home
tri
tri
focus
لقاء مع المهدى المنتظر

لقاء مع المهدى المنتظر

نبيل الحيدرى

إعتمد الفقهاء الشيعة الإمامية على قصة المهدى المنتظر فى شرعيتهم ونفوذهم وسيطرتهم فهم نواب الإمام الذى بدوره خليفة الرسول بناء على نظرية الإمامة وتأويل البعض. هذا التيار يصور الفقهاء نوابا للمهدى لكنهم ليسوا نوابا خاصين عينهم المهدى نفسه بالإسم والشخص كما يقال فى الغيبة الصغرى، لأنها انتهت عام 328 هجرية بوفاة على بن محمد السمرى على رأى، لكنهم بشكل غير مباشر وغير معين فالمهدى غائب ولم يعينهم أبدا لاتصريحا ولا تلميحا فى غيبة كبرى طويلة لما يقرب من ألف عام بناء على زعمهم. وفيه ادعاء لقاء الفقهاء بالمهدى لأنه الزخم الكبير فى سلطة جبارة أمام البسطاء وعامة مقلديهم وكأنهم معصومون فوق الخطأ والخطايا حيث تمنع عن رقابتهم أو محاسبتهم عن فسادهم وأولادهم وأصهرتهم وطغيانهم وانجرارهم مع الدنيا أو السلطان أو التجار الفجار ومصالحهم الكثيرة المختلطة مع مصادر القرار بمختلف ألوانه ومشاربه وعلى مر التاريخ.
حاول الفقهاء تأصيل هذه الفكرة فقد جمع صادق الشيرازى مائة وخمس آيات من القرآن فى كتابه (المهدى فى القرآن) بتأويل آيات لاعلاقة لها بالمهدى أصلا مثل (فاستبقوا الخيرات) (هدى للمتقين) (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل) (ولنبلونكم بشئ من الخوف) (آمن الرسول بما أنزل عليه) (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات)، كذلك المرجع لطف الله الصافى الكلبيكانى فى جمع آلاف الروايات فى متابه (الإمام المنتظر فى منتخب الأثر) والكثير منها لاعلاقة له بالمهدى فضلا عن ضعف أكثرها سندا أو دلالة ناسيا أو متناسيا أحاديث أجمعوا عليه مثل (إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه وإلا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) فكيف بمن يأتى بالبدع ويخدر بها الناس ويستجهلهم ويأخذ أموالهم وأتعابهم بحجة الخمس وغيره.
الفقيه محمد باقر المجلسى رائد التشيع الصفوى الدخيل زمن الدولة الصفوية التى حرفت التشيع وأدخلت البدع الكثيرة عليه وحولت القيم إلى طقوس تستغرق بها الأمة عن واجباتها وأهدافها (كما ذكره على شريعتى فى كتابه التشيع العلوى والتشيع الصفوى). كان يدعى المجلسى فى موسوعته الكبيرة (بحار الأنوار) لقاؤه بالمهدى المنتظر واتصل به مرارا وأخبره بأن ظهوره سيكون قريبا جدا وسيكون المجلسى نفسه هو المرجعية الأخيرة الموثوق بها لتسليم الراية له ليطهر الأرض من الرجس والكفر والإلحاد فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا حسب قوله. كان قوله وادعاؤه يسرى بين الناس كأنه كلام الله فى تقديس المجلسى وعدم نقده أصلا حتى وهو يسير خلف الشاه الصفوى فى كل مجازره وظلمه وقتله ودجله. وعلى مر التاريخ استعمل العديد من مراجع الفرس من قصة المهدى وعلاقتهم به أساسا لسلطتهم على مقلديهم وتخديرهم واستغفالهم واستغلالهم وحرف توجيههم وحركاتهم وحياتهم فيما أشبه بالقرون الوسطى وحكم الكنيسة.
فى عصرنا الراهن ظهرت ادعاءات علاقة ولى الفقيه الخمينى بالمهدى أساسا لزعامته وسلطته خصوصا فى الحرب العراقية الإيرانية ولقائه بالمهدى الذى كان يزوره مرارا ونقل الحرس الثورى وحمايته الخاصة للقصص العجيبة والغريبة حتى فى خطب الخمينى وهو يحشد الملايين مداعبا عواطفهم (الحرب يقودها المهدى المنتظر وهو لن يفشل وهى حرب الإسلام ضد الكفر بقيادة الإمام، وصدام زائل فى نهاية الحرب وإقامة الإسلام وتحرير كربلاء الحسين فلا معنى للصلح معه ولا يقبل المهدى بذلك وسنحررالقدس عن طريق كربلاء) ودعايات أئمة الجمعة والجماعة والخطباء ومؤسسات الإعلام الضخمة حتى قادت الملايين فى حرب ضروس سقط فيها الملايين من الأبرياء بين قتيل ومعوق وجريح وأسير من الطرفين فضلا عن عوائلهم ومتعلقيهم. الشعوب الإيرانية الطيبة بشكل عام هى عاطفية تأثرت بعضها بالدعاية الضخمة والمشاعر المهدوية وهى تتوهم صورة الخمينى والمهدى فى القمر وصدور كتب ومقالات وتحليلات ومنابر كثيرة عن ملاقاة الخمينى بالمهدى بل كرامات ومعجزات الخمينى مثل كتاب (كرامات الخمينى) (الخمينى توطئة للمهدى المنتظر).
انتشرت هذه الحكايات عن مرجعيات كثيرة مثل شهاب الدين المرعشى النجفى إمام الصحن القمى ونقلت ثلاث قصص لقاءاته بالمهدى وطبعت فى كتاب تلميذه العلوى عن حياته ومنها قصة لقائه بعد ما يقرب من أربعين أربعاء متتالية فى مسجد السهلة الذى أعطاه المهدى قوة البصر والذاكرة ودعى له دعوة خاصة.
وعن المرعشى قصة رسالة بعثها له المهدى عن طريق رجل بسيط يسكن مدينة مشهد بإيران، إذ رأى أعرابيا بدويا لايعرفه وجاءه وقال له (سلم هذه الرسالة الى المرعشى فى قم) قال (لا أعرفه) أجابه الأعرابى (فى قم وصلاة الجماعة الجامعة تجده هناك) واختفى مسلِّم الرسالة، وهنا طبعا ظنه هو المهدى الغائب المنتظر. فتح الرسالة فوجدها فارغة، وسافر إلى قم امتثالا لما توهمه من المهدى. وصل الصحن الفاطمى فى قم فوجد المرعشى إماما لأكبر جماعة فى صحن فاطمة بنت موسى الكاظم، فجاءه بين صلاتى المغرب والعشاء خلسة وسلمه الرسالة مسرعا ومراقبا عن كثب. فتح المرعشى الورقة وبدأ يقرأ فيها متأملا ثم باكيا لفترة لاتغادر عيناه الرسالة والمئات ينتظرون صلاة الجماعة بعد أن كمل الأذان وفراغ لم يعتد عليه مرجعهم ذى الصلاة السريعة وبلا تأخير. أخيرا رفع المرعشى عينيه محدقا فى حامل الرسالة ثم موبخا مؤنبا لا شاكرا ولا جازيا (يا ولدى إذا أعطاك أحد أمانة أو رسالة، فائتمنها ولاتفتح الرسالة فتخون الأمانة)... وهكذا كانت هذه القصص حديث المقلدين بلا وعى ولا إدراك سببا لجلب المقلدين ودفع الأخماس ورواج مرجعيته بعد أن كانت من أضعف المرجعيات وأفقرها لأنه الوحيد القادم إلى الصلاة من خلال التاكسى والذى يوزع على الطلاب كوبونات الخبز البسيطة.
أبو القاسم الخوئى المرجع الأعلى والأشهر فى النجف والقادم من مدينة خوء الإيرانية، أيضا حصلت الإدعاءات بلقائه المهدى وحين وصوله المرجعية نشرت لاحقا تأييد المهدى لمرجعيته مذ كان صغيرا يدرس مقدمات الحوزة الدينية حيث تنبأ المهدى بتقلده المرجعية العليا ثم يسلمها للمهدى نفسه فيعلن المهدى ظهوره وخروجه علنا ولن توجد مرجعية بعد الخوئى أصلا حسب رؤية تلميذه الأفغانى وكما كتبها تلميذ الخوئى، محمد مهدى زين العابدين فى كتابه (بيان الأئمة) والحاصل على بيت كبير مجانى فى مدينة العلم للخوئى بقم. كذلك قصص مشابهة لمراجع مشهورين مثل الكلبيكانى والأراكى والشيرازى والبروجردى والتبريزى والسيستانى وغيرهم. وقد تبين للعاقل اللبيب حقيقة هذه القصص واستغلالها بعد اتضاح عدم مصداقيتها بعد موته، فقد ماتت المرجعيات منذ المجلسى والعهد الصفوى وجاءت مرجعيات بعدهم وظهر بطلان تلك الإدعاءات فى كونه آخر الأزمنة وظهور الإمام فى تلك الأعوام المنصرمة منذ مئات السنين
ولازالت قصة المهدى تحرك عواطف كثير من البسطاء فقد ظهرت كتب عديدة مثل (ملاقاة الإمام المهدى) (أنوار صاحب الزمان) لحسن الأبطحى و (الجزيرة الخضراء) لناجى النجار عندما ربط مثلث برمودا بالجزيرة الخضراء بادعاء وجود المهدى فيها وكأنها ينتقم من المارين بمنطقته وإخفائهم، وكثير من الثقافات التى تصوره ذباحا للملايين بلا رحمة أوشفقة ثم إحياؤه للخلفاء وإحراقهم وقتله آلاف العلماء بظهر الكوفة حتى يشك البعض بنسله من رسول الرحمة حسب بعض المأثورات العجيبة.
وكتب فى ملاقاته كثيرون مثل حسين النورى ومحمد رضا الأصفهانى وعلى الكورانى وعبد الرحمن باقر زادة، وصدرت كتب كثيرة مثل (عنايات المهدى بالعلماء والطلاب) (جنة المأوى) (إلزام الناصب) (حول رؤية الإمام) (كيف ترى المهدى) (لقاء مع الإمام) مما تجعل المرء يعيش الأوهام والأحلام التى قادت البعض إلى الهوس والضلال ومنهم إلى الجنون.
وذكروا من علائم خروجه إسلامية إيران وتحول الحوزة من الكوفة إلى قم، وسيخلو أى شيطان أو شر من قم، وتأويل أن الحسنى هو خامنئى وأن شعيب بن صالح هو رفسنجانى وصاحب الراية هو أحمدى نجاد... وقصص فى ملاقاة هؤلاء مع المهدى...
ومن الجانب الآخر توجد روايات تنهى عن رؤيته أو تكذيب ادعاء رؤيته فضلا عن 40 رواية فى أن كل راية قبل ظهوره هى راية ضلال وتكون وبالاً وتفسد أكثر من صلاحها، وحاملوها باسم الدين هم طغاة جبابرة مفسدون.. وهو ما يؤمن به كثير من الفقهاء. كما ورد أن المهدى تقتله إمرأة إيرانية من أصفهان وعندها لن يملأ الأرض عدلا بعد قتله بهذه الطريقة.
وقد نقلت رؤى وأحلام ومنامات كثيرة بنيت عليها الكثير من الأفكار والثقافات والعقائد، ومن المنامات أنشئت مساجد كثيرة كبيرة كمسجد جمكران قرب قم فى مناسك وطقوس وزيارات وصلوات لأربعين أسبوعا متتاليا حتى يلاقى المهدى المنتظر، ويقصد مسجد جمكران الملايين وتبرع له أحمدى نجاد ملايين أخيرا وهو يروج لعلاقته الخاصة وملاقاته مع المهدى.
وفى العراق الجريح والمنكوب اليوم دخلت الكثير من الأفكار الغريبة والعجيبة حولها ومنها يعتقد مجئ أمريكا للعراق من أجل قتل المهدى قبل ظهوره.
ولقد حولت المرجعية قضية المهدى لمصالحها ودنياها وسلطتها فترتفع على الأنبياء فى سيرتهم وديدنهم وتواضعهم وزهدهم وعملهم اليومى للحصول على قوتهم من عرق جبينهم وكد يمينهم فاشتغل آدم بالزراعة ونوح بالنجارة وإدريس بالخياطة وإبراهيم بالتجارة والبزازة وداود بالحدادة وإسحق ويعقوب وشعيب وموسى بالزراعة ولقمان بالخياطة ومحمد بالرعى والتجارة عند خديجة، بينما تحصل المرجعيات على مليارات من الخمس وحقوق الفقراء والمحرومين المسحوقين حتى يخلفوا لأولادهم وأحفادهم وأحفاد أحفادهم المليارات من أموال الناس وجهودهم وعرق جبينهم دون صرفها فى موارد حقيقية خدمة للناس والمحتاجين حتى قال الفقيه (لو ثبتت أدلة استلام الفقهاء للحقوق الشرعية فهم واسطة فقط لاغير فى إيصالها إلى مستحقيها من المحتاجين والفقراء والمساكين والموارد العامة الهامة...).
إن الحيرة قد عاشها شيعة الإمام الحادى عشر الحسن العسكرى بعد موته وغياب البديل وعندها إنقسموا إلى أربعة عشر فرقة واحدة منها فقط آمنت بمولود اسمه محمد عمره 5 سنوات فقط لم يره إلا النادر كحكيمة والخادم وغاب فى السرداب خوفا من المعتمد العباسى (راجع بحثى السابق (ثقافة الناجية) وكذلك كتابى (فرق الشيعة) للفقيه الحسن بن موسى النوبختى أو تلميذه الفقيه سعد بن عبد الله القمى مع مقدمة هبة الدين الشهرستانى)
(الملاحظ أن فكرة الأئمة الأثنى عشر هى فكرة متأخرة لم تؤمن بها أكثر الفرق بل حتى فى عصر الأئمة الإثنى عشر لم يسمعوا بها فاقتصروا على أئمة آنذاك دون وصولها إلى إثنى عشر بسبب عدم ارتكازها فى ذهنهم العرفى والشرعى آنذاك فلذلك توقفت فرق عديدة على الإمام آنذاك ولم تنتقل إلى إمام بعده كالناووسية التى وقفت على جعفر الصادق والواقفية على موسى الكاظم وغيرها، ومنها من قالت بإمامة أرحام الأئمة كالسميطية المؤمنة بمحمد بن جعفر الصادق والإسماعيلية لإسماعيل بن الصادق والفطحية لعبد الله بن الصادق والأحمدية لأحمد بن موسى الكاظم ومن قال بإمامة جعفر بن على الهادى وكلها لم تؤمن بمحمد المهدى... ومنها من قال بإمامة أصحاب الأئمة مثل الخطابية أصحاب أبى الخطاب والمغيرية أصحاب المغيرة بن سعيد وهو من أصحاب الصادق) من مقالى السابق (ثقافة الفرقة الناجية)
أخبرنى أحدهم مدعيا علاقته بالمهدى وملاقاته، ثم بدأ يصرح أنه النائب الحقيقى والوحيد، وأما غيره فيمثل (نعال الوجود) وكتب فى ذلك كتبا وله مريدون كثر، وادعى الظهور قريب جدا. إستمعت إليه ثم نهرته نهرا شديدا موضحا مغالطاته وأخطائه عسى أن يكون رادعا للدجل والكذب والإستغفال والإٍستحمار الدينى من تجار الدين

******

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 الإثنين 18 -7- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان