ، زوجات الجنود وأخواتهم وأمهاتهم ، ملأنا القطار ذلك اليوم . ” ( ص 256 ) . وفي صورة من صور انعكاسات مآسي الحرب تتعرض ايلين زوما للقتل على يد زوجها . ففي أثناء الحرب كان قد تشاجر مع أحد الجنود وتسبب في إيذائه فدفعه خوفه من العقاب إلى أن يهرب ويختبىء في بيته ولكن زوجته أقنعته بأن يسلم نفسه فقاده ذلك إلى السجن فقرر قتلها للإنتقام منها بعد أن أوغرت صدره الشائعات التي اتهمتها بالخياوة وانها سعت إلى إدخاله إلى السجن ليخلو لها الجو لممارسة خيانتها له .
ويبدو الراوي مسكونا ً بهاجس الجنس ، إذ يتدفق الشبق المحموم ليأخذ طريقه إلى عينيه فلا يتصيد بهما سوى جسد المرأة بكل تفاصيله التي تثير الغريزة ، وإلى خياله فيعرّي به النساء ” كانت يد خيالي السحرية تتحرك بهدوء ، تعري ، تعري ، تعريهن من ملابسهن . كانت تخلع وترمي يمينا ً وشمالا ً ، بهدوء وامهل لذيذين ” . ويدلل التلذذ بهذا الهدوء والتمهل ، على خلل نفسي تؤكده نرجسية الراوي ــ البطل ــ واعتقاده بأنه مرغوب فيه ومشتهى من قبل النساء وملاحق من قبلهن في مدينة الحلم . وفي الواقع إنه هو الذي كان يتشهاهن ، أما قوله بعكس ذلك والمبالغة فيه ، فربما يعكس خيبته في علاقاته مع المرأة في الواقع الحقيقي . فعلاقته الجسدية بالمرأة في هذا الواقع تقف عند حدود صديقته ليلين فقط ( ولم تكن جميلة ) وهو يعلل ذلك بالقول ” لقد كانت علاقتي بالنساء فيما مضى بيورتانية من نوع ما ، أقصد متشهية ولكن ممنوعة ” ( ص 277 ) . لذلك يأتي إسرافه في الحديث عن الجنس كرد فعل تعويضي عن خيبته التي أشرنا إليها . وحتى في مدينة الحلم فإن علاقته الجسدية توقفت عند حدود شميران التي قادته إلى جسدها هي بنفسها لغاية معينة وكان قد رفض الإقتراب منها بادىء الأمر حتى بعد أن تعرت ، لكنه ما لبث أن انهار عندما رآها تجلس على كوم من الليرات الذهبية ، بمعنى ان لقاءه الجسدي بها لم يكن وليد رغبة حقيقية ، إلى جانب ذلك اللقاء العابر مع فريدة ، العاهرة المحترفة التي وجدها تستلقي عارية في فراشه في غرفته في الفندق . لم يكن له نساء إذا ً ، ولم يكن ذلك عائدا ً إلى مٍ أخلاقي يقف في طريقه إنما ، وعلى ما نزعم إلى مصد ٍ نفسي نشأ عن عقدة الخيبات المتلاحقة . لقد تراكمت الإيماءات الجنسية المباشرة على امتداد الرواية ، منها ما هو عياني ومنها ما هو لفظي . ففي مكتبة المعهد البريطاني ” كانت النساء يعلن عن أنفسهن بصورة فاضحة ، الأثواب الجميلة المتناسقة ، السراويل الضيقة … ” ( ص 10 ) ، وكان زخم النساء يصيب الراوي ” على الدوام بدوار الغبطة والفرح ” ( ص 11 ) . أما صافيناز الأربعينية التي يتخيل أو يحلم غنه التقاها في مكتبة المعهد البريطاني فقد استحوذت على تفكيره وأربكته ” ببناء جسدها وصدرها العالي ” ( ص 14 ) . وثمة إشارات إلى الصبي الذي كان يبيع صورا ً خلاعية في محطة القطار ، وإلى فتيات عائلة مسافرة في القطار ” كانت فتيات العائلة المراهقات يتحركن حركات سريعة مضطربة ، ونظرات باحثة متقصية شبقة ” ( ص 35 ) مما يفصح عن جوعهن الجنسي وهن في سن مبكرة ، إلى جانب الإشارة إلى الأرمنية التي احتك الجنود بجسدها في عربة القطار . وفي الخان ، على الطريق إلى تل مطران ” كان الدخان من الداخل مظلما ً ، يكشف عن دخان أسود مدخن ، يبضعه ضوء خافت يطل من الزاوية البعيدة ، وقد تحصنت خلفه امرأة لم أتبين ملامحها حتى خلتها عارية ” ( ص 45 ) . وعن شميران تالتي التقاها لأول مرة ، وكانت تقف خلف الراهب في الكنيسة يقول الراوي ” وقفت فتاة لاحد لجمالها ، كانت ترمقني بعينين خضراوين عليها التماعة جذابة .. كانت ترتدي ملابس مثيرة ، الكنزة الضيق تبرز صدرها الناتىء الصغير وبنطلونها اللازق على لحمها الرشيق ، فتخال ان بنطلونها سينفتق ويظهر أمامك جسدها الوردي بكامل بضاضته وترفه ” ( ص 53 ) . ويصف في جولي الأربعينية التي كرست حياتها لخدمة الراهب كل ما ما هو مثير من تفاصيل جسدها وهي تجلس قبالته حتى بدت ” أقرب إلى العاهرات في شكلها ” ( ص 85 ) ، وقد حاولت إغراءه أكثر من مرة ولكنه لم يستجب لها برغم انه يقول ” كنت أشعر برغبة كبيرة تجتاحني لتعريتها ، رغبة كبيرة للذوبان في جسدها وهي جالسة على الكرسي ” ( ص 219 ) . ويتكرر مثل هذا الوصف وهو يتحدث عن إمرأة جميلة في الثلاثين من عمرها تبيع القيمر والمربى في دكان صغير ” كانت البائعة تنظرني بين آونة وأخرى بطرف من عينها ” ( ص 102 ) . وفي محل بيع البن يلتقي إمرأة أخرى جميلة هي الأخرى ، ترتدي ملابس مغرية تكشقف عن تفاصيل جسد مثير ” أخذت ترمقني بعينين سوداوين واسعتين ” ( ص 137 ) . ويقول ان المراهقة الأرمنية بياتريس كانت تحاول إغراءه لإغوائه . وحين يشير إلى الفتيات اللاتي يراهي الشارع يقول ” في زاوية نصف معتمة ، كنت أنظر إلى إغراء جوارب الحرير الناعمة الموشاة وسحرها الذي لا يقاوم ” ( ص 159 ) . ويصف خلوته الجسدية بشميران بتفاصيلنشحونة بالإثارة . وحتى الطبيعة تكتسب دلالة جنسية لديه فهو يصفها بالقول ” كنت أشعر بأنني نفذت إليها ، نفذت إلى عمقها ، فارتمت عارية ساكنة وق ردّت الرداء إلى أطرافها ” ( ص 43 ) .
لقد أسرف الروائي في وصف مولضع الإثارة في الجسد الأنثوي بشكل مكشوف ومباشر وبتكرار أساء إلى المرأة وجرّدها من كينونتها الإنسانية فاستحالت لديه إلى كائن جنسي مكرس لتلبية رغبات الرجل الجسدية . إن توظيف الجنس في الرواية ، أية رواية ، لا يشـكّل مأخذا ً شرط أن يأتي هذا التوظيف وفق المعايير التي ترى فيه حاجة انسانية طبيعية ، وينأى عن هدف توفير الإثارة الحسية.
يقدّم الروائي تشكيلة غير كتجانسة من الشخصيات تحمل بدورها تشكيلة من الأفكار والؤى والمواقف المتباينة والخلافية والمتناقضة أحيانا ً . فالبطل الراوي يفصح عن اهتمامه بالثقافة والفلسفة ويبدو على إطلاع واسع بهما وذلك من خلال الإشارة إلى أسماء محموعة من الفلاسفة والشعراء والكتـّاب وكتبهم ، إلى جانب تداوله مصطلحات مثل السريالية والبوريتانية والأوليغلرشية . وثمة ما يشي بأنه كان ميالا ً للوجودية . لكته في الوقت نفسه بالتنجيم والسحر ” ثرثرنا كثيرا ً في الأبراج والروحانيات وفن التنجيم ، ودخلنا في مختلف الأحاديث التي تنقـّب بدقة متناهية في التاريخ الروحاني وفن التنجيم والسحر الأسود ” ( ص 7 ) . وخلال عمله عند أحد تجار الكتب في شارع المتنبي لثلاثة أشهر ، اكتشف العالم الروحاني وتعرّف على موسوعات تتناول الأبراج وتحضير الأررواح ودورات الكواكب . ويعجب المر كيف تيسر لشاب تسرّح من الجيش حديثا ً أن يكون موسوعيا ً ويلم هذا الإلمام الواسع بمصادر الثقافة التي تواتر ذكرها على لسانه مع انه يعترف بأنه ” شخص بسيط ، جندي صغير تسرّح من الجيش ونجا من الحرب وهو عاطل عن العمل ” ( ص 264 ) . أما الراهب ( القاشا ) فهو نموذج من طراز غريب . إنه كاتب وشاعر ومسرحي سابق ومؤرخ ، إلى جانب كونه شخصية استحواذية ، مصلحية ، ازدواجية ، ويطمح في أن يكون نبيا ً ، وفي سلوكه ما يشي بعدم توازنه بل وجنونه أيضا ً . يقول الراوي عنه ” أفكاره مروعة ومخيفة ، إنه يريد أن يتخلص من نصف البشرية ” ( ص 111 ) . وتذككـّرنا هذه الشخصية بشخصية القس الإنجليزي اليميني توماس روبرت مالثوس ( 1766 ــ 1824 ) ونظريته ” المالثوسية ” التي تبرر المجاعات والحروب والأوبئة للتخلص مما تعتبره فائضا ً بشريا ً . إن أفكار القاشا تحاكي أفكار مالثوس وتستعير ملامح شخصيته بشكل واضح ، إذ أن هذه الأفكار تنطوي على كثير من الحدة والغطرسة والنرجسية والتعالي على بسطاء الناس . فهو يقول للراوي ” ما الذي يربطك بهؤلاء السوقة والنشالين والأغبياء ؟ عليك أن تتحلى بفائدة الإشمئزاز المريع منهم . فهذا الإشمئزاز وحده الذي بخفف عليك لا أخلاقية الجمهور . ة حقيقية ، عليك أن تكون معهم وقحا ً وجافا ً وقويا ً وساخطا ً ولااباليا ً . عليك أن تعاملهم بنفور . يجب أن نعود إلى زمن الإرهاب الأرستقراطي ، إلى زمن التغطرس ” ( ص 90 ) ، ويقول أيضا ً ” الحثالة هي التي تهيمن . المجتمعات تحكمها الحثالة الشعبية هذه الأيام وأخذت تدفع النخبة لتحل محلها الشاغر . لم يعد هناك نخبة إنما غوغاء ، والمجتمعات كلها من الحثالة العامة ” ( الصفحة السابقة نفسها ) . وكان يتحدث عن القتل والإبادة الحقيقية والصريحة لمجتمعات لم تعد صالحة للحياة . و” يعبـّر بشكل صريح عن احتقاره للجنس البشري ” ( ص 98 ) . ولا يتوقف الراوي عند حدود طرح أفكار القاشا بحيادية بل يفصح عن تناغمه مع هذه الأفكار ليلتقي بصاحبها في بعض جوانب شخصيته . إنه يبدي إعحابه بما كتبه القاشا لاسيما في كتابه الذي يحمل عنوان ” الساعات ” حتى ليبدو كأنه آمن بالقاشا وتعاليمه وأفكاره ومن هنا أدركت عظمة الأخلاق التي أرادها القاشا ، هذه القوة التي تضبط الرعاع وتحركهم ، القوة وحدها يمكنها أن تفصل على هذه الأرض ، القوة ولا سيء غيرها ” ( ص 340 ) . وحيث يصرخ بشميران ” علينا أن نتسامى على الحياة لا أن نعيشها ، علينا أن نبني حياتنا لمن بعد ( ص 351 ) ، فإنه يعود فيقول ” في الواقع كنت مؤمنا ً إيمانا ً عظيما ً بمجتمع النخبة … إنه مجتمع مثالي وعلينا أن نفرض هذا المثال بالقوة لأن الناس لا يمكنهم إلاّ أن يتمردوا ، وليس هناك من هو أفضل من لغة القوة والعنف مع هؤلاء الجموحين والمخيفين . صحيح إن هذه الايغلرشية أرفضها وأدينها ولكنها ضرورية هنا ” ( ص 353 ) . وفي هذا ما يؤكد قولنا بأن في أفكار الراوي وسلوكه ما يكشف عن انه شخصية قلقة ، مضطربة ، ضعيفة ، مسلوبة الإرادة “ لقد حولني هذا القس إلى جرذ اختبار ” ( ص 44 ) . وقد دفعته شميران إلى قتل القاشا ليصرخ بعد ذلك ” لقد قتلت هذا الشاعر السريالي العظيم ” . وقاده ضعفه إلى الذهاب إلى الحي الذي يسكنه المسلمون ليبشّر بظهور نبي جديد في تل مطران . أما شخصية شميران فهي لا تقل غرابة عن شخصية القاشا . إنها ثمرة علاقة غير شرعية بين أمها ومعلم مسلم أغواها قبل عشرين سنة وهرب بعد فعلته وتركها في مواجهة مصيرها فقام أبوها بقتلها . ويبدو ان شهوة الإنتقام كانت تستعر في داخل شميران فكررت ، ربما عن عمد ، مع الراوي ما كانت أمها قد فعلته فأسلمت جسدها إليه ولكن بهدف الإنتقام منه وكأنها مانت تريد الإنتقام لإمها . وكانت محكومة بروح الطمع وتخلصت من جدها ودفعت الراوي إلى قتل القاشا ، ثم أخذت تحرّض الحشد الهائج ضده لكنه استطاع الهرب .
وتكاد كل شخصيات الرواية تلتقي في كونها سلبية ومأزومة أخلاقيا ً أو نفسيا ً حتى ليصعب على المرء أن يجد شخصية تتوافر على قدرولو ضئيل من الإيجابية . وبدا لنا ونحن نتابع أنماط سلوك بعض الشخصيات ان شبح شخصية عبد الرحمن شوكت أمين بطل ” بابا سارتر ” رواية علي بدر السابقة ، يلاحقه هنا أيضا ً ، وإن الرغبة في إدانة جيل الستينات الأدبي في العراق يتكرر حضورها . فمثلما كان عبد الرحمن دعي ثقافة ومهووسا ً بالجنس ، فإننا نجد في ملامح شخصيته ما يجعله يماثل شخصيتي القاش والراوي في ” الطريق إلى تل المطران ” . أما الرغبة في إدانة جيل الستينات فإنها لا تتجسد من خلال شخصية القاشا في مدينة الحلم فقط ، وإنما أيضا ً من خلال شخصية القس الذي ذهب الراوي إلى بيته في الموصل يصحبة شميران والذي يقدم نسخة أخرى من قاشا مدينة الحلم . فهو يصرخ : أنا أعظم شاعر على الأرض ” ، ثم ” بعد ذلك تحدث بهدوء عن جيله ، قال : كنا ضحايا ، لم يكن أحد منا يفهم ما يريد ، كنا نقول حداثة ولكن حداثتنا كانت مترجمة ” ( ص 381 ) . وبغض النظر عن الموقف من هذا القول ، فإن المباشرة في طرحه أحدثت ثلمة في البناء اللغوي الجميل الذي شاده الروائي . وعلى الرغم مما يمكن أن يؤخذ على بناء الرواية الفكري ، فإن هذه الرواية تصح أن تكون مؤشرا ً على تطور المنجز السردي العراقي الذي يضطلع بتحقيقه جيل من الرةائيين أصبح على تماس مباشر مع ما استجد من اساليب في الرواية الحديثة في العالم .

آيار 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
للتعليق على الموضوع يجب أن يكون لكم حساب على موقع (فيس بوك) أونلاين
picDecor
خبرة العالمية
أسرع للاعلان
إعلانكم مع العالمية يحقق لكم الشهرة والنجاح