home
tri
tri
focus
سنوات الثورة الثقافية (1966 ــ 1975), كانت سنوات عجافا لكافة مسلمي الصين

الفكر الإسلامي في الصين: في حديث مع المفكر الصيني الكبير أبو يوسف ما تونغ

يصعب الحديث عن الإسلام في الصين, لأسباب تاريخية وجغرافية وسياسية مختلفة, دون التطرق لطبيعة التركيبة الفسيفسائية المعقدة للدولة الوطنية الصينية, حيث تضم الصين خمساً وخمسين قومية معترفا بها رسميا, بينها عشر قوميات مسلمة . المفكر المسلم الذي نسعى لتقديمه إلى القارئ العربي هنا, ينتمي الى قومية (الخوي) , أهم القوميات المسلمة العشر في الصين, والتي تضم في الواقع كافة الصينيين المسلمين. هذا التعبير الاخير (صيني مسلم) , ثم تبنيه في مجال الدراسات حول الإسلام في الصين من قبل الخبراء, للتفريق بين (الخوي) وغيرهم من مسلمي الصين, كالقازاق أو الويغور, او الطاجيك أو المنغول, والذين وان تم ضم أراضيهم الى الدولة الوطنية الصينية, الا انه لم يتم دمجهم في المناخ الثقافي الصيني, فظلوا يتحدثون لغاتهم الأصلية: التركية أو الفارسية أو المنغولية...ويعيشون على أراضيهم الأم، بل ينحو أغلبهم للإنفصال عن الصين كما يحدث مع نضال الويغور. أما (الخوي) , وهم الصينيون الذين اعتنقوا وعاشوا الإسلام منذ بدايات الدعوة المحمدية, فأنهم يعيشون في كافة ارجاء الصين, ويتحدثون كغيرهم من الصينيين, اللغة الصينية. من هنا, فإن التقديم للمفكر الصيني المسلم, أبو يوسف ماتونغ, كان لابد ان يأتي في هذا الاطار. فإن فكره الإسلامي, هو بالاساس فكراً صينيا, بالمعنى الحضاري واللغوي للكلمة, فهو يتعامل مع النصوص الصينية, ويتعرض للظواهر الإسلامية المختلفة في حدود معرفته بهذه اللغة, وفي إطارها. وحيث سنجد أنفسنا بمواجهة مفردات وتعابير خاصة, لا يمكن فهمها او التعامل معها إلا في إطار هذه اللغة, وهذه التركيبة الثقافية الإسلامية الصينية كما سنرى. ولد المفكر الصيني المسلم أبو يوسف ما تونغ عام 1929 في قانصو (غرب الصين) المقاطعة المتاخمة لمناطق التبت, والتي تتمتع بالحكم الذاتي للمسلمين فيها, لقد ولد بالتحديد في مدينة (ما جاهاكن) والتي تعني باللغة الصينية (قرية نهر عائلة ما). التعبير الاخير (ما) زائدة تضاف في اللغة الصينية للأسماء التي ينتمي حاملوها للدين الإسلامي وتفيد النسبة إلي (المحمدية ) .

وقد تخرج ما تونغ عام 1947 في كلية الحقوق بالجامعة الوطنية لمنطقة الشمال الغربي, ليأخذ طريقه بعد ذلك في مجال البحث عن التراث الإسلامي في الصين, وتاريخ الحركات الإسلامية المختلفة. حيث توالت مؤلفاته منذ عام 1981 وحتى الآن حول: تاريخ الفرق الإسلامية في الصين, ونظام (المنهان) , أصول الطرق الصوفية في الصين, الملامح الخاصة للإسلام في مناطق شمال غرب الصين... وغير ذلك من المؤلفات والأبحاث التي تعد اليوم أهم المراجع حول الإسلام في الصين, والتي نصبت مؤلفها كأهم مفكري الصين المعاصرين حول تاريخ الإسلام والطرق الصوفية في الصين .

من اين جاء اهتمامكم بموضوع البحث حول تاريخ الإسلام في الصين؟ -

*أبو يوسف ما تونغ :

ان الحديث عن الإسلام في الصين هو في حقيقة الأمر الحديث عن (الخوي) , هكذا فإن أية محاولة للبحث عن تاريخ الخوي, عن تاريخنا, لن تكون ممكنة بدون البحث عن تاريخ الإسلام في الصين بالذات, فان قدوم الإسلام للصين, وبالتالي دخول أجدادنا الأوائل, قد تم على مراحل تاريخية معقدة, وطويلة المدى, لقد أردت من طرفي تدوين هذا التاريخ, وتركه للأجيال التي ستأتي بعدنا, والتي ستجد نفسها أمام نفس التساؤل. هكذا ابدأ اهتمامي بهذا المشروع منذ تخرجي من كلية الحقوق وفي حقيقة الأمر, لقد استفدت من إمكانيات البحث العلمي المتاحة بالجامعة للإطلاع على كل الوثائق التي كانت تتحدث عن الإسلام في الصين, وزرت كل الزوايا الصوفية للبحث عن الوثائق التي تتطرق لهذا التاريخ, أو طبيعة الممارسات الإسلامية أو الصوفية, قابلت أغلب زعماء الإسلام, وشيوخ الطرق الصوفية وسجلت عنهم ما أعطوه لي من معلومات, ونقلت عنهم كل ما كان مكتوباً حول هذه الطرق أو تاريخها, لقد بدأت منذ ذلك التاريخ مهمة بحثية أساسية, وهي مقارنة كل ما تحصلت عليه من معلومات مسجلة, بما كان الناس من المسلمين ينقلونه لي شفوياً, هكذا أعطيت لنفسي الوقت الكافي للتفكير حول ما جمعت من معلومات قبل أن ابدأ بنشر ذلك .

هل عرقلت سنوات الثورة الثقافية التي شهدتها الصين مشروعكم هذا؟- خاصة وأنها عرفت بالسنوات السوداء التي حلت بمسلمي الصين؟

*أبو يوسف ما تونغ :

سنوات الثورة الثقافية (1966 ــ 1975), كانت سنوات عجافا لكافة مسلمي الصين كما هو معروف, ورغم أن السلطات الشيوعية لم تنزل على بسياط الاضطهاد (كمسلم) كما كان مصير بعض زعماء المسلمين, إلا انهم نكلوا بي كمثقف, وتم إرسالي ــ مثل الآخرين ــ إلى مزارع الإنتاج اليدوي.. إلا أنني نجحت في إخفاء كل الوثائق التي جمعتها حتى ذلك الحين, وهذا هو المهم, فان الانقطاع عن البحث خلال تلك الفترة لم يضر كثيراً طبيعة المشروع نفسه, على العكس زاد ذلك من حماسي للمضي قدماً في إنجاز مشروعي منذ أن فتح الله علينا بنهاية هذه الفترة المذكورة .

تنظيم (المنهان )

في كتابكم عن تاريخ الطرق الصوفية في الصين, تشيرون الى ان نظام -(المنهان) لايوجد إلا في الصين, هل في هذا إشارة من طرفكم إلى أن الطرق الصوفية, أو نظام الزوايا الصوفية في الصين, يختلف عن غيرها من الطرق والزوايا التي توجد في بقية البلدان الإسلامية؟

*أبو يوسف ما تونغ :

لقد أشرت بالفعل في كتاباتي إلى إن (المنهان) , (تنظيم) أو نظام للطرق الصوفية, لا يوجد إلا بالصين, ولكن هذا لا يعبر إلا عن تيار تطبيقي, أو نهج في تنظيم الجماعة الصوفية لا يوجد إلا بالصين, ولا يعني هذا أن ما يوجد من طرق صوفية بالصين, هي طرق صينية خاصة, على العكس, كل الطرق الصوفية الموجودة بالصين تجد جذورها ومنابعها خارج الصين, كالجهرية أو الخفوية مما تجد جذورهما في النقشبندية, بآسيا الوسطى. الحفوية هكذا تنطق باللغة الصينية، وهي من (الخفوت) في اللغة العربية وتعني الذكر بصوت خافت والجهرية, كلاهما في واقع الأمر فرع من النقشبندية, وهو تفرع يميز الطرق الصوفية في الصين. أما تعبير (منهان) نفسه, فهو كلمة صينية صرفة ولا يوجد ما يقابلها باللغة العربية, وهي تعني (جماعة الرواد أو التابعين) , والذين ينخرطون في طريقة صوفية ما, على نحو ما, وتستخدم كلمة (منهان) في اللغة الصينية للإشارة الى رجال التصوف .

في تصنيفكم للتيارات الإسلامية المختلفة في الصين, لاحظنا أنكم -تجعلون من "قديمو"؛ هكذا تنطق بالصينية, وتعني قديم بالعربية، المفهوم الذي يشير إلى الجماعة التقليدية، والتي الذي تجتهد في تطبيق الإسلام السني الحنفي, وترتبط مباشرة بالجامع ، ضمن "الجياوباي"، وتعني باللغة الصينية الطرق الصوفية ، ولكن كيف يمكن أن نصنف السلفيين من (القديمو) ضمن الطرق الصوفية؟ ثم متى ظهر بالتحديد هذا اللفظ (قديمو) في الصين؟

*أبو يوسف ما تونغ :

يجب أن أشير أولا إلى أن كافة مسلمي الصين، أو ما يشكل 99% منهم, هم من السنة الأحناف، (باستثناء طائفة صغيرة من الطاجيك, في المناطق المتاخمة لطاجيكستان هم من الشيعة الاثني عشر) . بعض هؤلاء انخرطوا في طوائف, وطرق, وتنظيمات محلية ودينية والغالبية ليسوا كذلك, وهؤلاء هم (القديمو) , غير أن التغيرات الاجتماعية والسياسية, وربما الاقتصادية المختلفة التي ما فتئت تهز الوجود الإسلامي في الصين, جعلت رجال المساجد وتابعيهم, يسعون كذلك إلى العمل على تنظيم أنفسهم في شبه جماعة منظمة، وبالنظر إلى هذه التيار إن صح التعبير, وما يمثله من مكانة وقوة خاصة, وفاعلية لا متناهية داخل التركيبة الاجتماعية للإسلام في الصين, كان لابد أن يتناولها الباحث على هذا الأساس، إي تصفيتها كطريقة, أو تيار منظم. لذلك ذهبت بالفعل في كتابي عن نظام (المنهان) الذي صدر عام ،1983 والذي سعى لدراسة الأوضاع الحالية للإسلام في الصين؛ إلى تقسيم واقع الإسلام الصيني إلى ثلاثة جياوباي كبار: هم قديمو، والأخوان مفهوم الاخوان في الصين لا يدل إلا على اتباع الحركة الوهابية بما عرفته من نشاط معارض للحركات الصوفية، والسي داو تونج. هذا التيار الأخير ظهر في الصين كمبحث عن إمكانية التعايش المشترك بين أفراد الجماعة الإسلامية, حيث استحدث هذا التيار نظام التكافل الاجتماعي والحياة المشتركة بما يؤسس لنظام اجتماعي يجمع شمل أكثر من جماعة إسلامية في مكان وزمان بذاته، فيما يشبه تلاحم عائلة واحدة كبيرة. والى أربعة (منهان) كبار: هم "الخوفية"، و "الجهرية"، و "القادرية"، و"الكبراوية " .

اما لفظ قديمو نفسه فإن الإسلام الصيني لم يعرفه إلا مع ظهور الحركات الصوفية؛ إي مع دخول النقشبندية الى تركستان الشرقية عام 1760 على يد النقشبند، هناك بدأ استخدام لفظ قديمو في قانصو للتفريق بين هذا الاتجاه الصوفي في الممارسات الدينية والاتجاه الأصولي القديم .

طريق الغرب

ما هي (الجياوباي) الاكثر فاعلية, والأكثر انتشارا في الصين في -رأيكم؟

*أبو يوسف ما تونغ :

بالقياس إلى عدد الاتباع, يكون (القديمو) هو النظام الأكثر انتشارا وفاعلية في الصين, يأتي بعده مباشرة (الخوفية) بتفرعاتها الأثني والعشرين (22) (منهان)، ثم الجهرية والتي تتفرع الى أربعة (منهان) ثم يأتي بعد ذلك الأخوان .

هل من الممكن ان تعطينا فكرة تقريبية عن عدد المسلمين من -(الخوى) , المنخرطين بالطرق الصوفية؟

*أبو يوسف ما تونغ :

بحسب الإحصاء الرسمي الذي صدر عام 1950 يكون معدل توزيع الخوى على الطرق الصوفية المختلفة هو الآتي: 355 ألفا منهم تضمهم الطريقة الجهرية بتفرعاتها الاربعة. 92 ألفا تضمهم الطريقة الخفوية بتفرعاتها الأثنى والعشرين. و92 ألفا تضمهم الطريقة القادرية. وهي متفرعة كذلك إلى ستة منهان، لها تسمياتها المحلية كذلك, ثم عشرة (10) آلاف من الخوى تضمهم الطريقة الكبراوية, وهم اتباع شهيد الصوفية أبو الجنب احمد نجم الدين كبرى, الذي اخذ الطريقة الجهرية على يد أستاذه الوزان المصري, ثم واصل طريقه مع شيخه في تبريز بابا فرج التبريزي, قبل ان يتحول في خوارزم حيث ولد وحيث مات, إلى زعيم الطائفة الصوفية التي حملت اسمه, حتى ان المغول أثناء زحفهم على خوارزم, توقفوا باحترام خاص أمام هذا الزعيم الروحي, وسمحوا له بمغادرة خوارزم مع مريديه قبل أن يباشروا فتكهم بالأهالي, بيد ان الشيخ كبرى قد فضل طريق الجهاد, وخرج على المغول بسيفه حتى سقط شهيدا مع كل مريديه, وربما, وأمام هذا الإجلال الخاص لهذا الصوفي الشهيد, لم تعرف الطريقة الكبراوية في الصين, ولا في غيرها من مناطق آسيا الوسطى أي انقسام .

لقد أشرتم في كتاباتكم إلى اختفاء نظام "السي داو تونج" من- الصين؛ المعنى الحرفي للكلمة الصينية هو "صالة طريق الغرب"، ومفهوم الطريق الذي عرفته اللغة الصينية من خلال الديانة الطاوية هو الطريق الصوفي نحو الاعتقاد، وربما تقصد هذه الجماعة من اختيارها لهذا المفهوم توظيفه للدلالة إلى الطريق نحو الكعبة التي تقع بالنسبة للصينيين في ناحية الغرب. ولكن ما يصل إلى أسماعنا حتى الآن, إن هناك عددا لا بأس به من (الخوي)، منخرطون في نظام طريق الغرب. ما رأيكم؟ وإذا كان ذلك حقيقيا، فهل تتبع هذه الجماعات نفس الحياة الجماعية التي قامت على أساسها هذه الطريقة في البداية؟

*أبو يوسف ما تونغ :

لقد ظهرت هذه الطريقة إلى الوجود في الصين مع بدايات هذا القرن في حقيقة الآمر، وهذا يعني أن تاريخها الزمني قصير نسبيا، بالمقارنة مع غيرها من (الجياوباي) التي عرفتها الصين، ولقد جمعت حولها حوالي خمسة عشر ألف مريد، يعيشون بالفعل حياة جماعية، تثمل أسرة كبيرة متجانسة،ومتكاملة فيما يفترض. وهم يمارسون في نفس الوقت الشرائع وأسباب العيش في نفس الإطار الديني، إلا انهم مع بدايات عام 1958 انخرطوا في الحياة الوطنية الشيوعية ـ بحسب الضرورات السياسية دون شك ـ وانحل بذلك عقدهم الديني، بمعنى أن تجمعهم (التنظيمي) المشار إليه لم يعد، بعد هذه الفترة، بنفس الخصوصية الدينية التي قام على أساسها في البداية. اليوم، هناك بالفعل ما يربو عن عشرين ألف من الخوي ممن عادوا إلى بعث هذا النظام، وهم يعيشون الساعة في نفس الإطار الصوفي الديني، داخل تجمع عائلي وتكافلي ضخم، يصعب الحديث عنه باختصار هنا .

وددنا ان نسألكم عن الحركة (السلفية) التي عرفتها الصين، هل -تعدونها من طرفكم من بين (الجياوباي) وهل هي منتشرة في الصين؟

*أبو يوسف ما تونغ :

أن تيار (السلفية) في الصين, هو تفرع حديث عن حركة (الأخوان) الوهابية, وهم من السنة الحنبلية, وقد ادخلها إلى الصين بعض من (الاخونج) (لفظ فارسي يستخدم في اللغة الصينية للدلالة على الأمام), الذين عادوا من أداء فريضة الحج وتأثروا بالدعوة الوهابية هناك, وقد كان ذلك مع بداية عام ,1949 ألا انهم لم يفلحوا كثيرا وظل عددهم لا يتجاوز بضعة آلاف. لا يمكن استخدام مصطلح (السلفية) كمدلول في إطار الإسلام الصيني إلا بحذر شديد, فهو يطلق فقط على طائفة من الأخوان أو الوهابيين, الذين اتخذوا المذهب الحنبلي في الفقه وعددهم - كما أشار البروفيسور ماتونج - لا يتجاوز بضعة آلاف .

هل يمكن أن نعرف طموحكم, كمسلم صيني, وكباحث متخصص في تاريخ -الإسلام في الصين, من خلال عملكم هذا؟

*أبو يوسف ما تونغ :

وددت ان أؤرخ للإسلام في الصين, حتى أقدمه لكل الأجيال, حالما أن يساهم ذلك في جمع كلمة مسلمي هذه الأرض, فان أملى الوحيد أن تختفي الخلافات بينهم, أن تنتهي الأحقاد, وان يعودوا إلى كلمة سواء تحت لواء هذا الدين الحنيف, فجميعنا مسلمون, وجميعنا صينيون, فلماذا الخلاف؟ !

حاورته في باريس: سعاد الوحيدي

آيار 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
للتعليق على الموضوع يجب أن يكون لكم حساب على موقع (فيس بوك) أونلاين
picDecor
خبرة العالمية
أسرع للاعلان
إعلانكم مع العالمية يحقق لكم الشهرة والنجاح