home
tri
tri
focus
الصدر الثانى وصراع المرجعيات

الصدر الثانى وصراع المرجعيات

نبيل الحيدري

بعد سيطرة مرجعيات فارسية لمدة ست قرون على العراق ومنعت المرجعيات العربية كآل الصدر وكاشف الغطاء والحيدرى والخالصى والحبوبى، ظهرت مرجعية عراقية متميزة ونشطة لمحمد محمد صادق الصدر(الصدر الثانى) تلميذ محمد باقر الصدر(الصدر الأول). وأحد مشاكل العراق هى المرجعيات الفارسية غير الرشيدة وغير الصالحة التى تفسد أكثر مما تصلح، وتقود إلى هلاك البلاد والعباد فهى تأخذ أخماس العراقيين والعرب لتصرف بعضها فى إيران دون العراق المحروم والمحتاج وأما الجزء الكبير من المليارات فهو إلى جيوب أرحام المرجع وحاشيته التى امتلئت وفاضت من المال الحرام دون مساعدة الفقراء والمساكين وما تحتاجه الأمة. الصدر الأول رغم نبوغه فكريا وحركته السياسية والإجتماعية وأخلاقه العالية لكنه عاصر مرجعيات فارسية غير رشيدة ولاصالحة ولايهمها العراق وشعبه وقد حاربته كثيرا واتهمته ومنعت مشروعه لذلك حاول إصلاحها من الداخل ولما يئس من ذلك كله كما يقول فى مذكراته وبخط يمينه، تصدى أواخر حياته لكتابة أطروحته الواعية (المرجعية الرشيدة والصالحة) التى تحول الفرد إلى مؤسسة تخرج من تقوقعها وغيابها وصمتها وذاتياتها وفرديتها وحاشيتها وأرحامها إلى مؤسسة واعية منفتحة متحدثة فى الخطاب العلنى الجماهيرى مواكبة للأحداث حتى السياسية والإجتماعية منفتخة على الواقع واحتياجاته وتحدياته، لذلك حورب حربا شعواء من الحوزة ورجالاتها. والحق أن الرسول كان اجتماعيا متواضعا منفتحا لكل الناس خصوصا الفقراء ساعيا فى حوائجهم دائرا على الناس والأمة ولم يغيب وكان الغريب يأتى الى المسجد فيقول (أيكم محمد) لانصهارالنبى بالأمة والشعب وآمالهم وآلامهم وهو يعمل من كد يمينه ولم يترك لعائلته بعد وفاته المليارات من حقوق الناس.
رغم أن الصدر الأول قتل فى أواسط الأربعين من عمره فقد قدم وكتب ما لم يقدمه ولم يكتبه من عاش ضعف عمره من المرجعيات الفارسية المعاصرة، كتب فى الثقافة والفلسقة والإقتصاد والبنوك ومنطق الأستقراء والتاريخ والعقائد والسياسة والإجتماع وغيرها كما عرف بنشاطه الإجتماعى الكبير وتواصله الدائم بالناس وتواضعه للفقراء والمحتاجين وحركته السياسية وتصديه الشجاع ضد حزب البعث وعدم تنازله عن مبادئه وهو يقدم كل مايملك وعاش فقيرا ومات فقيرا ولم يورث لأولاده ما ورثته المرجعيات غير الرشيدة وغير الصالحة من المليارات من الأخماس والحقوق الشرعية إلى أولادها وأصهرتها بل وأحفادها وأحفاد أحفادها بدلا من صرفها فى حقها من الفقراء والمحتاجين والمشاريع الضرورية فضلا أنها لاتمتلك ذلك العمق الفكرى والثقافى بل لم تكتب فى حياتها كتابين أصلا كما أنها لاتملك أي رؤيا ولا مشروع للعراق.
الصدر الثانى ابن عم وتلميذ الصدر الأول وامتداد له فى بعض الجوانب خصوصا الحركة الإجتماعية والسياسية الكبيرة والتى حركت الساحة العراقية المعقدة والصعبة بشكل واسع ومتميز ومؤثر. كانت لذلك مظاهر كثيرة وكبيرة منها صلاة الجمعة وخطبه ووكلاؤه فضلا عن كثير من مؤسساته الإجتماعية وخدماته للمحتاجين ولقاؤه اليومى بالناس بشكل حركى فاعل ومتميز إضافة لإنشائه المحكمة الشرعية فى مختلف المدن العراقية وتعيين عدد من القضاة الشرعيين وهى ردة فعل على استحصال المرجع محمد سعيد الحكيم أمرا رئاسيا من صدام حسين نفسه لاسترداد مدرسة آل الحكيم الباكستانية فى شارع (أبو صخير) من الصدر الثانى الذى عمرها ورممها بعد أن كانت مهملة مهجورة متروكة وفى ذلك وقف صدام حسين إلى جانب الحكيم ضد الصدر الثانى لتجريده من مكان دراسى وسكنى للطلاب ومواقف أخرى أحيلها إلى محله. لقد أحدث الصدر الثانى نقلة نوعية ومظهرا جديدا قد يثير جدلا خصوصا من المرجعيات غير الرشيدة فى العراق وخارجه. أما المرجعية غير الرشيدة فى العراق ولم يعرف فى تاريخها أي تأثير إيجابى حتى فى الجانب الإجتماعى والسياسى وهموم الأمة على كل الجوانب العراقية رغم كل الظروف الصعبة للشعب ومحنه مما جعل الصدر الثانى يذكر السيستانى بالأسم فى بعض خطاباته ولقاءاته لمراراته ومحنته وأهميته. علما أنها كانت حاضرة فى إعطاء الفتاوى الجاهزة متى ما احتاجت السلطة إلى ذلك فلم يبخل السيستانى بالفتاوى كما لم يبخل غيره بعكس الصدر الأول الذى رفض أى فتوى يصدرها لصالح النظام الصدامى ولو أدت إلى تصفيته بالشكل الفضيع والمأساوى الذى اشتركت به قوى عديدة داخلية وخارجية منها مرجعيات فى العراق وإيران كما ذكرتها سابقا.
أما المرجعيات فى إيران والتى لاترغب بمرجعية عربية أصيلة مهتمة بالعراق ومصالحه فضلا عن الحقوق الشرعية والخمس ومتعلقاتها بالمليارات التى صودرت منها إلى العراق والعراقيين لذلك حاربوا المرحعيات العربية مثل مهدى الحيدرى ومحمد حسين كاشف الغطاء والصدر الأول والصدر الثانى وأخيرا محمد حسين فضل الله واتهامهم لهم بالوهابية والإنحراف والعمالة وغير ذلك كثير جدا.
يتحدث الصدر الثانى فى حوار مسجل مع تلميذه محمد النعمانى فى منزله فى (الحنانة) فى النجف قائلا (إنما تصديت للمرجعية حيث وجدت نواقص ومظالم وإهمالات كثيرة فى الحوزة والشيعة عموما فتصديت ودخلت معمعة المجتمع والحوزة والمرجعيات) كما تحدث عن مظلوميته من رجالات الحوزة واتهامهم له بالعمالة وذكر مرجعيات بالإسم خصوصا السيستانى ومواقفها المحاربة له وتعامل النظام معها.
تصدى المجلس الأعلى التابع لإيران فى اتهام الصدر الأول زورا بالعمالة للنظام العراقى ولذلك أسباب عديدة أهمها المخابرات الإيرانية والعقلية الفارسية العنصرية ضد العرب خصوصا العراقيين منهم (وهى عقدة النقص الدائمة لهم) وتبعية المجلس كليا لإيران كما شرحته سابقا، والحسد لوجود شخصية عراقية أصيلة ليست تابعة لإيران تقوم بتغيير كبير فى المجتمع متحدية النظام الذى ضاق ذرعا منها ولم يستطع تحملها وهى تنتقده وتطلب إخراج السجناء والوكلاء من السجون العراقية حتى قتله مع ولديه بعد إطفاء الكهرباء فى المنطقة وإحاطتها بأجهزته المخابراتية ثم تسليم جثته بهذه الطريقة ومنع التشييع والفواتح عليه.
وللأمانة التاريخية بينما كنت مدرسا فى بعض الجامعات فقد التقيت مرارا بمحمد باقر الحكيم حاولت مرة إقناعه بضرورة الكف عن حملة المجلس ضد الصدر الثانى وإقناعه بظروفه وحركته، فلم أفلح، حتى قلت له (إنه مشروع تغييرى يحصل فى العراق بقيادة الصدر الثانى وينبغى التفاعل معه بشكل إيجابى وترحيبى لامحاربته بهذا الشكل) فقال لى (كيف يمكن له القيام بهذا التحرك الكبير لولا تأييد النظام؟) قلت له (لم أجد تأييدا للنظام حتى فى خطبه بل رأيت تحديا ونقلة نوعية فى الحركة الإجتماعية والسياسية الواسعة) فقال (إنه ساذج والنظام يستغله) قلت (لا أعتقد بسذاجته بل أرى العكس فى استغلاله لهم كالجسر لهذه النتائج كما نجد أمثلة تاريخية كثيرة، أجد بصراحة مرجعية رشيدة تكتسح الساحة فى وضع صعب أمام صدام ويحاربها الخصوم والحساد فى داخل العراق وخارجه ويصعب على الخارج استيعابه)...
الحقيقة للتاريخ أن المعارضات الإسلامية العراقية خصوصا باقر الحكيم الطباطبائى الأصفهانى وكاظم الحائرى الشيرازى ومحمود الهاشمى الشاهرودى رغم خلافاتهم الشخصية الكثيرة فقد اتحدوا جميعا ضد الصدر الثانى واتهامه بالإرتباط بالنظام العراقى وإيصال ذلك لأجهزة النظام الإيرانى القمعى وكلنا يعلم عندما زار الصدر الثانى قم وماذا حصل له من إهانات وتصرفات.
لقد صرح محمد باقر الحكيم بنفسه فى لقائه بفيلق بدر التابع للمجلس قائلا (إن السيد محمد الصدر قريب من السلطة) وعندما سأله أحدهم عن صلاة الجمعة التى يقيمها وخطبه وحركته، أجاب قائلا (إن ذلك ليس دليلا كافيا بدليل أن معاوية بن أبى سفيان كان يقيم صلاة الجمعة) وهو تشبيه غريب يشير إلى عمق الهوة بينهما فنزل الصدر الثانى منزلة معاوية بن أبى سفيان الذى نعرف كيف يذكره الحكيم دوما. كما أشار الحكيم فى مقابلة مع صحيفة الزمان اللندنية بتاريخ 27/1/2000 عن الصدر الثانى قائلا (نعم لدينا ملاحظات على طريقة السيد محمد الصدر منذ البداية). هذا وقد قدم عبد الصاحب الحكيم مذكرة علي العضاض ممثل المجلس الأعلى فى جنيف إلى مندوبى 70 دولة فى الدورة 53 للجمعية العمومية للأمم المتحدة فى كانون الثانى عام 1999 وفيها (وإن الحكومة العراقية تساند رجل دين لايعترف به رجال الدين الشيعة ولايصلح للمرجعية) مشيرا إلى الصدر الثانى.
والجدير ذكره أن حاشية باقر الحكيم ممن روجوا لتهم عديدة ضد الصدر الثانى، فقد كان مثلا عبد العزيز الحكيم (مسؤول الإرتباط مع أجهزة المخابرات الإيرانية مسؤولا مباشرا عن ذلك من جهة المجلس الأعلى) والذى عبر عنه مرارا وتكرارا بلقب (مرجع السلطة) واتهامات أخرى معروفة، كما طبع المجلس الأعلى فى إيران كراسا تسقيطيا ونشره بشكل واسع وكثيف فى كل إيران والخارج عنوانه (مرجعية السيد محمد صادق الصدر) ويظهر فيه قلم صدر الدين القبانجى الذى يذكره عدة مرات فى صحيفته (المبلغ الرسالى) الصادرة فى قم ويقول مثلا (إن النظام قد جعل من مرجعية الصدر غطاء لمخططاته وسوف تستخدم ضد الإسلام وباسم الإٍسلام) وغيرها كثير مثل ما كتبه صدر الدين القبانجى فى صحيفته وباسمه بتاريخ 27/10/1997 مقالا فيه التجريح والإتهامات للصدر الثانى وتمجيد للخامنئى والحكيم ومضمون الكراس المذكور أعلاه ونفس عباراته وفيه أيضا (إننا اليوم نتعامل مع ولاية الإمام الخامنئى ...وادعاء ولاية أخرى للساحة العراقية فى ظل حكومة صدام حسين أقرب إلى المهزلة) مما يكشف عن قلم القبانجى وتواطؤ الحكيمين باقر وعزيز مع أتباع المجلس الأعلى وقوات بدر (سباه 9 بدر) التابعة للحرس الثورى الإيرانى وقيادة ولى الفقيه وممثله فى الحرس الثورى محسن الأراكى.
حاول الصدر الثانى فتح مكتب له فى قم عن طريق صهره جعفر محمد باقر الصدر فأغلقته الحكومة الإيرانية وحاربت أصحابه متهمة الصدر الثانى بالعمالة للنظام العراقى كما اعتقلت جعفر الصدر وسجنت وعذبت ستار أبا سيف الوائلى مسؤول المكتب. كما كانت تصدر من مكتب الحكيم وجرائده (لواء الصدر) (الشهادة) من إيران و(نداء الرافدين) من سوريا ولبنان لبيان جبر صولاغ، وكذلك من حاشيته خصوصا صدر الدين القبانجى وعبد العزيز الحكيم ومحمد باقر المهرى وغيرهم الكثير من الإتهامات ضد الصدر الثانى خوفا وحسدا لشدة نفوذه وتأثيره.
إحدى مشاكل الإسلاميين هى أنهم يحاربون خصومهم حتى الإسلاميين الآخرين حربا غير شريفة وبوسائل غير نظيفة ومتهمين لهم شتى التهم لكنهم بعد وفاتهم (التى ربما كانوا سببا فيها بشكل مباشر أو غير مباشر)، إذا هم ينقلبون كليا ويبدؤون بإقامة الفواتح وتغيير اللهجة كاملا بالمديح وإصدار البيانات وإطراء الثناء على المرحومين. هذا ما حصل فعلا مع الصدرين، فبعد جريمة قتل الصدر الثانى مع ولديه بشكل وحشى، بدأت القيادات الإيرانية والمجلس الأعلى والآخرون بإصدار البيانات وإقامة الفواتح الكثيرة عليه حتى لقبته بالشهيد ذى النفس الزكية جريدة الشهادة للمجلس الأعلى بطهران عدد 783 بتاريخ 23/2/1999 ونداء الرافدين للمجلس الأعلى بدمشق عدد 196 بتاريخ 8/4/1999، وينطبق عليهم المثل المعروف (يقتل البرئ ثم يسير فى جنازته). وعلى نفس الطريقة الإيرانية رغم حربهم ضد الصدر الثانى وإغلاق مكاتبه وسجن وتعذيب أفراده، فقد أقام ولى الفقيه على الخامنئى فاتحة ضخمة فى أكبر مساجد قم وحضرها المسؤولون الإيرانيون ومنهم محمدى كلبيكانى مدير مكتب الخامنئى وعلى المشكينى رئيس مجلس الخبراء كما حضرها باقر الحكيم الذى لم يحسبها صحيحا، فإن حزب الدعوة الذى قاد مظاهرة كبيرة للفاتحة بقيادة الداعية عامر الخزاعى وكانت تحمل شعارات وهتافات الصدر أولا، ثم تحولت الشعارات ضد الحكيم بقوة، بعدها رفعت الأحذية الكثيرة وضرب بها باقر الحكيم فى داخل الفاتحة مما جعل أجهزة المخابرات الإيرانية تعتقل ما يزيد على الأربعمائة منهم، أهمهم مهدى العطار إمام مسجد الرسول الأعظم لحزب الدعوة وعامر الخزاعى ورياض الناصرى وجميل الربيعى كما سفر البعض وطرد جملة منهم إلى العراق، مما جعل إبراهيم الجعفرى يبرق رسالة إلى الخامنئى وكذلك عشرة دعاة فى لندن منهم الجعفرى إلى القائم الإيرانى فى لندن ومظاهرة فى السويد أرادت تسليم رسالة شديدة اللهجة رفضت تسلمها السفارة الإيرانية، لكن محمد مهدى الآصفى الناطق الرسمى للحزب وزعيمه أصدر بيانا معتذرا عن استعمال الأحذية وكأنه يستذكر العدوان الآثم عليه فى قم من رفاقه الإسلاميين فى حزيران 1996.
ولايفوتنا ذكر مجيد الخوئى الذى تصدى ضد الصدر الثانى كثيرا وبشدة كما كتب مقالات عديدة منها فى مجلته النور اللندنية-العدد 18 فى تشرين الثانى 1992 وكذلك العدد 33 فى شباط 1994 وتصريحاته للحياة اللندنية فى 24/4/1998 ضده لدرجة تسميته بمرجع السلطة. علما أن المؤسسات الشيعية أقامت الفواتح على الصدر الثانى بعد قتله ما عدا مؤسسة الخوئى التى لم تقم فاتحة عليه أصلا.
لقد فرح الدعاة والمجلس والمرجعيات غير الرشيدة بموت الصدر الثانى فرحا كبيرا أيما فرح حتى قال قياديهم (خلا لنا الجو ...) متوهمين أن الساحة ستعود لهم علما أن ألكثير منهم قد فرح بقتل الصدر الأول وربما ساهم بذلك بشكل ما ثم وزعت الحلوى فى النجف فرحا بقتل كل من الصدر الأول والثانى. بضع سنوات فقط لمرجعية عربية أفزعت النظام والمعارضة والمرجعيات الصفوية فى وقت واحد حتى ذهب شهيدا إلى ربه يشكو من ظلم الكثيرين واجتماع الأضداد عليه ومنهم المجلس الأعلى والدعوة اللذين يتناوبان حكم العراق والفساد فى الأرض والطغيان على الشعب المحروم والمسحوق.

*****

مقالات أخرى للكاتب

 الخميس 21 -7- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان