home
tri
tri
focus
المثقفون والنرجسية..مع الدكتور قاسم حسين صالح

*حوار:علي السومري
 
·ما النرجسية؟ وهل هي مرض دائم، أم اضطراباً مؤقتاً في الشخصية؟

= النرجسية نمط ثابت من التعاظم والعظمة المبالغ فيها (على مستوى السلوك والتخيل) يبدأ في الرشد وفيها تسعة اعراض اذا توافرت خمسة منها في الشخص عدّ مصابا باضطراب الشخصية النرجسية، هي :الاحساس المبالغ فيه باهمية الذات مثل المبالغة في موهبته الشعرية او الروائية في حالة المثقف،والانشغال بخيالات النجاح غير المحدود والجمال والحب المثالي،والاعتقاد بأنه تكوين خاص او فريد من نوعه لا يفهمه الا علية القوم،والانتهازية بمعنى استغلال الاخرين لتحقيق ما يريد،وعدم الاكتراث بمشاعر الاخرين وحاجاتهم ،غالبا ما يحسد الاخرين او يعتقد ان الاخرين يحسدونه ،والغطرسة والتعجرف..فضلا عن حاجته الى المزيد من الاعجاب التي تكون لديه مثل جهنم:يسألونها هل امتلأت تقول هل من مزيد!.والنرجسية بهذا التشخيص الطبي النفسي لأعراضها هي واحدة من عشرة أنواع من اضطرابات الشخصية ،تقع مابين الاضطرابات الذهانية والاضطراب العصابي، تنشأعن اضطراب العلاقة بالذات في مراحل النمو المبكرة، وغالبا ما يكون لدى الشخص استعداد وراثي للأصابة بها.

·ما الحدّ الذي يجعل من (حبّ الذات) لدى المثقف عموماً والشاعر خصوصاً،  أمراً مَرَضياً؟ وهل يمكن معرفة الذات دون حبها؟

= علينا ان نميز بين النرجسية وحب الذات لأنهما حالتان مختلفتان وليستا واحدة كما يعتقد كثيرون .ان حب الذات حالة صحية فيما النرجسية حالة مرضية كما اوضحنا .فان يحب الفرد ذاته فهذا يعني انه على وفاق معها ،وانهما يسعيان الى ان يكونا بحال افضل اعتباريا ومعرفيا،شرط( وهذا هو الحد) أن يكون هذا الحب قائما على تقدير موضوعي لما يمتلكه من قدرات ومواهب ،وان لا يدفعه الى التعالي على الآخرين او الحط من قيمتهم .ولهذا يحق للشاعر او المثقف ان يعتز بنفسه(ذاته) وبمنجزه الشعري أو الأدبي.

 لكننا ننبّه الى حالة  سيكولوجية لدى المثقف بشكل عام والشاعر بشكل خاص لا تقدرها ثقافتنا العامة هي أننا جميعا لدينا الحاجة الى اعجاب الآخرين حين ننجز شيئا ذا قيمة  تماما  كحاجتنا الى الماء حين نعطش.لكن ثقافتنا أشاعت أن الفضيلة في التواضع وانكار الذات ..وهذا هو أحد أسباب شعور المثقف بالأغتراب الاجتماعي ..وكم من المثقفين المبدعين هجروا مجتمعاتهم لأنهم ما شعروا بتقديرها لمنجزاتهم ،وما رووا فيهم حاجتهم الى الاعجاب ،أو احتوتهم السلطة لتوظف ابداعهم الشعري في مدحها وتعظيمها.بل ان ثقافتنا تحفز خلايا الدماغ المتخصصة باكتشاف ما هو سلبي ،لا بغرض التقويم بل لأشباع شهية رديئة فينا هي قضم السمعة الناجمة عن الحسد الذي يشيع بين المثقفين بشكل خاص.

·ألا يتطلب التعرف إلى الذات الاستغراق فيها والهيام بها، فإذا كان الناس أعداء ما جهلوا أليس حرياً بهم أن يكونوا أحباء ما علموا، ولا أحد يعلم عن الإنسان قدر نفسه.

= ان (الذات) مفهوم فرضي تعني الصورة التي يحملها الانسان عن نفسه ومشاعره وقيمه..ولها احتمالان:اما أن تكون هذه الصورة سلبية،فينجم عنها ان الفرد لا يتقبل ذاته ولا يتقبل الآخرين ،وقد يصل في حالات الى كره الذات واحتقارها كما يحصل في الاكتئاب الحاد،أو ان تكون ايجابية فيكون على وفاق مع نفسه والآخرين.وعلينا ان ندرك وجود اكثر من ذات واحدة في داخلنا أبرزها نوعان:ذات حقيقية،تمثل صوت الأنا، وأخرى مزيفة نمارسها في علاقاتنا الاجتماعية نبدو لهم فيها كما يحبون..وكلتاهما في صراع دائم ،أشده يكون عند المثقفين لاسيما الشعراء المبدعين..ومنهم من ينتهي به الأمر اما الى الانتحار او الى مستشفى المجانين.وهنلك تفسير لطيف للمصاب بالشيزوفرينيا هو انه يصر على التمسك بذاته الحقيقية فيقول للذي يكرهه:أكرهك حتى لو كان يأخذ رأسه.ولأنه يدخل في مأزق بين أن يغير الناس ويحملهم على ان يمارسوا ذواتهم الحقيقية ليكونوا مثله،وهذا مستحيل ،او أن يتنازل عن ذاته الحقيقية ويمارس الذات المزيفة ويكون مثلهم،وهذا ما يرفضه..فأنه يبتكر لنفسه استراتيجية الأنفصال عن واقع يراه مزيفا ليبقى محتفظا بذاته الحقيقية..وهذا ما حصل لعدد من الشعراء المبدعين الذين أودعوا في المصحات العقلية ..والشاعر نجيب سرور واحدا منهم.

·هل يمكن لك أن تتخيل شاعراً دون نرجسية؟ وهل ثمة خصوصية في الشخصية العراقية بهذا الشأن؟

= لا يمكن ذلك ..بل أنني لا اتصور شاعرا مبدعا بدون شطحات شيزوفرينية!!.لكن ثمة فرق بين نرجسية جميلة لطيفة منتجة تنطبق على صاحبها كما هي عند نزار قباني ونرجسية اخرى لدى شاعر يجعل من نفسه مركز الكون ..وهذا مرتبط بموضوع المنجز الشعري ،فالذي غفر لنزار نرجسيته هو الحب والغزل والتودد ،فيما لم نغفر لآخرين نرجسيتهم لأن موضوع شعرهم تركز في البطولة والاستعلاء والقدرات الاستثنائية.فأنت لا تتعامل مع المتنبي في قوله:

    (وكل ما قد خلق الله ولم يخلق...محتقر في همتي كشعرة في مفرقي)

كتعاملك مع نزار في قوله:

(لن تستطيعي بعد اليوم أن تحتجي بأني ملك غير ديمقراطي

فانا في شؤون الحب اصنع دساتيري وأحكم وحدي...و:

  كان عندي قبلك ... قبيلة من النساء
انتقي منها ما اريد
واعتق ما اريد )

 برغم نرجسيته ومنطقه كما لو كان خليفة عباسي.

·   أيمكننا القول بأن (النرجسي) مصاب بالضرورة بمرض (البارانويا)، الشعور بالاضطهاد والعظمة والتوهم بمحاولة الآخرين النيل من قيمته الإبداعية؟

 = الشخصية الزورية(البارنويا) مختلفة ،كاضطراب،عن الشخصية النرجسية ،مع ان الشك بالآخرين موجود عند كلتيهما ،غير ان الشك في حالة البارنويا يكون في كل المواقف وازاء جميع الناس تقريبا ولأسباب سخيفة.كما أن الاضطهاد لديها يكون وهما وليس حقيقة ،كاعتقاد الشخص بوجود من يتآمر او يتجسس عليه ،سواء كان فردا أو جماعات اتحدوا في مؤامرة ضده ،وقد  يدفعه هذا الوهم الى ارتكاب جريمة بقتل من يعتقد انه يتآمر عليه مدفوعا بشعار لأتغدى به قبل أن يتعشى بي.اما أوهام النرجسي فتكون بخصوص نفسه كاعتقاده بأنه (فلتة)زمانه في قدرة متواضعة يمتلكها،ولا تدفعه الى ايذاء الآخرين.اما شعوره بالاضطهاد فهذا يكون في حالة المبدعين ،خاصة المثقفين منهم في المجتمعات المتخلفة وفي الأنظمة الشمولية المستعمرة لمواهب مبدعيها.فحين لا تكرّمه الدولة وحين يقدّر المجتمع صاحب السلطة والمال ولا يقدر صاحب الموهبة الشعرية أو الأدبية،فانه يكون أمام ثلاثة بدائل:اما الهجرة ،او بيع موهبته للسلطة(ولك ان تتذكر شعراء باعوها بثمن مادي مجز وآخرين باعوها بثمن بخس ويشعرون بالخزي الآن حين يختلون بأنفسهم)،او الانطواء على الذات الذي قد يقود الى انتحار بطيء بوسيلة يختارها لاشعوريا بالأدمان على شرب الكحول مثلا كما حصل للشاعر عبد الأمير الحصيري.

·وهل ترى هذا ينطبق على المثقفين العراقيين المبدعين؟

= بحكم صداقتي مع عدد مميز من المثقفين العراقيين وجدت أن بينهم من هو مصاب بـ (تضخم الأنا).    و " تضخّم الأنا " غير " قوة ألانا " ، فالثانية حالة صحية نابعة من الثقة بالنفس والتقدير الموضوعي ـ الواقعي لقدرات وقابليات صاحبها ، ومعبّرة عن الاعتزاز الإيجابي بالنفس واحترام الذات .
    أما " تضخّم الأنا " فهو حالة عصابية " مرضيه " لها أسباب متعددة ،أشدها تأثيرا تراكم الشعور بالاضطهاد والاغتراب . ولكن العوامل المؤثرة والخفية في شخصية " الأنا المتضخم " إنها تجمع صفات في " توليفة " من ثلاث شخصيات مختلفة هي : النرجسية والتسلطية والاحتوائية . فهي تأخذ من الشخصية النرجسية حاجتها القسرية إلى الإعجاب .. أي إنها تريد من الآخرين أن يعجبوا بها بالصورة التي هي تريدها ، وأن لا يتوقفوا عن المديح والإطراء . وتأخذ أيضا منها شعار النرجسي : " أنا مميز " ، وخاصيتها الأساسية المتمثلة في الإحساس بتفخيم أهمية الذات ، والتظاهر بامتلاك قدرات فريدة ، وان على الآخرين أن يتعاملوا معه على أساس أنه مميز ، وأن تقديمه على أنفسهم هو استحقاق لا يستوجب حتى الشكر منه !.
    وتأخذ شخصية " الأنا المتضخّم " من الشخصية التسلطية ، انفعالاتها الغاضبة واندفاعيتها ، وتصنيفها الناس  بثنائيات ، وفي مقدمتها ثنائية الأصدقاء مقابل الأعداء ،أي من كان معي فهو صديقي وما عداه فهو عدّوي ، وتصرفها بالتعالي والعجرفة نحو من هم أقل منه منزلة ( والمفارقة أنها تتصرف بتواضع شديد وانصياع وتملّق لأصحاب القوة والمال ! ). وتأخذ من الشخصية الاحتوائية السعي إلى السيطرة على الآخرين واحتواء وجودهم المعنوي وأفكارهم ، سواء بالإبهار أو بأساليب درامية أو التوائية .
 ولهذا (الأنا المتضخم)يعزى فشل قيام محاولات كانت جادة لتشكيل مجالس ثقافية عراقية تضم شمل العراقيين ..ويبدو ان هتلر كان على صواب حين قال:استطيع قيادة كل جيوش العالم ويصعب علي قيادة فصيل من المثقفين!.وأظن ان هذا ينطبق أكثر على المثقفين العراقيين ،لأن العراق ليس فقط موطن الشعر ،بل أنه أول من نظم ملحمة شعرية وأدبية في التاريخ ،كان بطلها أول من تحدى الآلهة وطالب بالخلود لنفسه ..وفي هذا أرث نرجسي يتفرد به العراقيون!.

·ألا ترى بان لفظة (النرجسي) بدأت تطلق جزافاً على كل من يهتم لأمره، حتى ولو كان هذا الاهتمام طبيعياً، وهنا أسئلك، كيف يمكننا معرفة، إن اهتمامنا البريء بذواتنا، بات على مشارف السقوط في فخ النرجسية؟
= هذا صحيح ،وهي حالة تؤلم كثيرا من المثقفين العراقيين المبدعين الذين ينعتهم آخرون بالنرجسية فيما هم محبون لذواتهم ومعتزون بمنجزاتهم الابداعية،وحب الذات بشكل ايجابي وتقدير موضوعي ،حالة صحية نفسيا،واستحقاق شخصي واجتماعي ..لكن ثقافتنا للأسف لا تفرّق بين حب الذات هذا والنرجسية ،وأن سيكولوجيتنا تميل الى ان نحسد من هو أفضل منّا .وأرى ان على وسائل الاعلام المعنية بالثقافة ،ومناهجنا الدراسية ايضا، أن تغذي وتشجع تنمية الذات الايجابي وحب الانسان لنفسه بوصفها أحد أهم عوامل الدافعية نحو تحقيق الانسان لذاته بمنجز ثقافي او علمي او فني..وأن نغادر مقولة (أعوذ بالله من قولة أنا )!.

 

·يقول بعض المشتغلين بمجال علم النفس، بأن النرجسية جزءا أساسياً من تكوين الشخصية منذ الولادة، وان قدراً معيناً منها مهم لبناء شخصية متزنة، ماذا تقول أنت؟ أهي مرض يجب التطهر منه؟ أم هبة لا بد من استثمارها؟

= أول من أشار الى ذلك هو فرويد الذي فسّر انشغال الطفل بجسمه بأنه نرجسية،كانشغال (نرسيس)بتأمل وجهه الجميل على سطح الماء الصافي.نعم ان قدرا معتدلا منها مهم –كما ذكرت- لبناء شخصية متزنة .ولهذا فان الطب النفسي يحدد وجود خمسة مظاهر او صفات من مجموع تسعة لوصف الشخص بأنه مصاب باضطراب الشخصية النرجسية. وعليه فأنه اذا كانت موجودة ثلاث أو أربع صفات منها في شخصيتك او شخصية أحمد عبد الحسين مثلا،فلا يعني ذلك انكما نرجسيان..أما اذا تعدت الخمسة أعراض صارت مرضا أبعدكما الله عنه.

المرآة، ولكثرة تأمل النرجسي بها ذاته، كانت أول الداء، هل ترى بأنها يمكن ان تكون آخر دواء، بمعنى ان تعينه على رؤية ما وصلت إليه ذاته من خراب؟ وان كان جوابك بالإيجاب، كيف يمكن ذلك؟

 = هنالك مرآتان ..نفسية تعني الصورة التي يحملها الانسان عن نفسه، وزجاجية يتأمل فيها وجهه.الأولى ينشغل فيها بتقويم ذاته ومنجزاته وما فيه من ايجابيات يعمل على تضخيمها وسلبيات ينكرها او يبررهها ،فيما الثانية ينشغل بتأمل جمال وجهه وتناسق جسمه..وهذه تكون مؤلمة بتقدم الزمن وقد تؤدي الى الانتحار او الاكتئاب..ولك أن تتذكر المطربة داليدا ،أو نادية لطفي بين الآن  وفلمها مع عبد الحليم حافظ..ولا أظن أن المرآة ، بالمعنى الذي ذكرته، تعينه بل تدمره.. فأكثر ما يرعب النرجسي هو الزمن.

·وما علّة المثقف النرجسي برأيك ،أعني هل  لهذا تفسير او تحليل نفسي؟ 
= الاحساس بالتفخيم عند المثقفين النرجسيين غالبا ما يكون مصحوبا بمشاعر النقص ،وحب الذات عندهم غالبا ما يكون مصحوبا بهشاشة تقديرهم لذواتهم،مما يجعل صاحبها "يدقق"باستمرار بالكيفية التي يبدو الآخرون عليها في تعاملهم معه.ويرد بغضب على النقد الذي يوجه اليه ..ويشهد نادي اتحاد الأدباء في ساحة الأندلس كم من الضرب بـ(البطاله!) حدث بين مثقفين كبار بينهم من رحل الى دار حقه.ولهذا ترى ان معظم علاقات المثقفين النرجسيين بالآخرين تكون مضطربة ،بخاصة في الصداقة والحب.فأغلبهم يتصف بنقص في التعاطف الوجداني ..وهم استغلاليون ومطلبيون يريدون من الآخرين الحب والاخلاص والمشاركة الانفعالية دون ان يكونوا معطائين او مشاركين في تعاطفهم .ولهذا تجد معظمهم فاشلين في الحب ،لأن المثقف (المثقفة) النرجسي من هذا النوع يريد من شريكه ان يساقيه الحب ويغدق عليه بالعواطف الرومانسية بشكل دائم،وهذا غير ممكن.والمشكلة أنه اذا شعر بقلّة مقادير هذه العواطف ،فسّر ذلك بأن الحب قد (نشف)عند من كان حبيبه،فيتركه ليبحث عن آخرى(آخر) ..ويظل يتنقل في الحب والعواطف كالعصفور دون ان يرتوي.ولهذا فأنا أنصح المثقف (المثقفة) النرجسي أن لا يتزوج من نرجسية ..لأنها الكارثة بعينها!.  

 

آيار 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
للتعليق على الموضوع يجب أن يكون لكم حساب على موقع (فيس بوك) أونلاين
picDecor
خبرة العالمية
أسرع للاعلان
إعلانكم مع العالمية يحقق لكم الشهرة والنجاح