home
tri
tri
focus
ساحة التحرير بين التظاهرات الشعبية والمَسيرات الحكومية

ساحة التحرير بين التظاهرات الشعبية والمَسيرات الحكومية

مطصفى القرة داغي

منذ أشهر وساحة التحرير وسط العاصمة العراقية بغداد تأخذ بعداً آخر لوجودها بالإضافة الى البُعد الفني الذي عُرفت به بإعتبارها موقعاً يحتضن عملاً فنياً بارزاً أبدعته يَد الفنان الرائد الراحل جواد سليم، فبعد السنوات العجاف التي عاشها العراقيون بظل المَنظومة السياسية التي تحكم العراق منذ2003، قرروا أن تكون الساحة مركزاً لتواجد وإنطلاق تظاهرات يوم الجُمعة المُطالبة بالإصلاح ضد الحكومة التي تقودها هذه المَنظومة، والتي فشلت حتى الآن بتحقيق الأمن ومحاربة الفساد وتوفير أبسط الخدمات لأبناء شعبها. إنطلقت أولى هذه التظاهرات يوم الجمعة المصادف (25 شباط) والتي إستُبقَت بحَملة إشاعات تسقيطية وجوبهَت بعمليات قمع دمَوية تعهدت بعدها الحكومة بتحسين الأحوال خلال مئة يوم، رغم ذلك إستمرت التظاهرات خلال الأسابيع اللاحقة لكن بوتيرة أهدأ وبزخم أقل، حتى جائت جمعة الحِساب بعد إنتهاء المدة دون تحَسّن الأوضاع، والتي كان متوقعاً أن تكون جمعة مُحاسبة للحكومة على فشلها في تحسين الأحوال، فما كان من الحكومة سوى أن أخرجت بالمقابل مَسيرات مؤيدة لها تطلب القصاص من قتلة حادثة عرس الدجيل التي حدثت عام 2006، أي قبل5 سنوات! وترفع شعارات لا علاقة لها بالموضوع، مِما خلط الأوراق وحَوّل الأمر لمواجهة بين معارضي الحكومة وأتباعها ومَن غُرِّر بهم من قِبَلها، الذين قام بعضهم بالإعتداء على المتظاهرين المُعارضين للحكومة، طبعاً كل هذا تم أمام مرأى ومَسمَع غوبلز السيد المالكي وقائد قواته الباسلة ووزيره لحقوق الإنسان! مما أشّرَ لنِيّة الحكومة بتحويل ساحة التحرير لساحة مَسيرات مُؤيدة لها بدلاً من ساحة للتظاهر السلمي المُطالِب بحقوق الناس.
بعد هذه الأحداث تحجّجت الحكومة ووعاضها وعلى رأسهم غوبلز بأن التظاهر حق مكفول للجميع وليس حَكراً لمُعارضيها بل من حَق مؤيديها أيضاً، هنا نقول لهم بلى إن حق التظاهر مكفول لمُعارضي الحكومة فقط وليس أتباعها، وإلا فلا يُسَمّى تظاهر بل مَسيرة. وإذا كان سَبب تواجد بعض الناس في ذلك اليوم هو للمطالبة بإنزال القصاص بالمجرمين، فلماذا أتوا لساحة التحرير وهم يعلمون بأن التظاهرات الموجودة فيها هي لقوى وشخصيات معارضة للحكومة وتطالبها بالإصلاح؟ لماذا لم يتظاهروا أمام مجلس الوزراء ليطالبوه بتنفيذ القصاص العادل بحق هؤلاء المجرمين؟ولماذا لم يتظاهروا أمام رئاسة الجمهورية مُطالبين إياها بالتوقيع على الأحكام التي صدرت بحقهم؟ ولماذا خرجوا في تلك الجمعة بالذات وبنفس وقت تواجد المتظاهرين بساحة التحرير؟ لمَ لم يَخرُجوا قبلها أو بعدها بيوم؟ أسئلة كثيرة لا جواب لها لدى الحكومة التي إستغلت أهالي ضحايا هذه الجريمة، وأرادت أن تجعل مِنهم قميص عثمان لتواجه به هذه التظاهرات، وقد نجحت بذلك وضرَبت عصفورين بحَجَر واحد مُصيبة أكثر من هَدف، فمِن ناحية سَعت لتشويه صورة الدكتور أياد علاوي عِبر رفع صورة له وبجانبه المدعو فراس الجبوري المُتّهَم بتنفيذ تلك الجريمة، ومِن ناحية آخرى عملت على تشويه صورة المُتظاهرين أنفسهم عِبر رفع صور تُظهِر الجبوري مُتظاهراً مَعهُم في أحدى الجُمَع لتوصل للناس رسالة مفادها (علاوي الذي تعتبرونه وطنياً يدعم الإرهابيين ويلتقط معهم الصوَر، والمتظاهرين بساحة التحرير هُم إرهابيين). وقد وصلت هذه الرسالة الخبيثة للكثير من البُسَطاء، ونجَح أقطاب السُلطة الحالية ولو لحين، بتشويه صورة منافس ونِد سياسي كان ولايزال يَقض مَضاجعَهُم ويُفسد مخططاتهم، وبتشويه صورة تجمّعات سياسية ونقابية ومُنظمات مُجتمع مدني كشفت سوئتهم و حقيقتهم البشِعة وتطالب بحقوقها العادلة بالإصلاح والعيش الكريم.
إن ثقافة إخراج المَسيرات ليست جديدة على النخبة السياسية والمَنظومة الفكرية العراقية، فطبيعة التركيبة الفكرية للأحزاب الحالية لاتؤمن أساساً بفكرة التظاهر الديمقراطية، لأن فكرها الشمولي لايستوعب وجود مُعارض لها ولرؤاها، وتنظر لمَن يُعارضها وينتقدها على أنه عدو، لذا نراها تطلِق عليه كل ما تجود به قريحتها مِن صِفات، كالبعث والعمالة والإرهاب والتخريب. بالمقابل هي تؤمن بما يُسمّى المَسيرات، وبها وحدها تشعر بالراحة وتطمأن أن كل شيء يسير على ما يرام، وهي تستعين بالدروس التي تعلمَتها على أيدي سادتها الذين إحتضنوها أيام المُعارَضة بإخراج المَسيرات المؤيدة، مضافاً لذلك الخِبرة التي يَمتلكها من بَرَعوا بإخراج المَسيرات أيام النظام السابق مِمّن غَيّروا جلودهم وباتوا اليوم مَطايا لها وطوع لأمرها وما أكثرهم. هنا نسأل.. كم من الجرائم إرتكبت بحق العراقيين منذ تولي المالكي وسَلفِه الجعفري وحزبهما للسلطة؟ لماذا لم يَنتفِض ضَميرهم وتُستثار غيرَتهُم سوى هذه المَرّة وبهذا التوقيت بالذات؟ لماذا لم يُحَرك حزب الدعوة وقائده ساكناً حين حدثت الجريمة قبل5 سنوات؟ ولماذا تمّت الطَمطَة عليها من قِبَل الحكومة نفسها؟وعلى فرض أن رفع صوَر الدكتور علاوي مع الجبوري صدفة لا دَخل للحكومة بها،فلماذا لم تُرفَع صور الجبوري وهو يجلس بجانب وزير الهجرة الذي ينتمي لحزب الدعوة القائد؟ أكاذيب مفضوحة لكن مَلعُوبة بدهاء قد يَمُرعلى بُسَطاء العقول وضِعاف النفوس،وهم كثر للأسف، لكنه لن يَمُرعلى كل العراقيين الذين بدأوا يكتشفون ولو متأخراً حقيقة المالكي وحزبه القائد. مِن حَق المالكي أن يُخرج مَسيرات مؤيدة له ولحزبه الذي لم يَعُد حزباً للمُستضعفين كما كان يَدّعي، بل بات حزب سُلطة دكتاتورية غاشِمة تسحَق كل مَن يقف بطريقها، لكن ليس مِن حَقه أن يُسَمّيها تظاهرات، كما ليس من حَقِّه مُصادرة حق المُستضعفين الذين كان يَحسب نفسه عليهم بالأمس في التظاهر السِلمي والمطالبة بحقوقهم المَشروعة التي حُرموا مِنها، والتي تذهب اليوم لجيوب وحسابات أعضاء حزبه ووعاظه من أشباه المثقفين.
العَتب يقع أيضاً على من أطلقوا التظاهرات في ساحة التحرير، فبعد الزخم الإعلامي والحضور القوي الذي سَجّلته الجمعة الأولى للتظاهرات، وبعد القمع الذي أصابها من قبل الأجهزة الأمنية للسلطة، تحَوّلت تظاهرات الجُمَع اللاحقة لحَدَث روتيني يقتصر على شعارات وهوسات دعائية أكثر منها ضاغِطة وفاعِلة، وفقدَت بريقها وحضورها الأول الذي كان يُعَول عليه الناس للضغط على الحكومة، والذي تحتاجه لضَمان إستمراريتها وتحقيق أهدافها.عندها أمِنَت السلطة جانبها، ومن أمِن العقاب أساء الأدب، حتى مَجيء جُمعة الحِساب، التي خشِيَت السلطة أن تكون على غرار الأولى فمَكَرَت وكادَت بلؤم، ووَظّفت لها قضية العُرس لصَرف الأنظارعَن السَبَب الرئيسي لخروج التظاهرة، وهو إنتهاء مدة المئة يوم التي وَعَد خلالها المالكي بتحسين الخدمات ومُحاربة الفساد دون تحقيق شيء. لكن الرَجل والشَهادة لله يتعَلّم من الماضي وتجاربه ويَستفيد مِن أخطائه،لذا تحَزّم وأعد العُدّة للجُمعة الأخيرة حتى لايتكرر ماحدث معه في الجمعة الأولى، فلم يكتفي بإطلاق شائعات البعث والإرهاب والتخريب حول المتظاهرين،والتي إرتدت عليه في المرة السابقة، بل عمَد لدَعمِها بصُور مُفبرَكة، وأضاف لها توظيفه بذكاء ودَهاء لقضية العُرس لخلط الأوراق. برأيي هذا هو الأسلوب الذي سيَعمَد له المالكي في المستقبل لمواجهة أعدائه ومُعارضيه،المبادرة بالفعل (كما فعل في الجمعة الأخيرة)بدل إنتظاره ومواجهته بردة فعل قد تكون متأخرة (كما فعل في الجمعة الأولى). لذا يَجب أن لا نَتفاجأ في المستقبل وفي أيام الجمع بالذات، بخروج مَسيرات حاشِدة تُشيد بالحكومة وترفع شعارات مُعَدة سَلفاً مِن قِبلها، لإثارة مواضيع لا علاقة لها بالإصلاح والخدمات، وهو ما يجب أن يَنتبه له العراقيين الوطنيين مِن المُنظِّمين للتظاهرات والداعمين لها والمشاركين فيها.
ليس خافياً على أحد بل ومَعلوم للجميع أن أبرَز القوى السياسية المُنظِّمة والداعِمة للتظاهرات والمُشاركة فيها هو اليَسار العراقي وعلى رأسه الحزب الشيوعي والمُنظّمات التابعة له،ونحن لسنا ضِد ذلك بل ندعَمه وبقوة، لأنه حزب عَريق له رؤاه وتوجهاته التي قد نتفق مع بَعضها ونختلف مع بَعضها الآخر، لكنه يَبقى واحداً من أبرَز رموز الحَداثة والعلمانية بالعراق، كما أنه اليوم من أنزه وأخلص القوى السياسية المَوجودة على الساحة وأكثرها وطنية بشهادة الجميع. مشكلة الحزب وقياداته وقواعده هي بدائية أسلوبه بالتعامل مع الحكومة وأحزاب الإسلام السياسي المسيطرة عليها، فهو لازال يَستخدم نفس شعارات وأساليب خمسينات وستينات القرن الماضي، وكأنه يتظاهر ضد نوري السعيد وقاسم والعارفين. يا جماعة الخير.. الزمن تغيّر والدنيا تبَدّلت، ومَن تتظاهرون ضِدّهم اليوم هم أسوَء مَن حَكم العراق خلال تأريخه الحديث، لذا كفاكُم رومانسيات وأحلام وردية، فالعراق الديمقراطي الذي يفترض أنكم تسعون أليه لن يكون له وجود وهذه الأحزاب التي سَبَق وأن كَفّرَتكم قبل عقود ولاتزال رغم أنها لا تُظهِر ذلك تقية، هي التي تتحَكَم به وتقود عمَليّته السياسية البائِسة. أعيدوا النظر ببعض طروحاتكم التي لم تعُد ملائمة لواقع العراق وطبيعة مُجتمعِه المُعقدة، تخلصوا مِن عُقدة البَعث التي تسكُنكم وتدفعكم الى التقوقع على قواعد جَماهيرية غير فاعِلة، والى عَدَم الإنفتاح على عُموم العراقيين بفِئاتِهم العُمرية المُختلِفة، خوفاً مِن أن يكون هذا أو ذاك بعثي ويَندّس بصُفوفِكم، والتي تدفعكم أيضاً وهذا هو الأخطر لمُجاملة ومُداهنة أحزاب الإسلام السياسي لا لشيء سوى أنها كانت تعارض نظام البعث مثلكم، رغم أن معارضتها له لم تكن بسَبَب شموليته ودكتاتوريته بل لأنها كانت تراه نظاماً علمانياً كافراً يُعيق تصدير الثورة الإسلامية للعراق وتحويله لجمهورية ولاية فقيه ثانية تابعة كغزة وجنوب لبنان، وهو ما نجَحَت بتحقيقه بعد2003 بسَبَب رومانسيتكم وغَباء المَنظومة السياسية الأمريكية التي إحتلت العراق، وعودوا لأدبيات هذه الأحزاب بسبعينات وثمانينات القرن الماضي لتتأكدوا من ذلك. أنتم تعلمون جيداً لكن تكابرون بأنها ليست أفضل من النظام السابق بل أسوء في بَعض الجوانب، وهي تستعير اليوم أساليبه القمعية وتوضِّفها وتُضيف عليها من خِبرتها لقمع الناس، وستكونون يوماً أول ضحاياها. خذوا زمام المُبادرة وبادروا بالفعل،لا تنتظروه من الحكومة وأحزابها لأنكم لستُم بدهائها، كونوا شرارة التغيير ليُسَجّل لكم التأريخ هذا المَوقف،لتكن مَثلكم الأعلى السَيدة هناء أدور التي بادرت بالفعل ولم تنتظره لتقوم برَد الفعل، فكان فعلها وطنياً أصيلاً شجاعاً، فيما كان رد فعل المالكي وحركات يده إنفعالياً ومُعيباً ولا يليق بسياسي ورجل دولة يَدّعي الديمقراطية.


مصطفى القرة داغي
karadachi@hotmail.com

*******
مقالات أخرى للكاتب

 

 

 الإثنين 15 -8- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان