home
tri
tri
focus
إيران وسورية في مرمى الإصابة الأمريكي مرة أخرى

إيران وسورية في مرمى الإصابة الأمريكي مرة أخرى

jawadbashara@yahoo.fr

د. جواد بشارة

قبل حوالي سبعة أعوام نشرت مقالاً في جريدة الاتحاد الإماراتية وفي عدد من المواقع الالكترونية مقالاً تحت عنوان :" إيران وسورية في مرمى الإصابة الأمريكية" أشرت فيه آنذاك إلى أن الرأي العام العربي والعالمي شهد في ذلك الوقت ، وبالأخص غداة غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق، حملة إعلامية شرسة ضد بلدين مجاورين للعراق والخليج هما إيران وسورية، من جانب الغرب عموماً والولايات المتحدة الأمريكية على نحو خاص. ، ومايزال هذا الوضع قائماً اليوم ونحن في الشهر الثالث من عام 2012 حيث انضمت إسرائيل إلى مجموعة القوى المهددة لهذين البلدين. وقد سبق أن استخدم هذا التكتيك في مناسبات كثيرة سابقة للتمهيد لعمليات عسكرية استباقية ووقائية وفق المفهوم الاستراتيجي الأمريكي الجديد الذي برز بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 وصار الناس يعيدون طرح السؤال السابق في كل مكان هل فعلاً جاء دور سورية أو إيران أو كليهما معاً بعد العراق؟
لقد بدأت بالفعل قبل أكثر من عقد من الزمن عملية تحضير وتهيئة أيديولوجية سياسية وإعلامية منظمة ومحكمة. فدعاة أسلوب القوة والحسم العسكري لإطاحة صدام حسين منذ عام 1991 ، كرّسوا جهودهم لسنوات طويلة للضغط والمناورة والإقناع عبر مراكز وتكتلات الضغط والتأثير المعروفة بإسم اللوبيات، وتحركت ماكنة شبكات المحافظين والمحافظين الجدد في الصحف والمجلات والقنوات التلفزيونية والكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب وداخل الإدارة الأمريكية نفسها ، وكذلك من خلال مؤسسات الـ
think tanks
أي مراكز الأبحاث والتحليل الاستراتيجية ، وهي عبارة عن مراكز للتفكير والتحليل وتقديم الخطط والمشاريع والمشورة، باعتبارها مراكز بحث ومراكز ضغط، إلى جانب مختلف اللجان التي تقدمت بالعديد من المبادرات والمشاريع العملية، التي تمكنت من كسب الرئيس جورج بوش الإبن إلى جانبها وتحقيق مخططاتها سنة 2003 التي تتوجت بغزو العراق.
واليوم يعاد نفس السيناريو بحذافيره في ما يتعلق بنفس الشبكات واللوبيات المتأهبة ولكن هذه المرة يتعلق الأمر بدمشق وطهران.
فداخل مختلف تشكيلات المعارضة السورية ولجان الدفاع عن حقوق الإنسان يوجد استعداد للتعاون مع الولايات المتحدة والغرب بغية إسقاط النظام السوري بكل الوسائل والسبل بما فيها التدخل العسكري الدولي أو عن طريق تسليح المعارضة وبشكل خاص ذراعها المسلح الذي يسمى الجيش السوري متجاوزين مطالبهم المحدودة السابقة التي رفعوها قبل عام والتي كانت تدعو لإجراء إصلاحات جوهرية في الهيكيلية السياسية في سورية وترسيخ التعددية الحزبية وإجراء انتخابات حرة وديموقراطية نزيهة وإنهاء هيمنة الحزب الواحد واحتكاره للسلطة بموجب الفقرة الثامنة من الدستور والتي دعت المعارضة السلمية إلى إلغائها وإلا سيواجه النظام السوري نفس المصير الذي لقيه النظامين العراقي والليبي، ونفس الشيء يحصل بشأن إيران من خلال الضغط السياسي والدبلوماسي وفرض العقوبات والتهديد باستخدام القوة إذا واصلت إيران برنامجها النووي.
نجد اليوم نفس التكتيكات والذرائع مثل : إن الحرب على الإرهاب طويلة ولايشكل غزو العراق سوى مرحلة أولى فيها . المراحل التالية ستتمثل بإطاحة أنظمة شمولية وديكتاتورية كالنظامين السوري والإيراني وفق تشخيص أصحاب القرار الأمريكي ،
وهم يحاولون إقناع الرئيس باراك أوباما قبل ولايته الثانية بأن طموحه بالقضاء على الإرهاب العالمي وتحويل الشرق الأوسط إلى منطقة تسودها الحرية والديموقراطية، لايمكن أن يتحقق من دون اختفاء " المللاقراطية في طهران الثيوقراطية و العائلة الحاكمة المستبدة في دمشق".
إن التحليل السياسي للوضعين الإيراني والسوري الذي وضعته هذه الأوساط لايختلف عمّا اقترحوه قبل ذاك بشأن عراق صدام حسين : فإيران، التي وضعتها كونداليزا رايس في " طليعة قوى الطغيان" هي واحدة من الدول الراعية للإرهاب كما هو حال سورية . وعلى كليهما يتربع نظام ديكتاتوري غاشم كما قالت وزيرة الخارجية الأمريكية وهو نفس الموقف الذي تتبناه وزيرة الخارجية الأمريكية الحالية هيلاري كلينتون.والنظامين ينتهكان حقوق الإنسان بينما يتطلع شعبيهما نحو الديموقراطية والعلاقات الودية والمسالمة مع الولايات المتحدة الأمريكية".كما تعتقد المسؤولة الأمريكية التي أضافت أن نظام الملالي يريد أن يفرض هيمنة إقليمية إيديولوجية وعسكرية في آن واحد تستند إلى سياسة امتلاك السلاح النووي وفرضه كأمر واقع .، كما يشيعون عبر وسائل الإعلام الموالية لهم كقناة سي أن أن وخاصة تلك التابعة لبعض دول الخليج المعادية لإيران كقناتي العربية والجزيرة التابعتين للملكة العربية السعودية وقطر.
لقد استطاعت واشنطن اقناع حلفائها الأوروبيين ومجلس الأمن والأمم المتحدة بهذه الفرضية وبات الجميع متفقاً على أنه لايمكن السماح لإيران أن تمتلك سلاحاً نووياً والسكوت عنها ولايمكن ترك دمشق بعد اليوم أن تقمع الشعب وتحرمه من التعبير عن تطلعاته المشروعة .ويشاطر الأوربيون نفس هذا التصور والتشخيص الأمريكي تقريباً ولو أنهم يسوغوه تحت ذريعة الخوف من إنتشار السلاح النووي ووقوعه بيد الإرهابيين الدوليين. والسؤال الذي بات مطروحا هو كيف يمكن منع طهران من امتلاك السلاح النووي بأسرع وقت ممكن قبل فوات الأوان وكيف يمكن إطاحة النظام السوري بأقل الخسائر الممكنة دون الغرق في حرب أهلية في هذا البلد التي ستكون لها انعكاسات كارثية على المنطقة برمتها؟
الأوروبيون ، وعلى رأسهم فرنسا وألمانيا وبريطانيا، يرغبون في سلوك الطريق الديبلوماسي مع إيران لاقناع السلطات الإيرانية بتقديم ضمانات كافية بشأن تخليهم عن برامجهم العسكرية والاكتفاء بالاستخدام السلمي للطاقة النووية تحت إشراف ومراقبة المجموعة الدولية ولجنة الطاقة الذرية. وفي حين أنهم يختارون أسلوب القسر والاستفزاز لإرغام دمشق على قبول المبادرة العربية لتسليم السلطة سلمياً وتدريجياً وإلا ستعرض نفسها لعقوبات شديدة بما في ذلك إمكانية التدخل العسكري وتسليح المعارضة ، والحال أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى هذه الجهود الأوروبية الحثيثة بلا مبالاة وبتشكيك في فعاليتها لأن هذين النظامين لايفهمان في رأيها سوى لغة القوة والقسر وهو أيضاً الموقف الإسرائيلي ولم تقترح واشنطن أو تل أبيب حلاً بديلاً لذلك.
إلا أن التدخل العسكري سواء في إيران أو سورية هو مغامرة غير محمودة العواقب فالحل العسكري المباشر ينطوي على مخاطر إذ ينبغي إما توجيه ضربات عسكرية موجعة وعمليات قصف مركّزة وناجعة أو القيام بغزو عسكري واسع واجتياح تام للبلدين الواحد تلو الآخر أو كليهما معاً في نفس الوقت لكن ذلك يتجاوز القدرات العسكرية الأمريكية الحالية طالما مازالت متورطة في العراق وأفغانستان ولم تخرج من مأزقها فيهما بعد.
وللخروج من هذا الردب اقترحت " لجنة الخطر المحدق
CDP
" استراتيجية شاملة ترى كهدف أولي ووسيلة لخطوات لاحقة ضرورة إطاحة نظام الملالي في طهران من الداخل من خلال إثارة الاضطرابات وتحريض السكان والمعارضين للخروج في تظاهرات مليونية على غرار انتفاضات الربيع العربي. وقد نشرت تلك اللجنة تقريرها السري في ديسمبر 2004 وكان قد صاغه مارك بالمر الذي كان يساعد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان في كتابة خطبه والذي نشر سنة 2005 كتاباً خطيراً تحت عنوان :" كيف يمكن تحطيم محور الشر الحقيقي وكيف يمكن التخلص من آخر الديكتاتوريين في العالم وينصح العديد من المحللين الاستراتيجيين تطبيق توصيات وردت في التقرير وركزت على أن الحل الدائم والمضمون يمر عبر تغيير النظامين في طهران ودمشق إذ أن وجود :" حكومات ديموقراطية جديدة في طهران ودمشق سيكون بمثابة مساهمة جوهرية في عملية تغيير المنطقة نحو الديموقراطية وتحويلها إلى منطقة سلام ووئام وازدهار وحرية . وبالنظر لثقلهما وأهميتهما وخطورتهما يجب وضع إيران وسورية على رأس أولويات السياسة الخارجية الأمريكية لذلك فإن نفس السيناريو يطبق بحذافيره على المسألة السورية مما يعني أن التوصيات ما تزال صالحة للتطبيق في إيران وسورية حتى بعد مرور إثني عشر عاماً على نشرها ".
الملف النووي الإيراني وتفاقم الأحداث في سورية بسبب التدخلات العربية والإقليمية والدولية في الشأن السوري ودفع المعارضين للتشدد ورفض الحوار السياسي للخروج من الأزمة، يحدثان صدى كبير في كواليس الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة باراك أوباما، و يدور نقاش حاد في أوساط أصحاب القرار في العاصمة الأمريكية بشأن إمكانية تسليح المعارضين السوريين وتزويد الإسرائيليين بالقنابل الخارقة للخنادق الكونكريتية المحصنة وبطائرات مزودة للوقود في الجو بغية إتاحة الفرصة للإسرائيليين بقصف المنشآت النووية الإيرانية .
فمطلب دعم المعارضة السورية وتسليحها لإحداث توازن عسكري مع قوات النظام السورية المدعومة من قبل روسيا وإيران يحمل لوائه السيناتور والمرشح الرئاسي السابق الجمهوري جون ماكين والسيناتور ليندسي غراهام. أما فكرة تدعيم مصداقية التلويح الإسرائيلي باستخدام القوة ضد طهران وتهديدها بقصف وتدمير المنشآت النووية الإيرانية فيقودها عدد من المرشحين لسباق الرئاسة الأمريكية من الجمهوريين ومن قبل عدد من مراكز التفكير والمشورة والتحليل الاستراتيجي
think tanks
المقتنعين بأن تصريحات إدارة أوباما بأن كل الخيارات واردة لا تتمتع بالمصداقية الكافية.فالبيت الأبيض لم يحسم موقفه بخصوص تسليح المعارضين السوريين خوفاً من وقوع الأسلحة بأيدي جماعات جهادية متطرفة ومعادية ذات ممارسات إرهابية على غرار القاعدة التي يعتقد البيت الأبيض أنها اخترقت صفوف الجماعات السورية المسلحة المعارضة للنظام القائم.كما لم يحسم موقفه من قضية تسليم تكنولوجيا عسكرية متطورة جداً لإسرائيل لأن هذه الأخيرة لن تتردد كثيراً في استخدامها ضد إيران دون أن تأخذ في الاعتبار الحسابات الاستراتيجية الأمريكية لذلك حذر الرئيس الأمريكي من مغبة التسرع في توجيه ضربات عسكرية إسرائيلية لإيران لأن تداعياتها غير محسوبة الآن ومع ذلك لوح أوباما بالخيار العسكري في حالة فشل الحل الدبلوماسي إرضاءاً لإسرائيل.
المشلكة التي تعيق المضي في التنفيذ وتسريعه يكمن في ضعف المعارضة الموجودة في كل من طهران ودمشق سواءً داخلياً أم خارجياً وهي أضعف من المعارضة العراقية السابقة في المنفى التي ساهمت في خدع اصدقائها في البنتاغون ودفعهم لارتكاب أخطاء فادحة كان يمكن تجنبها .
اقترح تقرير هذه اللجنة على الإدارة الأمريكية الحالية إعادة فتح السفارة الأمريكية في طهران المغلقة منذ أزمة الرهائن قبل خمسة وعشرون عاماً أو إنشاء سفارة افتراضية الكترونية عبر شبكة الانترنيت، لكي يتاح للأمريكيين إجراء اتصالات ميدانية مباشرة مع الإيرانيين الراغبين في التغيير والتسويق لفكرة التعاون على كل الصعد مع إيران ديموقراطية ومواصلة الضغوط عن قرب على الزعماء الحاليين وترك المجال مفتوحا لخروج مشرف لآية الله علي خامنئي المرشد الروحي للثورة وكذلك إتاحة الفرصة للرئيس بشار الأسد للتخلي عن السلطة طوعاً عقب انتهاء ولايته والمطالبة بإجراء انتخابات ديموقراطية حقيقية .
فالتدخل الإنساني في سورية الذي يطالب به كثيرون وعلى رأسهم دول مجلس التعاون الخليجي وعدد من الدول الأوروبية سوف يفسر من قبل الروس والصينيين والإيرانيين ومعهم دول أخرى كالهند و كوبا وفنزويلا وجنوب أفريقيا ولبنان والعراق بأنه بداية للتدخل في الشؤون الداخلية بغية إطاحة النظام في دمشق على غرار ما حدث في ليبيا. وهناك تردد في تأييد المخاوف الإسرائيلية لأن هناك اختلاف بين واشنطن القدس بشأن المقاربة الأكثر نجاعة الواجب إتباعها للحد من الطموحات النووية الإيرانية والتي تتراوح بين القصف الجوي وفرض العقوبات المشددة وقيادة عمليات تخريبية سرية داخل العمق الإيراني.
على ضوء الظروف التي نتجت جراء الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان والتدخل العسكري المباشر في ليبيا من خلال المظلة الأطلسية تحددت رؤية البيت الأبيض وعكست حالة التحفظ التي ميزت مواقف الرئيس أوباما حيال خيار اللجوء إلى القوة أو الموافقة على استخدام آخرين للقوة لحسم الملفين الإيراني والسوري ومعهما ملف حزب الله المرتبط بهما عضوياً ومصيرياً. يحاول البعض إقناع سيد البيت الأبيض الحالي بأن أفضل وسيلة لقص أجنحة طهران هو أن تخسر هذه الأخيرة حليفها الوحيد في العالم العربي أي سورية بقيادة الرئيس بشار الأسد. إذ لو حيدت سورية وتم تغيير نظامها فسوف تخسر إيران إمكانية تسليح حزب الله وحماس العدوين اللدودين لإسرائيل وسيخبو تأثيرها الإقليمي ولو تعرضت منشآتها النووية لضربات موجعة ومدمرة فإنها ستفقد القدرة على منافسة إسرائيل والعربية السعودية في القيادة الإقليمية للمنطقة والمعروف أن السعودية تعتبر إيران عدوها الأول وليس إسرائيل وهددت بأنها سوف تسعى للحصول على السلاح النووي إذا تمكنت إيران من امتلاك سلاحها النووي والمعروف أن السعودية هي التي مولت المشروع النووي الباكستاني وبالتالي فإن الباكستان مدينة للرياض في هذا المجال ومستعدة لمساعدتها من أجل اقتناء السلاح النووي.
طرح البعض من المستشارين و الخبراء الدوليين على الأمريكيين والأوروبيين فكرة إنشاء مناطق آمنة ومحمية على الحدود التركية السورية يتم من خلالها إدخال المساعدات الإنسانية والأسلحة والمقاتلين إلى الداخل السورية متسللين إلا أن المعهد الأمريكي للسلام
United States Institute of Peace وعلى لسان الخبير في الشؤون السورية فيه ستيفن هايدمان حذر من إمكانية وقوع هذه الأسلحة الخطرة والفتاكة بيد مجموعات مقاتلة سرية منفلتة تابعة للقاعدة وأمثالها من الجماعات الإرهابية والتي سوف تشكل تهديداً لاحقاً ضد إسرائيل أو يمكن أن تستخدم في عمليات تصفيات جسدية وإنتقامية عرقية ودينية ومذهبية وتصفية حسابات بين المعارضين للحصول على المناصب القيادية العليا في السلطة البديلة على غرار ما يحدث في ليبيا اليوم. وتعتقد الإدارة الأمريكية الحالية على عكس ما كان يؤمن به نائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني أن شن ضربات جوية إسرائيلية على إيران يمكن أن تشكل ذريعة لاندلاع حرب إقليمية شعواء في الشرق الأوسط لا يمكن التفكير بتداعياتها الوخيمة. من هنا يسود اعتق
اد أن الحكومة الأمريكية تفضل تشديد العقوبات وعزل طهران وممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية إلى جانب القيام بعمليات سرية على يد قوات خاصة محدودة من أجل تأليب وتحريض وتحشيد الرأي العام الإيراني الداخلي ضد النظام وكذلك تأليب الرأي العام العربي والعالمي ووسائل الإعلام من أجل إرغام طهران على الانصياع والإذعان للمطالب الغربية في ثنيها عن مواصلة الجهد النووي العسكري على الأقل في فترة الانتخابات الرئاسية التي تجرى حالياً في أمريكا وفرنسا. ويمكن لهذا الجهد ذاته أن ينجح في الحالة السورية لأن أوباما يخشى من مغبة التسبب في إندلاع حرب أهلية في سورية يمكن أن تؤثر على المصالح الحيوية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وبالتالي تؤثر سلباً على حملته الانتخابية. فأي تغيير عبر العنف في سورية من شأنه أن يخلخل المفهوم الجيوستراتيجي في المنطقة سلباً كما يعتقد الخبير الفرنسي أوليفييه روا. فلو سقط النظام عبر حرب أهلية أو تدخل أجنبي فسوف تتغير ملامح المسرح السياسي والاستراتيجي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط لأن كل القوى الدولية والإقليمية سوف تخوض حروبها بالوكالة في هذه المنطقة وخاصة الروس والأمريكيين والصينيين والأتراك والإيرانيين وعرب الخليج والإسرائيليين وبقية الأنظمة العربية وسيدمر لبنان وتعم الفوضى في العراق وقد تنشب حروب طائفية سنية ـ شيعية وسنية ـ علوية وإسلامية ـ مسيحية وعربية ـ كردية الخ.. وتتفاقم المواجهة بين الأقليات الشيعية في البحرين والكويت والسعودية من جهة والأنظمة السنية أو الوهابية الحاكمة، وقد يحدث ذلك بتحريض إيراني وعراقي ولبناني وسوري علني وأن إسرائيل تخشى من وقوع الترسانة العسكرية السورية و ضمنها الأسلحة الكيميائية والجرثومية في أيدي قوى إسلاموية أشد عداءاً لها من النظام البعثي القائم. وقد صرحت أستاذة العلوم السياسية في جامعة برينستون ومحللة سابقة في وزارة الخارجية الأمريكية البروفيسورة آن ماري سلوتر:" أن سورية تحتل موقعاً استراتيجياً متميزاً في الشرق الأوسط وإن السماح باندلاع حرب أهلية سيكون خطراً جداً على توازن القوى في المنطقة . ومن المعروف أن سورية هي آخر حليف استراتيجي لروسيا في المنطقة وبالتالي فإن موسكو لن تسمح بسهولة بسلبها نقطة ارتكازها العسكرية والاستراتيجية في الشرق الوسط لصالح أمريكا وأوربا وحلفائهم في المنطقة أي تركيا ودول الخليج و على مايبدو فأن الإدارة الأمريكية واعية لهذه المعطيات التي عبرت عنها تصريحات أوباما وهيلاري كلينتون الأخيرة خاصة عندما صرحت كلينتون قائلة لاتوجد أوجه تشابه بين ليبيا وسورية على الإطلاق، ولا يمكننا تكرار السيناريو الليبي في سورية. وكما صرح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أنه لايمكن التدخل في سوريا بدون قرار من مجلس الأمن الأمر الذي يبدو صعباً جداً إن لم نقل مستحيلاً في ظل الموقف الروسي والصيني الثابتين بهذا الصدد وقد اتضح ذلك جلياً باستخدامهما بلا تردد حق النقض الفيتو مؤخراً. وقد لمس الأوروبيون والأمريكيون تشتت المعارضة السورية واختلافاتها وعدم اتفاقها بشأن أسلوب الصراع وخاصة حول مسألة التدخل الدولي في الشأن السوري وتصارعها على المناصب وتسقيط بعضها للبعض الآخر وعدم قدرتها على إخضاع الجيش السوري الحر لقيادتها وتوجيهاتها خاصة وأن هذا الأخير يدعي بأكثر مما لديه على أرض الواقع وهو غير متجانس ولايسيطر على أراضي ومدن سورية يتحكم بها بشكل دائم ومستمر يمكن أن تمثل نقطة انطلاق لتحرير بقية المناطق والمدن السورية الخاضعة لسيطرة الجيش النظامي. فهناك عدة تشكيلات عسكرية معارضة وتحت عناوين مختلفة لاتتفق فيما بينها ونفس الشيء يحدث للتشكيلات السياسية المعارضة. فمن الذي سيمثل المعارضة رسميا ولمن يتم تسليم السلاح إذا قرر أصدقاء سورية تنفيذ قراراتهم في تسليح المعارضة وتحويل الانتفاضة السلمية إلى كفاح مسلح و بداية لحرب أهلية؟ وقد امتعض بعض المعارضين السوريين من تصريح بسمة قضماني التي قالت مؤخراً :" لم يعد أمامنا سوى أن نختار بين خيارين سيئين إما التدخل العسكري الخارجي أو الحرب الأهلية". وبما روسيا اتعضت من تجربة ليبيا التي خرجت عن السيطرة وهمشت تأثيرها الدولي ومكانتها السياسية على المسرح العالمي فإنها سوف تعارض بكل قوتها أي قرار يدعو أو يسمح باستخدام القوة ضد النظام السوري ولم يبق أمام السوريين سوى الحل السياسي والتفاوض على مرحلة انتقالية عبر الحوار تحت رعاية وضمانات دولية وإقليمية وعربية ثم الذهاب لصناديق الاقتراع من أجل سماع صوت الشعب السوري لأنه الوحيد الذي من حقه أن يقرر من سيحكمه.

*******

مقالات أخرى للكاتب

الخميس 8 / 3 / 2012
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان