home
tri
tri
focus
نجم الدين أربكان والسيد المالكي

نجم الدين أربكان والسيد المالكي

توفيق الدبوس

tmazyad@yahoo.com

بغرابة ودهشة كبيرة إطلعت على تصريح السيد نوري المالكي الذي عرض في الشريط الأخباري لقناة الحرة يوم 19/8/2011 الذي إستخف به من الثورات العربية حيث قال فيه :(إسرائيل هيّ المستفيد الأول من رياح الربيع العربي)وكأنه يلوم الشعوب الثائرة وتفسيره إن ما قامت به الشعوب العربية من ثورات ما كان يجب أن يحدث و ما هو إلا خيانة و غباء يصب في مصلحة عدوة العرب إسرائيل. و إن ثورة شعب تونس البطل وتحقيقه لحريته غباء وثورة شباب مصر بوضعهم بلدهم على درب الحرية والكرامة تخلف عقلي ويصب في مصلحة إسرائيل ,وما حققه الشعب الليبي الشقيق بتضحياته ونيل حريته بدل عبودية فرضها المعتوه القذافي غباء وخيانة والثورة السورية الكبرى لأقتلاع حكم شوفيني دموي لم ترّمثله شعوب العالم أهان سعب سورياو أغرق العراق بالمفخخات والأرهاب غباء وخيانة كبرى .فأي إستهانة هذه بإرادات الشعوب كهذه الأستهانة . وأي إستخفاف بالشعوب كهذا؟.فهل ياترى إن كل هذا من بنات أفكاره أم إنه صرح بهذا بدافع من جهات لا يستطيع رد طلب لها؟أم أشار عليه بذلك مستشاروه الذين أوصلوا البلاد لما هيّ عليه اليوم من خراب؟ . مما دفعني لكتابة هذه الأسطر مقارنا بين السيد المالكي ونجم الدين أربكان.
أفرزت ثورات الربيع العربي بفخر فريقين للحكام العرب. فريق الديكتاتورية وتغييب إرادة الشعوب ومنهم من رحل قسرا كإبن علي في تونس وحسني مبارك في مصر العزيزة ,أو على وشك الرحيل حتما كطاغية العصر معمر القذافي وعلي عبد الله صالح وملك البحرين وفيلسوف الدكتاتورية ومنظر الأبادة الجماعية بشار الأسد وبقية الرهط من الحكام الفاسدين الآيلين للسقوط في وطننا العربي .والفريق الثاني هو ما بدأ يلوح في أفق تونس الشقيقة ومصر العروبة بعد نجاح ثوريتهما اللتان شعتا في أرجاء الوطن.فبأي الفريقين سيلتحق دولة رئيس وزراء العراق نوري المالكي ؟هل سيسلك طريق الفريق الأول ويلتحق به؟ أم عنده من الحصافة والحنكة والعقلانية التي سأخذ به الى طريق الفريق الثاني الذي إختطته الشعوب؟ والذي إستخف به السيد المالكي في تصريحه.
ويا ترى هل من مخرج لنا من عنق الزجاجة الذي حشرنا فيه السيد المالكي , والكارثة المستعصية التي تحل بشعبنا؟ وهي أزمة الحكم وتشكيل وزارة أغلبية مقتدرة على تلبية جزء يسير من متطلبات الشعب في الأمن والأستقرار. حيث لم يتمكن الساسة الخروج من الأزمة السياسية القديمة الحديثة, رغم علم الكتل السياسية المهيمنة على البلاد دون حق بالضرر البالغ المتأتي من هذا التأخير.الكل منا يعرف إن تردي الأمن لا يحتاج الى دليل أو برهان ,وكذلك تعطيل الحياة السياسية وعمل مؤسسات المجتمع المدني والفشل في تعديل الدستور وقانون الإنتخابات المتعسف فقد عجزت الأقلام من الحديث في كل ذلك, تردي الإقتصاد وأنعدام الخدمات على كل لسان.الكل يطمح بكرسي الحكم ليسهل عليه إلتهام العكعكة دون الإلتفات الى مصالح الشعب وما آل له أمر الأمة المحزن . ذهبنا الى صناديق الإقتراع وكما ذهبنا سابقا بقلوب محبة للوطن على أمل بدء مسيرة البناء والإصلاح فلماذا نصطد م بهذه الجدران القاسية من نكران الجميل و إعادتنا القهقرى الى مربع الدكتاتورية والأنفراد بالقرار والسلطة.
ذهب البعض منّا وإنتخب السيد المالكي. لما تحقق على يديه من بعض ما أملنا به من إستتباب أمن نسبي في فترة معينة لم تدم طويلا, ولكونه كما إعتقدنا إبتعد عن الطائفية بحزبه ونأى بنفسه وبحزبه عنها, وأيضا كان لفترة لم تدم إلا فترة وجيزة مع شديد الأسف.
وتبدلت القناعة بعدما رأينا من أحداث رافقت ظهور نتائج الإنتخابات وعودة السيد المالكي للتحالف والتخندق الطائفي , وتمسكه بالسلطة. وبعد كل الأخفاقات في إدارة الدولة ومعالجة الظروف الصعبة وإنتشار الفساد والمحسوبية والمنسوبية. أعدنا حساباتنا من جديد وفق معايير الحقل والبيدر. فإختلفت قناعاتنا عما كانت عليه. وساورتنا الظنون أن السيد المالكي لم يكن ترشيحه بقائمة دولة القانون دون تحالف مع الغير من التكتلات الطائفية ما هو إلا تكتيت مرحلي. و إعتبره البعض إحتيال على الناخب وخداع له.
يستفيد الساسة من تجارب من سبقهم فيبتعدوا عن الخطأ, ويتجنبوا الوقوع في أخطاء تنهي حياتهم السياسية. وهنا أريد أن أتحدث عن تجربة السيد نوري المالكي في الحكم وتجربة السيد نجم الدين أربكان في تركيا والأثنان ينتميان للمدرسة الأسلامية السياسية. أربكان هذا المهندس البارع خريج جامعة أخن الألمانية الذي إبتكر وطور صناعة محركات الدبابات وأسس المصنع الفضي لمحركات الديزل.
أنشأ هذا الرجل العظيم حزب النظام الوطني عام1970 ذا النزعة الأسلامية وأصبح نقيبا لإتحاد النقابات التجارية ثم عضوا في مجلس النواب, ولكن حزبه لم يصمد أمام العسكر الذين لا يسمحون بإقامة أي حزب ذي نزعة دينية فحلت المحكمة الدستورية الحزب ,لم يتخاذل أربكان ولم ييأس فأسس حزبا جديدا بإسم حزب السلامة الوطنية وفاز بخمس مقاعد مجلس النواب وأصبح نائبا لرئيس الوزراء بولند أجاويد وأظهر مواقف التأييد لمواقف العرب والمسلمين من قضاياهم المصيرية.
ثم قام العسكر بإنقلاب عسكري و زج هذا الرجل السجن وخرج منه بعد3سنوات في عهد حكومة غوزال و لم ييأس فأ سس حزب الرفاه عام1983 وواصل الجهد حتى فاز بأغلبية مجلس النواب عام1996 ليصبح رئيسا للوزراءبالتحالف مع تانسو جلر زعيمة حزب الطريق القويم وإنفتح على العالم الأسلامي وشكل مجموعة الثمانية الى جانب تركيا إيران وباكستان وأندنوسيا ومصر ونايجيريا وبانكلادش وماليزيا.
ومن حصافته السياسية وبراعته زار إسرائيل لدعم التعاون العسكري لضمان سكوت الغرب عن قيام حكم إسلامي جوار إسرائيل.وليأمن إستمرارية حكمه لتحقيق أهدافه السياسية .
ولم يقتنع الجيش بذلك فقام بإنقلاب عسكري عام 1998 وحظر الحزب ومنع أربكان من مزاولة أي نشاط سياسي. ولم ييأس أوربكان وأسس حزب الفضيلة بزعامة أحد أعوانه يديره من خلف الكواليس. وتم حضر هذا الحزب أيضا. فعاد أوربكان وأسس حزب السعادة ولكن الجيش إعتقله ولفق له التهم وعمره77سنة ولم ييأس. ولكنه سلم الراية الى رجب طيب أوردغان بكل وطنية وشجاعة ونكران للذات ولم يعمي بصيرته بريق كرسي الحكم ولم تغلب عليه شهوة السلطة. وها هي مسيرة أربكان مستمرة وماضية في الطريق المرسوم ووفق العقيدة والمنهج. وها هيّ جهوده الوطنية تفرض نفسها على الساحة التركية والدولية وتثمر فلقد إستعادت تركيا مكانتها الدولية وإنتقلت نقلة نوعية في مجال الديموقراطية وتمّ تحجيم تدخل الجيش في رسم سياسة تركيا ونهض الأقتصاد التركي بشكل مدهش يثير الأعجاب .هذه تجربة تستحق من الأستاذ المالكي الدراسة و التبصر بها والأقتداء.
هكذا يتصرف العباقرة ويستمر فكرهم ويتطور حيث واصل رجب طيب أوردغان ما بدء به نجم الدين أوربكان ,وها هيّ تركيا بموقعها الجديد المتميز وإقتصادها المزدهر.
أننا نتوخى في السيد المالكي الحكمة والتعقل وحب الوطن والأستفادة من دروس الآخرين وتجاربهم . فلماذا التمسك بكرسي الحكم مع تأكده إنه لم يعد بإستطاعته تقديم شيءللشعب, وإن كل يوم يستمر فيه على سدة الحكم فيه ضرر كبير للعراق وأهله وإنهاءا لدور حزبه ومستقبله السياسي.لنقل إن هذا الرجل لم يفشل في إدارة دفة الحكم والنهوض بالبلاد من كبوتها ولكن بالتأكيد إنه لم يوفق ولم يحالفه الحظ ولم تسمح له الظروف بذلك . قد يكون هذا الرجل يستمع الى آراء من يحيط به ومنهم من يحسده على المنصب ويرنو بعين الطمع لأحتلاله .وقد يكون هؤلاء هم من يحث الرجل على هذا المواقف الغريبة , التي ليست بصالحه وليست بصالح الشعب,كما أشاروا عليه بالعديد من الأمور كمهلة ال100 يوم وتاليف وزارة مترهلة عاجزة فاسدة , ثم الترشيق ,وهكذا دواليك من حيل سياسية وألاعيب تكاد تكون بهلوانية مفضوحة.لو سأل السيد المالكي نفسه بمراجعة موضوعية وتجرد من العواطف والعلاقات ماذا حقق له من إئتمنه على الملف الأمني ثم كلفه بالتفاوض مع بقية الكتل السياسية للخروج من إزمة الوزارات الأمنية والفراغ الأمني لفراغ وزارتها من الوزراء ؟وماذا حقق له في حل بقية الأشكالات الآخرى مع تلك الكتل؟ لا شيء سوى مزيدا من تردي الأمن وإرتفاع نسبة البطالة و التشنج وزيادة الخلافات مع بقية الكتل بإضافة خلافات أخرى والدخول في أزمات جديدة.
وقد يتوجس بعض من مستشاريه خيفة من فقدانهم إمتيازاتهم التي هبطت عليهم بغير حق. والغالبية منهم أثروا وتمتعوا بإمتيازات ومكا سب حرم منها نظراء لهم هم أكثر كفاءة منهم من أبناء الشعب لعدم صلتهم بهذا الحزب أوذاك.لذا يحثه هؤلاء المستشارون على الأستمرار بهذا النهج الذي لم نجن منه إلا إضطراب امني وفساد مالي وإداري وتردي خدمات وتعطيل للماكنة الأقتصادية .
إن الحكمة تقتضي وجود السيد المالكي اليوم على رأس المعارضة ليكون رقيبا وحسيبا مؤتمنا على مصالح الشعب, لا على مصالح المستشارين وأعضاء الحزب.وهذا أفضل ألف مرة من ترؤسه حكومة كسيحة بوزراء فاشلين فرضتهم عليه كتل سياسية تسعى للإيقاع به.وما ستبع ذلك من مجلس السياسات الستراتيجية الذي سيسلبه جل صلاحياته ويضع العصي في طريق ما يخطط ويهدف .إن كان لديه خطط.و أن مسقبله السياسي يكمن في المعارضة لا في الحكم .ولن ينوبه من سدة الحكم إلا ترصد الغير للأخطاء وإقتناص السهو والزلل .
إن كان السيد المالكي و حزبه يؤمنون بأن مصلحة الأمة في حكومة حزب الدعوة. فهذا خطأ قاتل له ولحزبه . حيث فشلت حكوماته في تحقيق أي مطلب من مطالب الشعب الملحة. وإن إستمراره في إدارة البلاد من خلال حكومات محاصصة خائرة القوى يشاركها مجلس سياسات ستراتيجية غير واضح السلطات والمسؤولية ضبابي الأهداف مضر بالأمة . وستنعكس الأمورحتما عليه ويحمله الشعب النتائج؟ فهل غاب عن حصافته هذا الأمر؟وهل سيضحي بمسقبله السياسي ومستقبل حزبه جراء إمتثاله لنصيحة جاهل أو طامع أومتربص هفوات ليحتل بخبث ولؤم موقعه.
إن أربعة مواقف للسيد المالكي شابها التناقض لم تكن بصالحه وفيها مؤشرات على التذبذب السياسي والأرتباك وهي:
أولا:كان من المفترض أن يدعو لإنتخابات تشريعية(مجلس النواب) مبكرة ويقدم إستقالة الحكومة عندما قدم وزراء بعض الكتل إستقالاتهم من مجلس الوزراء في الدورة السابقة وبهذا نكون قد إختصرنا الزمن ووضعنا العراق على طريق تشكيل حكومة أغلبية لا حكومة محاصصة .تسببت في إلحاق الأذى بالبلاد.واليوم تشكل حكومة محاصصة مترهلة لا تهش ولا تنش ثم يطلب الترشيق .
ثانيا: التراجع عن المحكمة الدولية التي طالب بها رغم كونها تعني الكثير للعراقيين لا سيما إن العديد من القوى السياسية المشاركة بالعملية السياسية وغير المشاركة وحسب ما نسمع من مصادر رسمية أتهمت بالمشاركة في الأرهاب ودعمه.وإن دولا سمتها حكومته بدول دعمت الإرهاب ومارسته وهو أعلم من وراء الثلاثاء الأسود.و كان من الأجدر الكشف عنها حرصا على الشعب والوطن, ووضع النقاط على الحروف.إن من أراد ولمح طالبا محاسبته وتحميله مسؤولية الثلاثاء الأسود يومها يغض الطرف عنه اليوم وهو يذبح شعبه إرضاءا لدولة جارة أخرى يتهمه البعض بالولاء لها.و التراجع عن المطالبة بمحكمة دولية يثير التساؤلات.
ثالثا: عودته للتحالف على أسس طائفية بعد أن إبتعد عنها تكتيكيا ولمرحلة محدودة مخطط لها. وهذا يفسره البعض إن الكرسي أهم عنده من البلاد ومصالحها.
رابعا: تمسكه برئاسة الوزراء ولو بثمن لا يرتضيه الشعب وليس بصالحه كتشكيل حكومة محاصصة مترهلة عاجوة مشلولة يسمونها حكومة شراكة وطنية ,والتي ما هيّ إلا حكومة تشارك في الغنائم. لم يجن منها الشعب سوى تكرار ما مضى بكل ما فيه من سوء هو أعرف به.وهذا لن تغفره له الأمة. ويحسب عليه و ليس بصالحه وصالح حزبه .
إضافة الى أمور أخرى تحسب عليه كتفشي الفساد والأداري والتستر عليه من قبل العديد من المسؤولين والمتنفذين.
نتمنى عليه وحبا بالبلاد وأهلها الطيبين أن يستغني عن هذه الأعواد الخشبية (كرسي الحكم) ويلتحق بشعبه, ويتبنى أمر تعديل الدستور وقانون الإنتخابات, ويرأس معارضة هيّ عين العراق على الحكومة وسلطته التنفيذية. نتمنى عليه أن يضع العراق أولا نصب عينه, لا على كرسي الحكم كما هو الحال الآن , و يفوت هذه اللعبة على من يريد بالعراق وأهله الشر. ويدعهم يقعوا في الخطأ ويستلموا هذا الكرسي بمشاكله الموروثة منذ عقود.إن تصدره المعارضة في البرلمان وترك الحكم لغيره فيه مستقبله السياسي ومستقبل حزبه وفيه الخير للبلاد الذي نحرص عليه, وهوالأفضل من الإستمرار بحكومة محاصصة رأسها ستة سنين أضرت البلاد وخربتها ولم تنفعها بشيء. إن معيار ومقياس وطنية السياسي وإنتماءه للعراق هو تبنيه تعديل الدستور وقانون الإنتخابات وحل هذا البرلمان الذي عجز عن إصلاح الدستور وتغييره وإعداد قانون إنتخابات جديد عادل منصف ليس كما هوعليه القانون الذي أوصل لقبة البرلمان مجلسا عاجزا مفككا لا قدرة له على حل مشاكل العراق ومعضلاته, سيما وإن حزب السيد المالكي و كتلته هي من ساهم وأعد للدستور الكارثي وقانون الأنتخابات المجحف, , فهل له أن يقتدي بخطى نجم الدين أربكان ويعتزل الحكم ؟ ويتقدم بشجاعة ويقدم إستقالة هذه الوزارة أم إن كرسي الحكم والسلطة أغلى عنده من الشعب والوطن؟ وفق الله كل من يرى العراق بعين الحب والولاء.وفق الله الجميع.

*****
مقالات أخرى للكاتب

 

 

 الثلاثاء 23 -8- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان