home
tri
tri
focus
الترييف..مؤامرة أم سذاجة ؟

الترييف..مؤامرة أم سذاجة ؟


توفيق الدبوس


tmazyad@yahoo.com


تطورت المجتمعات البشرية منذ خلق البسيطة وتواجد الأنسان على البسيطة حتى وصلت الى مرحلة العولمة, بعد أن تجاوزت مراحل البداوة والرعي والريف ثم حياة المدينة بخواصها المعروفة.وهذه هيّ سنت التطور وإفرازات الحراك البشري ونتاجاته الأنسانية .والغالب هو التطور عند كل الأمم والشعوب نحو الأحسن حيث الإستقرار والنمو الأقتصادي والتمتع بمباهج الحياة التي وهبها الله للبشر,مقرون هذا بتمكن الأنسان من إرادته وتملكه لها, وحرية فكره ومعتقده وحقه في التعلم والصحة والخدمات الضرورية التي تتطلبها الحياة الأنسانية الكريمة.
أما العودة للوراء ومن مرحلة التمدن والحضارة الى مرحلة الريف(العشائرية) وترييف المجتمع وإبعاده عن كل صور الرقي والحداثة فهذا ما لا تقره كل الأعراف وعلوم المجتمع ومنطق التطلعات الإنسانية للتحضر, وخاصة بعد التطور العلمي الهائل و السريع والذي أصبحت مواكبته من الضروريات وماالتخلف عنه إلا خطل كارثي.
وإن أي تخلف عن مواكبة التطور المتسارع معناه الضياع والمتاهة في بحر لجج من الظلمات , ويومها لن ينفع الندم لهاث من تخلف ويلحقه بالمسيرة الأنسانية المتسارعة . غالبيتنا تنتمي لعشائر وقبائل نفخر بها ونعتز لما إتصفت به هذه العشائر والقبائل من خصال حميدة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وإقراء للضيف وحماية للجار.ولكن هذا شيء و مصلحة الوطن في وحدته ومضيه الى الأمام في طريق الرقي والتمدن والحضارة شيء آخر.
إن في عشائرنا وقبائلنا من الشخصيات الفنية و العلمية والأكاديمية والثقافية ومن الجنسين ما نفخر به ونعتز. فلماذا تهميش مثل هذه الكفاءات والطاقات التي تفتقدها شعوب أخرى؟ وجعلها في الصفوف الخلفية وتفضيل آخرين دونهم علما ومنزلة لأسباب ما هيّ إلا تعزيز لسلطة أو مراكز حكومية يستأثر بها وصوليون منتهزو فرص بغير حق.
وبعد كل هذا التطور الذي حصل للكيانات البشرية من حيث الرأي والفكر وإختلافه في كافة مناحي الحياة وبصورة ديموقراطية, ولحاجتنا الى لحمة وطنية حداثية وضرورية مطلوبة في ظرفنا الحالك بالظلام هذا, لما نمر به من أزما ت وعدم إسقرار وتردي كامل في كل جوانب الحياة . صار لزاما و من الحكمة الخروج من المجتعات الأبوية التي يكون فيها الرأي لسيد العشيرة الذي يعني إلغاء الرأي الشخصي وحرية الفرد التي هيّ أساس كل مجتمع ديموقراطي.
صار لزاما أن يتقدم المسيرة الوطنية المثقفون والأكاديميون ومحبو الحرية وأصحاب الفكر الخلاق للوصول بسفينة الوطن التي تبحر بأمواج متلاطمة من الأزمات الى بر الأمان,ولا مناص من ذلك لإنقاذ البلاد.بعد التحول الفعلي من المجتمع الأبوي الى المجتمع المدني الحديث بمعنى الكلمة.
إن كيانات بشرية أعطتنا مثلا في تفاعلها مع التطور الأنساني فإنطلقت من القبلية الى الوحدة الوطنية ثم من الوحدة الوطنية الى القومية ثم تحولت من القومية الى الفضاء الأنساني. تحركها في ذلك مصالحها الأقتصادية والأنسانية ومستحدثات العصرنة. ومن هذه الكيانات التي أعطتنا مثلا حويا رائعا هيّ الشعوب الأوربية. حيث إنتقلت من القبلية عندما كانت قبائل متناخرة الى الوطنية ثم من القومية التي قادتها لحروب عالمية مدمرة الى العولمة. بعد أن وعت الدرس وهضمته . فغيرت المسار لما فرضته عليها مصالحها الأقتصادية التي تتطلب إنفتاحا إنسانيا عالميا. فدخت العولمة من أبوابها العريضة فشكلت بداية الأمر السوق الأوربية المشتركة, ثم الأتحاد الأوربي ومؤسساته وهو المكون من دول ذات أعراق وأجناس وقوميات مختلفة كانت متصارعة متحاربة.إتحاد لكافة دول أوربا ببرلمان وسياسة خارجية موحده وإقتصاد يشد أزر بعضه البعض يسنده ويقومه.وبهذا خرجت من الظلمات الى نور الحضارة والعلم والثقافة والأستقرار والتمتع بالحقوق والواجبات الأنسانية
أما نحن فنبحر عكس التيار الأنساني الحديث. نعود بفضل ساستنا الى الوراء الى العشائرية والقبلية, بإنحدار إنساني ووطني لا سابقة له بتاريخ الشعوب ولا مثيل. وكل هذا من أجل الحفاظ على كراسي السلطة وشهوة الحكم التي تحكمت بهم. والغرض واضح هو التسلط وإلغاء الأرادة الشعبية ونهب أموال الشعب والأخذ به الى الهاوية.
فأحزابنا وكتلنا السياسية الحاكمة المتشاركة في السلطة , وبلا إستثناء تسعى بمجتمعنا سعيا محموما لترييفه والعودة به الى عصر العشائرية والقبلية.فحرفت مسار بعض عشائرنا الكريمة الأجتماعي والوطني بتسييسها وزجها في صراع سياسي ليس هو دورها الذي إعتدناه . و قد ساهمت الأحزاب السياسية والدولة بهذا الأمرفنرى مؤتمرات عشائرية وقبلية ترعاها الدولة ويحضرها السيد رئيس الوزراء.مؤتمرات ظاهرها عشائري وباطنها سياسي .وأسست مجالس وميليشيات مسلحة. منها ما يسمى الأسناد وأخرى الصحوات بدعوى توطيد الأمن. ونسيت الدولة وحكامها والمهيمنون على أمر البلاد, إن توفير الأمن مسؤوليتها وحدها دون الغير وأن هذه المجالس والصحوات ما هي إلا مشاريع سياسية لدعم إحتكار السلطة. ضررها أكثر من نفعها والضرر أكبر على الأمد البعيد.
إن إثارة النعرات العشائرية ليس بالأسلوب الجديد على العراق فنفس من يسمون زورا بالشيوخ والذين كانت لهم مهرجانات (هيبة وصدر ديوان )وأبطال وثائق البيعة بالدم كما يزعمون. هم هم أبطا ل المظاهرة المضادة للإحتجاجات التي نظمت في ساحة التحرير يوم 10 حزيران الماضي للمطالبة بالأصلاح والتغيير بعد إنقضاء مهلة المئة يوم التي حددها السيد رئيس الوزراء لمحاسبة المقصرين. فقد جاءت بهؤلاء الشيوخ المزعومين باصات الدولة بدعوى لقاء السيد رئيس الوزراء .لكنهم وجدوا أنفسهم في ساحة التحرير, لترديد هتافات لأفشال الأحتجاجات التي هيّ ظاهرة صحية ديموقراطية كبديل عن فقدان المعارضة الفعلية في مجلس النواب. وهذا هو نفس أسلوب الحكام الديكتاتوريين في ليبيا وسوريا واليمن, وسبقهم نظام حسني مبارك في واقعة الجمل في ميدان التحرير .فالفاشلين ومتصيدي السلطة هم من يلجأ للعشائرية. وبعض من القبلية تؤازرهم في غاياتهم الغير مشروعة.وما السياسي الذي يتكؤ على العشائرية إلا فاشلا متخلفا ضعيف الحجة والمنطق خاو من أي حصافة وحنكة وعقلانية,فلو كان عنده شيء من المؤهلات المطلوبة لما عزف على وتر العشائرية أو القبلية أو الطائفية.
أصبحت العشرنة مألوفة في دوائر الدولة ووزاراتها. ففي كل وزارة نجد أخوة الوزير وأبناء عمومته وعشيرته في كل مفاصل الوزارة وكأنها ضيعة من ضياع هذا الوزير أو المحافظ أو المسؤول. ولطالما سمعنا بقضايا فساد مالي في هذه الوزارة أو تلك والمتهم فيها أخوة الوزير او المحافظ أو أبناء أخته أو أبناء أخواته.وهذا الأمر أصبح عاديا وعلى رؤوس الأشهاد وقد تحدثت عنه وسائل إعلام عديدة ولم تضع الدولة له حدا بشكل فعلي . ولم نسمع بمعالجة جادة له .وما حدث في وزارة التجارة ومحافظة بغداد فيه ما يكفي ويعزز ما نقول .
ولقد أساء هذا الأمر للعدالة وتطبيق القانون في البلاد. فالقاضي يخشى العنف العشائري إن حكم على جاني, وشرطي المرور لا يستطيع تنفيذ واجبه ومحاسبة المخالفين لتهديدهم إياه بالعشيرة, والموظف يجبر على تمشية معاملة خلافا للقانون والتعليمات خوفا من عداوة العشيرة. الكل يخاف العشيرة ولا يقيم وزنا لقانون أو يأبه به .
يضطر الناس للحل العشائري ولا يراجعون محاكم أو مراكز شرطة لأنها لا تستطيع تحقيق العدل لهم ولا تمكنهم من الحصول على حقوقهم وإنما العشيرة هيّ القادرة حقا أو باطلا.فمن هو يا ترى المسؤول عن كل ذلك؟لا شك إنهم السلطويون
وبات معرفا إن مقاه في بغداد يجتمع فيها اشخاص إمتهنوا المشيخة زورا , وما هم بشيوخ. يتقاضون أجورا باهضة ومعهم معاونون لهم . يلجأ لهم الناس الذين إبتعدوا لظروف معينة عن العشائرية لمساعدتهم والأدعاء بإنتسابهم لهذه العشيرة أو تلك.لأن الدولة ومفاصلها لا تستطيع إنصافهم و حمايتهم ممن يهددهم ويعتدي عليهم أوأخذ حقوهم ممن إغتصبها.
هل سألت الدولة نفسها هل يستطيع موظف بلدية رفع تجاوز في أي ناحية أو قضاء ولماذا لا يستطيع ذلك؟
إن الأقاويل كثيرة عن مطالبة عشيرة ما بدية سارق قتل في دار لمسروق ,ودية آخر حاول سرقة محرك كهربائي(ماطور) من أحدى الدور فصعقته الكهرباء ومات, ولكن العشيرة تطالب بديته لأن في شريعتهم إن صاحب الدار هو المتسبب في مقتل السارق . ولا بد له من دفع دية هذا السارق فقد قتل مصعوقا في داره.و عشيرة السارق تهدد بالإنتقام ولا قدرة لصاحب المنزل على ذلك فيدفع صاغرا ما تطلبه عشيرة السارق..
يا ترى من أوصل العراق الى هذه الحال ومن هو المسؤول عن ترييف المجتمع هل هيّ مؤامرة أم سذاجة؟
ألغت ثورة 1958 قانون العشائر لأن الحضارة والتمدن يقتضي أن يسود المجتمع قانون واحد. والمجتمع واحد فكيف عدنا الى الوراء نصف قرن ولمصلحة من هذا؟
قال الأمام جعفر الصادق (ع)قبل ألف وثلثمائة سنة تقريبا (لو تكاشفتم لما تباغضتم)فتعالوا نتكاشف هل يتم الدخول للدولة الحديثة من باب العشائرية والقبلية والطائفية والعرقية أم من أوسع أبوابها باب الحداثة والعصرنة والتوحد؟
الأحزاب في العراق إما دينية وهذه حائرة في أمرها . أتنتهج المنهج الذي تأسست من أجله وتسعى لأقامة دولة دينية؟ أم تنخرط في العمل الليبرالي الذي ينشده الشعب؟ فأضاعت الطريق وتفكأت في مسيرتها وسلكت الطريق العشائري. لتحكم السيطرة على الدولة. فساهمت بشكل فعال في ترييف المجتمع لفشلها السياسي وعجزها عن تحقيق المطالب المشروعة للشعب بتوفير الأمن والخدمات وفرص العمل لشباب الأمة .فتسترت على الفساد وعالجته بفساد أشد وأخطر .
أما الأحزاب العلمانية والليبرالية فمع الأسف الشديد تقولبت على نفسها ولم تتطور وتماشي العصر وضعفت علاقتها بالشعب وإنكمشت. فقيادتها كلاسيكية والبعض منها وراثية ومناهجها كما هي منذ قرون بلا تجديد ولا تحديث. ليس عندها إلا أن تلوك الماضي وشعاراته الممله, والتي لم تعد تصلح للمجتمعات الحديثة وتطلعات الشباب . وبدل أن تأتلف بينها وتوحد كلمتها راحت كغيرها تلهث وراء مقاعد في مجلس النواب فتحالفت مع الأحزاب الدينية وتكتلاتها لتحصل على نصيب من الكعكة بالحصول على مقعد واحد فخفت صوتها . فأمست وكأنها في خبر كان.
فمن المسؤول؟أهيّ مؤامرة على شعب العراق أم سذاجة السياسيين ؟
وهنا لا بد من التفكير بعمق ومسؤولية هل يصح البقاء على هذه الحا ل؟ أم إن الطبقة المثقفة وبخاصة الشباب هيّ المسؤولة اليوم وعليها تحريك المياه العراقية الراكدة؟ لماذا تحركت الشبيبة في الوطن العربي كله وبقيت شبيبتنا صامتة في العراق, إلا من النزر اليسير من الشباب الذي لم يجدوا سندا لا من مثقفين ولا من غيارى المجتمع؟ فلماذا هذا الصمت؟ فهل لا يزال الشباب يعولون على الطبقة السياسية الإنتهازية الممسكة باطلا بالحكم لتحقيق ما يصبون إليه؟ وقد بان المستور من خلال تجربة 9سنوات من هيمنة سياسيين وكتل على مقادير الأموروتغييب إرادة الأمة بدستور سنوه وصمموه لمصلحتهم وقانون إنتخابات بعيد كل البعد عن الديموقراطية ومشروعية تمثيل الشعب, يوفر لهم البقاء غير المشروع بالحكم والأستحواذ على مقاعد مجلس النواب, ضاربين المصلحة الوطنية عرض الحائط.
وليس من المعقول أن نرى بلادنا يمضي بها مزورو الشهادات وفاقدو الوطنية تجار السياسة وصناع الكلام الى الحضيض والتخلف , وشبابنا لا يتحرك .ويصمت مثقفونا, ومن بيده تحريك الأمور بأي صفة إتصف بلا حراك ولا يعنيه أمر.
فهل ترييف المجتمع العراقي والعودة به لما قبل التأريخ مؤامرة أم سذاجة ؟؟؟ ولمصلحة من هذا؟؟؟؟؟؟

******

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 السبت 9 -7- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان