home
tri
tri
focus
إنزعوا أقنعة الزيف

إنزعوا أقنعة الزيف

توفيق الدبوس

tmazyad@yahoo.com

برزت في الساحة السياسية أحزاب وتجمعات منطلقة من الشريعة الأسلامية وهيّ تهدف بالتأكيد الى إقامة دولة الخلافة الأسلامية, أو دولا أو إمارات إسلامية تبنى وفق المنطلق الشرعي الأسلامي. وهذا حق لا جدال فيه ولا إعتراض لأحد عليه .مادام هذا يتم وفق صناديق الأقتراع ووفق القواعد الديموقراطية, ولا يلغي حق الآخرين في رؤاهم السياسية أو العقائدية ويأخذ بعين الأعتبار النسيج الوطني الأنساني و القومي منه والديني والمذهبي.
ولكن ما يؤاخذ عليه زعماء هذه الأحزاب والكتل خداعهم الجمهور وإرتدائهم أقنعة زائفة يخفون فيها حقيقة نواياهم والإدعاء بالديموقراطية والليبرالية والأدعاء إنهم لا ينوون إقامة دولة دينية و هذا يخالف الأيدلوجية التي ينطلقون منها وشكلت أحزابهم وفق أفكارها .واللافت للنظر إن هذه الأدعاءات سرعان ما تنكشف كما حدث في دول كثيرة حيث يطفو على السطح في كثير من الأحيان تصريحات لهؤلاء بأنهم ينوون إقامة الدولة الأسلامية.
وقد حصل عندنا في العراق ذات الشيء حينما إنفصلت بعض الاحزاب عن إئتلافات مذهبية طائفية في الأنتخابات البرلمانية لتشيع في الأوساط الشعبية إنها نأت بنفسها عن الطائفية ولكنها سرعان ما عادت بعد ظهور نتائج الأنتخابات الى التكتل الطائفي التي أؤسست عليه وسارت على منواله. فلا يعقل أن يكون حزبا إسلاميا في ذات الوقت حزبا ليبراليا علمانيا ديموقراطيا. وهذا كعريض اللحية الذي يتظاهر بانه أكوسها . وهل يجتمع الصيف والشتاء على سطح واحد؟ هذا خداع واضح ولا ينطلي إلاعلى السذج والهبل.وقد كشفت الشعوب هذه الخدع البلهاء وسقطت الأقنعة الزائفة وإنكشف المستور من الحقائق والمخبأ من الأهداف.
عندما رأى زعماء قريش إصرار الرسول الكريم محمد(ص) وإنتشار الأسلام عملوا على مقاومة هذا وإتباع سبل التعذيب والأذى بالضعاف من المسلمين. وخاصة العبيد ليحولوا دون إسلام المزيد من العامة. فكان من صور التعذيب أن يعرى صدر المسلم ويطرح فوق الرمال المتوهجة من شدة حرارة الشمس, وتوضع على صدور المسلمين الصخور الثقيلة , ويمنع عنهم الماء والطعام, وتقيد أيديهم وأرجلهم بالحديد , ويجلدون بالسياط جلدا شديدا. فزهقت أرواح العديد منهم.ومن الذين تعرضوا لهذا العذاب ياسر وزوجته سمية وإبنهما عمار, وبلال بن رباح, وخباب بن الأرت .فكان المشركون من قريش يخرجون ياسرا وسمية وإبنهما عمار الى الأبطح إذا حميت الرمضاء . ويعذبوهم كما أسلفت . فيمر رسول الله فيقول : صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة .
وخطا المشركون خطوة أخرى حتى شمل التعذيب جميع المسلمين دون تمييز فطال ذوي الثراء والجاه والقوة كأبي بكر وعثمان والزبير وطلحة وأبي عبيدة. فقد شدّ نوفل بن خويلد وكان يسمى أسد قريش أبا بكر وطلحة القرشيين بحبل واحد. وعذب أبو أحيحة إبنه خالد بن سعيد بن العاص. فكان يضربه بقراعة حتى يكسرها على رأسه. ثم يأمر بحبسه ويضيق عليه. فيجيعه ويعطشه في حر مكة حتى مكث في حرها ثلاثا ما ذاق ماء.
أما ما تعرض له الرسول الأكرم من أذى قريش فليس بخاف ويفوق الوصف.وما تعرض له بنو طالب من حصار في الشعب ومقاطعة وبلاء وأذى من قريش كتبت عنه المجلدات.
ونصر الله رسوله والمسلمين وتقدمت قوافل الفتح لفتح مكة .وحلّ النبي في الإيواء وهو في طريق الفتح. فلقيه أبو سفيان وعبد الله بن أبي أمية .فأعرض عنهما الرسول لما كان يلقاه منهما من شدة الأذى. فقال الأمام علي عليه السلام لأبي سفيان:أئت رسول الله من قبل وجهه. وقل له ما قال أخوة يوسف ليوسف:تا الله لقد آثرك الله علينا وإن كنا مخطئين.فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا. ففعل أبو سفيان فقال له الر سول :لا تثريب عليكم, اليوم يغفر الله لكم, وهو أرحم الراحمين.
وتقدمت الجيوش المظفرة وتقدم الزبير حتى نصب راية رسول الله بالحجون وضرب له هناك قبة فأقبل الرسول والأنصار والمهاجرين بين يديه ,وخلفه ومن حوله, حتى دخل المسجد الحرام. فأقبل على الحجر الأسود فإستلمه, ثم طاف البيت وفي يده قوس وهو يقول: وقل جاء الحق وزهق الباطل, إن الباطل كان زهوقا. ثم صلى ودار في البيت وكبر في كل نواحيه, ثم فتح الباب وقريش قد ملأت المسجد صفوفا ينتظرون ما يصنع بهم. فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له , صدق وعده, ونصر عبده, وهزم الأحزاب وحده, ألا كل مأثرة أو مال أو دم فهو تحت قدميّ هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.ألا وقتيل الخطأ شبه العمد ,السوط والعصا ففيه الدية مغلظة, مائة من الأبل ,أربعون منها في بطونها أولادها ,يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ,الناس من آدم, وآدم من تراب .(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا, إن أكرمكم عند الله أتقاكم ,إن الله عليم خبير.ثم قال يا معشر قريش, ما ترون إني فاعل بكم؟قالوا :أخ كريم وإبن أخ كريم فقال:اليوم فإني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته:لا تثريب عليكم, إذهبوا فأنتم الطلقاء.
هكذا تعامل الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع من حاربه وآذاه.فهل تعلمنا منه شيئا وتناسينا الماضي وما قبل 9/4/2003 وتركنا الأمور للقانون يأخذ مجراه مع من أجرم أو إرتكب جنحة ووفق القوانين العادلة بدون تمييز بين هذا وذاك, لصلة قربى أو إنتماء حزبي جديد شفع له, أو طائفية عمياء.أليس الكل سواسية أمام القانون ؟فلما التمييز فهذا مجتث وذاك من نفس الشاكلة ولكنه في مناصب رفيعة ودوائر سيادية أو أمنية؟هذا نجتثه اليوم ويصبح بريئا غدا بقدرة قادر.والآخر يغرق في النعيم ويتقلد أرفع المناصب.ولكن أعدادا غفيرة من المواطنين المنتمين سابقا للحزب الحاكم سابقا إجتثوا وحرموا حتى من الرواتب التي هي مصدر العيش.لأن الحظ لم يسعفهم فينتموا للأحزاب أو الكتل النافذة المتحكمة في كل شيء.
لقد أهينت العدالة وأهين القانون عندما يجرّم فلانا بالأمس بالإرهاب وتسحب منه الحصانة من عضوية مجلس النواب ويصبح بعد حين بريئا . ويتبوأ منصبا مهما في الدولة.
القانون سادتي لا يفرق بين هذا وذاك. فإما مجرم مدان أو بريء والقانون المحايد المهني هو الحكم لا القانون المسيس أو وفق المصالح والأهواء والصفقات السياسية التي تعبث بالبلاد والعباد. ولا يمكن أن يكون الشخص أكوس اللحية وعريضها في آن واحد فإما أكوس أو عريض اللحية.
لا يمكن إستقرار العراق إلا ببدء صفحة جديدة وتناسي الأحقاد أسوة برسول الله. وإستفادة من تجارب الشعوب كجنوب أفريقيا التي مرّ شعبها بأسوء تمييز عرقي وإضطهاد , وها هو شعبها ينعم بالسلام وتفرغ للبناء بعد أن قاده حكيم متعقل (نلسن مانديلا). والمثال الآخرشعوب الأتحاد السوفييتي المنحل وأوربا الشرقيه, فكلها مرت بما مررنا به من إضطهاد وتمييز وقهر. ولكن من أجل مستقبل الأجيال حكّمت هذه الشعوب العقل و القانون وتناست الماضي والأحقاد. وسلكت طريق التعايش السلمي والديموقراطية للجميع, دون تهميش أو إقصاء. فلم يحل الحزب الشيوعي في تلك الدول ولم يقصى من الحياة السياسية.ولم يقصي الأفارقة السود المستوطنين البيض في جنوب أفريقيا بل تآخوا وبدأوا صفحة جديدة.وسيحصل هذا عندنا أيضا ولكن بعد مزيد من المعاناة حيث سيتأخر عقلاؤنا عن تفهم هذا بالوقت المناسب .أليس الوئام والتصافي أجدى من دوامة العنف التي حرقت الأخضر واليابس؟ أما آن الأوان لهذه المطحنة البشرية أن تنتهي ويتوقف معها سفك الدماء والتعطيل الكامل لكل نمو وتحضر؟
لم تعد الخدع والألاعيب السياسية خافية. وما الصراعات والأزمات التي تعصف بالعراق إلا لمصالح حزبية أو طائفية أو عرقية لا علاقة للعب بها ولا له مصلحة فيها .وهي بعيدة كل البعد عن المبادئ الوطنية والأخلاقية. والثمن دماء العراقيين وتشردهم وضياع مستقبل الوطن وشعبه. فالمصالح والأهواء وحب السيطرة والأستحواذ على السلطة وإقصاء الآخرين هي كل ما تمتلكه هذه الأحزاب والكتل المخادعة فلتتقي الله في شعوبها ولتعد لجادة الصواب. وتنزع الأقنعة الزائفة. فهي الأسلم لها ولمستقبلها السياسي.

*********

مقالات أخرى للكاتب

 

الثلاثاء 15 / 5 / 2012
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان