home
tri
tri
focus
حوار مع الكاتب المسرحي والشاعر العراقيّ: عبد الرزاق الربيعي

*حاوره - عِذاب الركابيّ  

شاعرٌ متميزٌ في نصّه..المتشعب من الشعر ِ..إلى المسرح..إلى الكتابة المثيرة للطفل ..إلى النقد ، مبدعٌ مثابر يرى في الإبداع متنفسه.. وهواءه..ومنطاد النجاة في زمنٍ تتحركُ دقائقه في حذر ٍ وغموض ..، يكتبُ لأنّ الكتابة لديه لا قيمة لها إذا لمْ تكن مغامرة.. ، ويسهرُ على إبداعه ، لأنّ الإبداع الذي لا يقلق في أسئلته يظلُ مجرد كلمات ٍتنتظرُ لحظة العزاء ..، يكتبُ وهوَ واثق من أنّ النصّ يحكمُ .. والشعرَ يحكمُ .. والإبداع ذو سلطةٍ أزلية ..!!
  عاشقٌ حتّى العظم ِللكتابة .. ولهذا هوَ يجرب .. بلْ يغامرُ في أخطر وأهم فنون الكتابة : الشعر ، المسرح ،أدب الطفل ، وحتى النقد.. والسؤال الذي
يحيرهُ ويقلقهُ دائما ً هو: كيفَ كتبَ المبدع نصّهُ ؟
 لا يرى الصديق الشاعر الكبير – عبد الرزاق الربيعي للإبداع أي شروط ،ولا يعبأ كثيرا ً لأقوال النقاد ، كما يبدو من حديثه ،لأنّ الناقد الوحيد الذي
يصغي له ، يهابهُ ،ويحسبُ له كلّ حساب هو"الزمن"، في رأيه  هوَ أكبر النقاد ..
    الكتابة لديه ولادة ٌ.. ووجود.. وحياة ، ويرى في سؤالي عن الموت،
أنه ولادةٌ أخرى .. لأنه" نتيجة حتمية من نتائج الوجود".. وككاتب ومبدع عراقيّ يفيض نبضه بلآليء حضارة وادي الرافدين – مهد الحضارات ، يرى أنّ الموتَ هو قدرُ العراق .. ورغيف العراقيين الأبديّ..، ولدى الشاعر الربيعي الكثير مما يدهش القاريء.. والرابض في إيقاع الكلمات .. فقط إصغاءة هادئة لهذا الحوار الحميميّ .
    صدرَ له من الأعمال الشعرية :
(إلحاقا ًبالموت السابق-بغداد1988،حدادا على ما تبقى-بغداد1993،
موجز الأخطاء-جنيف1999، جنائز معلقة- مسقط2000،شمال مدار السرطان- مدريد2001،كواكب المجموعة الشمسية- القاهرة2004 .
  ومن كتب الأطفال :
( وطن جميل – بغداد 1985 ،نجمة الليالي –بغداد 1987 )
   
  وفي المسرح :
(كأسك يا سقراط -2004 ، آه أيتها العاصفة 1997 )
 
وله العديد من المخطوطات .. والكتب النقدية الصادرة في العديد من
العواصم العربية.. آخرها كتابه : ( ما وراء النص) – القاهرة2009 .
 
لا قيمة للكتابة إذا لم تكن مغامرة .
 
س1. الكتابة  مغامرة .. وهيّ بمثابةِ المشيّ في حقلٍ من الألغام ..، لماذا هذهِ المغامرة ؟؟ وأينَ أنتَ فيها ؟
-         أرى إن الكتابة بالضرورة ينبغي ان تكون مغامرة والا فماقيمة الكتابة إن لم تكن كذلك  ؟ فالكتابة  إبحار عكس تيار العادي والمكرر , ونزف وإشتعلات مستمرة واقامة فوق الحمم البركانية , وبالطبع بإمكان أي كاتب أن يتصالح مع الواقع ليبتعد قدر الإمكان عن الاماكن المزروعة بالألغام فيمشي فوق الحرير , لكن ما يكتب حينها لا قيمة له , فالمغامرة قدر الكاتب الحقيقي ولكي يقترب هذا الكاتب من هدفه الأسمى في الحياة لابد أن يمشي في هذا الحقل الملغوم .
-                       
. إشاعة الجمال ترافقني دائما .
 
س2. مسرح.. نقد.. شعر .. كتابة للأطفال.. يوميات صحفية ثقافية !! حياة صخبٍ .. وهدوء .. ومتعة معا ً.. أين تجدُ نفسك في هذهِ المنعطفاتِ الجميلة؟؟
 - كل مبدع يمتلك قدرة على الخلق لأنه  طاقة منتجة , قد تأخذ هذه الطاقة  عند ولادتها  على الورق  عدة مسارب , قد تكون مختلفة لكن الكلمة تبقى القاسم المشترك الأعظم بها , لذا كتبت للمسرح وللأطفال , اما عن النقد فقد أوضحت في مقدمة كتابي "ماوراء النص " الذي صدر عن "دار شمس في القاهرة " سبب إتجاهي لممارسة العملية النقدية مشيرا الى إنني كنت كلما أفرغ من قراءة نص مدهش يقفز السؤال المحير:كيف كتب المبدع ذلك النص؟وأعيد قراءته أكثر من مرة بعين المنقب الذي يبحث عن ضالته والصياد الذي يبحث عن طريدته , وكلما كنت أقرأ نصا جميلا أحاول حفظه أو حمله معي في جيبي لأقرأه على أصدقائي محاولا إظهار جمالياته وإشاعتها , وظلت فكرة (إشاعة الجمال ) ترافقني دائما في حلي وترحالي , وقد أتاح لي عملي في الصحافة الثقافية أن أمارس هوايتي الأثيرة هذه , فصرت أكتب مقالات أحاول من خلالها نقل الشحنات الجمالية التي تخلفها في دواخلي  بعض النصوص  ,محاولا من خلالها صعود مركب مجاور لمركب المنتج لمعرفة أسرار تلك الرحلة , ومما شجعني على ذلك إنني أمتلك بعض تلك الأسرار ,كوني أتعاطى كتابة الشعر ,والمسرح  وكنت دائما أجيب من يسألني إن كنت أتعاطى العملية النقدية, بقولي :الكتابة صنعة , ولكل صنعة أسرارها التي لا تدركها الأبصار ولا الأسماع ’ لأنها تستقر باللاشعور ومن الصعب التعبير عنها فهي تكتسب  بالمران والإطلاع والإنغماس الكامل بالتجربة وقد كان لنا من هذه التجربة نصيب وحتى النجار يستطيع أن يقيم نتاج زميله النجار , فكيف يكون الحال مع منتج لنص جمالي , قرأ  ودرس آليات  النقد أكاديميا وحضر عشرات الندوات والمحاضرات والجلسات ؟
  من هنا بدأت رحلتي لتعقب ما وراء النص من خفايا وأسرار , لأجعل القاريء شريكا لي في تمتعي بهذه الرحلة التي أسعى من خلالها الى تقديم إقتراحات جمالية في قراءة تجارب أنا على تماس مع أصحابها , وهذا يعطي للقراءات بعدا قد لا يعرفه قراء آخرون وطبعا في كل ما كتبت يمتد خيط رفيع ليوصلني بالقصيدة , لذا أجد الشعر خيمة واسعة تظلل كل ماكتبت بأي شكل من الأشكال التي ظهرت بها .
 
                   . الزمنُ هوا الناقد الأكبر .  
 
منذُ ديوانك الأول ( إلحاقا ً بالموتِ السابق) عام 1988ببغداد ، ومرورا ً بـــ
( جنائز معلقة) 2000 بمسقط ، و( شمال مدار السرطان) 2001 بمدريد ، وأنت كشاعر متميز ٍ تراهنُ على الكلمة .. على القصيدة  ..، وحدها التي تضيء الدروب ، وتشعلُ الحرائق .. قلْ لي هلْ كسبتَ الرهان؟؟
- قوس  الكتابة عندما يفتح فإنه  لا يغلق , ذلك لأن غربال أي نص إبداعي هو الزمن " أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فإنه يمكث في الأرض " لذا فلا يستطيع أي كاتب أن ينوب عن الزمن في قول كلمته , لكن كل إنسان يدخل حلبة صراع يسعى دائما لكسب الرهان وهذا مانحاوله من خلال الإخلاص للعملية الإبداعية بكل ما أوتينا من قدرة والباقي نتركه للزمن .
 
 للزمن هيمنة آسرة على ذاكرة و وجدان الكاتب .
* . من بغداد العظيمة .. إلى عمّان .. إلى صنعاء .. وإلى اللامكان .. وحتّى آخر المحطات مسقط ..الإقامة الدائمة .. موطن القدم التي لا تهدأ .. ماذا أضافَ إليكَ المكان .. وهوَ أصل ولادة الأشياء كما عبّرَ السيميائي الكبير غاستون باشلار ؟؟
- للمكان هيمنة آسرة  على روح وذاكرة ووجدان كل إنسان يتعاطى الكتابة , فهو سلطة  روحية , وقد كنت منذ طفولتي أحب الإلتصاق بالأمكنة , حتى إنني مرضت حين إنتقل أهلي عندما كنت في سن16 من عمري من مدينة الثورة الى العامرية ببغداد ولازمت الفراش لأيام حيث أصابتني نوبة حنين شديدة شلت قواي النفسية , ومن الغريب أن الحالة نفسها داهمتني بعد عام واحد عندما إنتقلنا الى مدينة الحرية !!! فالحنين تحول الى مدينة العامرية التي لم نمكث بها سوى عام واحد !!
إنه الإلتصاق بالمكان الذي يشكل بساطا للأحداث , ونحن العراقيين يصبح عندنا هذا الإلتصاق حالة مرضية مزمنة , لذا حين قذفنا في صحراء  الشتات كنا مجبرين
لكننا شيئا فشيئا بنينا صلة جديدة حميمة مع الامكنة التي أقمنا بها ,وهذه الصلة أمدتنا بالكثير من عبق تلك الأمكنة وأسرارها , فالمكان لا يمنح أسراره الا لمن يحبه ويلتصق به ويرضع من ثدي ترابه , وحين تقرأ نصوصي تجد ذلك العبق مبثوثا في ثنايا الكلمات .
 
 
 الموت يأخذ شكلا  فجائعيا  في العراق .
 
* . تقولُ في إحدى قصائدك وفي ديوانك : ( خذ الحكمة من سيدوري ) :
      "  في بلادٍ
        نسجَ الخوفُ
       على الأعينِ ظلّ العنكبوتْ
       لمْ نعُدْ نبكي على مَنْ ماتَ ،
       بلْ .. مَِنْ سيموت !!"
قلْ لي لماذا كلّ هذا الموت ؟ ولماذا نحنُ بالذات ؟وهلْ بقيّ دمع كافٍ لبلادِ أدمنت الموت ؟؟ بلْ صارَ رغيفها اليومي المُر !؟؟
 
-الموت هو عنوان كبير من عناوين وجودنا على الأرض ,كنتيجة حتمية من نتائج هذا الوجود ,  لكنه يأخذ شكلا فجائعيا في العراق منذ عصور سحيقة والى اليوم , إنه قدر العراق  الذي هو مهد الحضارات ومهبط الانبياء والأولياء أن يكون مزرعة كبرى لأشجار الشهادة  , قدره أن يكون مصابا بمرض الفجيعة المزمن , لكنه بالمقابل يقاوم الموت والفناء ويعود من جديد ليخذل الفجائع .
 
 دور الأديب العراقيّ ما زالَ مهمشا  .
 
* . كيف تقيم الشعر العراقيّ تحتَ الاحتلال ؟ هلْ يؤدي دوره .. ويجيب على أسئلة مواطنه المعذب.. المنفي.. والنازح .. واليتيم بامتياز! مَن مِن شعراء الداخل يلفت انتباهك.. وتنجذب إليه ؟
- للأسف لم يظهر أدب يوازي المحنة التي يعيشها العراق اليوم حيث يئن ترابه تحت احذية جند  الغزاة , والسبب يعود الى أن دور الأديب العراقي همش ولم يعد يتقدم الصفوف كما كان , حتى الشعراء بهم تركوا تاج القصيدة وتحولوا الى محللين سياسيين !!
ذلك لأن القصيدة أصبحت نوعا من الترف الفكري ولم تعد رصاصة توجه للغازي .
 
 مقاومة المحتل هوَ مسؤولية شعراء الداخل والخارج معا ً .
 
* وشعراء العراق في الغربة كيفَ ترى زمنهم ؟ وحياتهم ؟  وشعرهم؟ لمنْ تقرأ ؟ ومَنْ منهم يدهشك ؟
هؤلاء أيضا أصابهم ما أصاب شعراء الداخل , علما بأن مقاومة المحتل  في سؤالك الأول هي مسؤولية الجميع لا مسؤولية أدباء الداخل فقط  , فهم مشتتون منشغلون بهموم الغربة , وضرائبها ,الذي يدهشني مما أقرأ قليل جدا للأسف , فالهموم إختلفت بإختلاف الأمكنة .
 
 
 المثقف العربيّ ما زال متفرجا على ما يحصل في العراق .
 يتحدث كل يومٍ مثقفونا العرب عن الهوية .. وخطر العولمة .. قل لي هلْ مازالَ الحديث مجديا ً عن الهوية في زمن الفرقة .. وحكم الأقليات .. واحتلال المدن .. وغيابها .. وسيناريو الدويلات .. وتقسيم بغداد إلى شوارع.. هذا الشارع للسنة .. وذاك للشيعة ..!! أيّ مهزلةٍ هذهِ ؟؟ كيفَ ترى هذا المشهد ؟؟ أهيّ كوميديا سوداء بعرف المسرح .. وأنتَ واحد من كتّابه !؟
- نعم إن ما يحصل يندرج ضمن هذا الوصف , لقد فجعنا بإنهيار كل شيء ,ومن الغريب إن المثقف العربي ظل متفرجا على ما يحصل ,تاركا  المثقف العراقي وحيدا في الساحة في مواجهة عواصف عاتية , بل كان يلقي اللوم عليه , ليجد المثقف العراقي نفسه محبوسا داخل قوقعة , معزولا في مواجهة رياح الفناء التي تهب على العراق من كل اتجاه .
 
.المثقف العربيّ فقد قدرته على التأثير .
 
 *  قلْ لي إلى متى يستمرُ صمت المثقفين العرب عما يحدث على أرض الواقع  في  بغداد.. وغزةَ .. والسودان .. ومقاديشو بل في كلّ مكانٍ من الأرض العربية تعطي في النجوم ضوءا ً إنسانيا !؟وهلْ بالإمكان تحقيق هوية ثقافية عربية .. ماذا تقترحُ !؟
-المثقف العربي أيضا فقد قدرته على التأثير لذا لم يتخذ موقفا واضحا مما يحصل ,فالمثقف العربي اليوم ليس هو المثقف العربي أيام الستينيات عندما كان يمتلك قدرة على الرفض وتغيير الواقع والإحتجاج , هو الآن يعيش حالة من السكونية التي تجبره على إما الصمت أو الإرتماء بأحضان السلطة وهي أحضان دافئة لكنها ليست نظيفة دائما !!لمعرفتنا بأن هذه السلطات معزولة عن الناس وحركة الشارع العربي .
 
  .مجلة- المجال الليبية عرفتنا بالعديد من الأسماء الفاعلة في الثقافة الليبية .
 س10. الشاعرُ والكاتب المسرحي  عبد الرزاق الربيعي أحد الأسماء التي لها إسهاماتها في الصحافة الثقافية الليبية ..لمنْ تقرأ ؟ وكيف تقيم الإبداع الليبي: شعراً وقصة ورواية ونقدا .. هلْ تذكر لي بعض الأسماء التي تضيف إلى المنجز الثقافي العربي ؟
للأسف رغم تطور وسائل الإتصال في العصر الحديث الا أن المشرق العربي يظل بحاجة الى خطوط تواصل أقوى مع المغرب العربي , ومع القليل الذي يصل الينا فإننا نتابع بسرور مانقرأ من خلال ما تتيحه لنا الشبكة العالمية من فضاءات جمالية  , وقد ساهمت مجلة " المجال "من ردم الهوة الحاصلة فعرفتنا بالعديد من الأسماء الفاعلة في الحركة الأدبية الليبية التي نكن لها كل التقدير .
س11. آخر  إصدار لكَ  كتاب نقدي ( ما وراء النص) .. ماذا أردت أن تقولَ من خلال كتابك هذا ؟ وما الجديد لديك؟؟
اردت أن أحتفي بالجمال من خلال تتبع عوالم النص   الغامضة التي تستقر باللاشعور  وهذه العوالم  تشكل موجهات  تمارس سلطتها على المنتج(النّاص)  لحظة شروعه بالكتابة , هذه العوالم تبقى إفتراضية ,يقوم تفسيرها على الإحتمالات , أنا حاولت أن أقرأ هذه الإحتمالات بذائقة شاعر .
 اما عن جديدي حاليا  أشتغل على كتاب  عنوانه"يوميات الحنين " أقوم من خلاله بسياحة في الذاكرة من خلال عين إنسان بعيد عن المكان الأول .
                                                                          
حاورهُ /  عذاب الركابيّ
Athabalrekabi22@yahoo.com

 

 

آيار 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
للتعليق على الموضوع يجب أن يكون لكم حساب على موقع (فيس بوك) أونلاين
picDecor
خبرة العالمية
أسرع للاعلان
إعلانكم مع العالمية يحقق لكم الشهرة والنجاح