home
tri
tri
focus
في ذكرى استشهاد نوري باشا السعيد

في ذكرى استشهاد نوري باشا السعيد

خالد محمد الجنابي

أبرز السياسيين العراقيين أثناء العهد الملكي بل وفي تاريخ العراق المعاصر ، ولد الشهيد نوري بن سعيد صالح بن الملاّ طه في محلة (تبة الكرد) بالقرب من ساحة الميدان وذلك بحدود سنة 1887 وقتل في سنة 1958 وأما بخصوص نسبه فقد وصف المطّلعين : (بأنه كردي المولد وتركي النشأة والثقافة وعراقي المهنة والعمل) ، تولى منصب رئاسة الوزراء في العراق 14 مرة بدآ من وزارة 23 آذار 1930 إلى وزارة 1 آيار 1958، كان الشهيد نوري باشا السعيد ولم يزل شخصية سياسية متمييزة جدا ، اضطر إلى الخروج مرتين من العراق بسبب انقلابات حيكت ضده ، تخرج من الأكاديمية العسكرية التركية في إسطنبول ، خدم في الجيش العثماني وساهم في الثورة العربية وانضم إلى الأمير فيصل في سوريا ، وبعد فشل تأسيس مملكة الأمير فيصل في سوريا على يد الجيش الفرنسي ، عاد إلى العراق وساهم في تأسيس المملكة العراقية والجيش العراقي ، هو عسكري وسياسي من قادة العراق ومن أساطين السياسة العراقية والعربية وعرابها إبان الحكم الملكي ، وزير ورئيس وزراء لفترات متعددة ساهم بتأسيس عصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة والجامعة العربية التي كان يطمح ان بترأسها ، كانت له ميول نحو مهادنة بريطانيا على الرغم من حسه الوطني العالي

بدأ حياته ضابطا في الجيش العثماني وشارك بمعارك القرم شمال البحر الأسود بين الجيش العثماني والجيش الروسي وبعد خسارة العثمانيين عاد لوحده من القرم إلى العراق ، قاطعا مسافات كبير مابين سيرا على الأقدام أو على الدواب ، انتمى إلى الجمعيات السرية المنادية بإستقلال العراق والعرب عن الدولة العثمانية ثم شارك في الثورة العربية الكبرى مع الشريف حسن بن علي ، يشير عبد الوهاب بيك النعيمي في مراسلات تأسيس العراق بأنه قد اختير لعضوية المجلس التأسيسي للعراق عام 1920 من قبل الحكومة البريطانية في العراق برئاسة المندوب السامي السير بيرسي كوكس حيث تشير المراسلات بأنه كتبت المس بيل بعد أول لقاء لها مع الشهيد نوري باشا السعيد : " إننا نقف وجهاً لوجه أمام قوة جبارة ومرنة في آن واحد ، ينبغي علينا نحن البريطانيون إما أن نعمل يداً بيد معها أو نشتبك وإيّاها في صراع عنيف يصعب إحراز النصر فيه " وفي اعتقاد السفير البريطاني في بغداد بيترسون بان ، الشهيد نوري باشا السعيد ظلّ لغزاً كبيراً ، لأنه بات بعد العام 1927 وتحديدا بعد مقتل رئيس الوزراء عبد المحسن بيك السعدون أصبح الشهيد نوري باشا السعيد صعب الإقناع في بلد لم يتعود الإذعان لرجل أو الخضوع لسلطة ، كان الشهيد نوري باشا السعيد دبلوماسيا من الطراز الأول يتحدث الإنجليزية بطلاقة ، كان يبدو في مظهره جاداً وحازماً بل وقاسياً عند الضرورة ، حاد الطبع ، عصبي المزاج ، سريع الغضب ، الصفات التي لازمته طيلة حياته السياسية ، حتى قيل عنه أنه كثيراً ما كان يشترك في المشاجرات والمشاحنات ، لكنه إذا ما أراد الوصول إلى غاية ما أو تكريس سياسة ما ، فإنه لا يثور ولا يتأثر ، بل يتحمل النقد اللاذع من خصومه ويتعمد الغموض في أحاديثه ويوحي لمخاطبيه عن قصد بإشارات متناقضة أو تنطوي على تفسيرات متعددة ، وبالفعل ، كان الشهيد نوري باشا السعيد مناوراً بصورة فريدة ، يعرف كيف يستغل الظروف والمتغيرات ويكرّسها لخدمة أهدافه ، فكان يجيد اختيار ساعته ويعرف كيف يقتنص الفرص الثمينة لتقوية أوراقه الرابحة له مبدأ خاص في الحكم عرف به وهو مبدأ "خذ وطالب".تولى الشهيد نوري باشا السعيد منصب رئاسة الوزراء في العراق 14 مرة ، من أهم القرارات السياسية الذي كان للشهيد نوري باشا السعيد دورا رئيسيا فيها وخلق ضجات عنيفة هو دوره في تشكيل حلف بغداد 1954 والأتحاد الهاشمي بين العراق والأردن 1958، كان الشهيد نوري باشا السعيد الدبلوماسي الأول والأكثر شهرة في العالم العربي ، أحد عرابي تأسيس الجامعة العربية حيث تنافس مع رئيس وزراء مصر الأسبق مصطفى النحاس على تزعم واستظافة الجامعة العربية في بغداد إلا أنها أقيمت في مصر ، لقد جاء في الوصية الاخيرة للشهيد نوري باشا السعيد مايلي : انني كعربي وبرغم صداقتي للعالم الحر ، اقول جهراً: ان طاقتي في التحمل بلغت نهايتها ، فلقد طفح الكيل كثيراً جراء سياسات الغرب معنا ، ويشاركني في مشاعري كل المسؤولين العرب في العالم ، لقد سبق ان نبهناكم ونصحناكم مراراً بضرورة انصافنا وحل قضيتنا قبل ان يستفحل الامر ، ولكنكم تجاهلتمونا ، فحلت في المنطقة مشاكل وخطوب عدة ، والآن فانني أرى كوارث مقبلة في الافق البعيد ، فهي ان حلت عن طريق اليأس ، فلابد ان يتجدد سعيرها الملتهب علي أيدي شيوعيين او ارهابيين في المستقبل القريب ، ويقيني ان اخمادها حين ذلك لن يكون هيناً بأي حال من الأحوال ، ان تحليلنا لهذا ( النص ) سيكون مهماً جداً ، لان ما حدث بعد ذلك يعلمنا ان ما خشي من حدوثه الشهيد نوري باشا السعيد قد تحقق ، وان كل ما حصل كان بسبب الغرب نفسه الذي لم يسمع ابداً للزعماء العرب سواء كانوا من اصدقائه او من خصومه ، وعلينا ان نتأمل في قول شهير آخر له عندما قال في خطابه التاريخي الذي ألقاه في شهر كانون الثاني 1956، انه : يحق لرجل الدولة الامين ان يغامر بحياته ومركزه وبكل ما يملك اذا اراد ذلك ، ولكن لا يجوز له قط ان يجازف بمقدرات او كيان الأمة التي يرعاها ، لكن نهايته كانت بشعة في يوم 15/7/1958 ولا تليق به ولا بتاريخه ابدا ، لقد دفع الثمن باهظاً اذ سُحل جسده في شوارع بغداد الملتهبة وقطعت اوصاله وسحقت عجلات السيارات عظامه وهشمتها واحرقت اشلاءه ، لكل مواطن يحمل ولو ذرة انسانية وفي كافة انحاء العالم أوجه السؤال التالي ، ( هل توجد جريمة في العالم تستحق هذا العقاب ؟ ) . الرحمة والغفران الى الشهيد نوري باشا السعيد والملك فيصل الثاني والوصي على عرش العراق الامير عبد ألأله والى كل من سقط مضرجا بدمائه الزكية اثناء الحركة الانقلابية الدموية التي حدثت في 14/7/1958 آمين يارب العالمين ، والخزي والعار على مر التاريخ لكل المجرمين الذين خططوا وشاركوا ونفذوا عملية اغتيال شهيد العراق الكبير نوري باشا السعيد .

khalidmaaljanabi@yahoo.com

*******

مقالات أخرى للكاتب

 الخميس 14 -7- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان