home
tri
tri
focus
أكذوبة الحدود

أكذوبة الحدود



عبدالرزاق الربيعي

لعل أبرز ما يدركه العربي الذي يزور أوروبا أن الحدود الدولية ليست سوى أكذوبة صنعتها الدول الأوروبية , وصدّرتها لنا ثم تخلت عنها , فتمسكنا بها , نحن العرب الذين التفت على رقابهم أنشوطة معاهدة سايكس-بيكو التي وقّعت سريا عام1916 م بين فرنسا والمملكة المتحدة بعد انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى ,وجرى على ضوئها رسم الحدود على خرائط حزننا , فصدّقنا الأكذوبة ,التي تحمست لها الحكومات العربية المتعاقبة وصارت تعلي يوما بعد يوم أسيجة الحدود , وتعزّزها بنقاط تفتيش وشرطة ومطبات وعوارض متحركة وأسلاكا شائكة وأجهزة حديثة ترصد أدق تجاوز يمكن أن يحصل على تلك الحدود التي صارت بنظرها "مقدسة" ,تهون دونها الأرواح والأبدان ووووو
ومن شاهد فيلم "الحدود "لدريد لحام ورغده يعرف حجم المأساة التي يتعرض لها المواطن العربي البسيط حين يقف على الحدود المرسومة بدقة بين بلدين عربيين شقيقين , ويفقد جواز سفره , هذا الدفتر الورقي الملون الذي تحوّل من وثيقة رسمية دولية تثبت شخصية المسافر الى شفرة سرية يمكن من خلالها فتح الأبواب المغلقة أو اغلاقها بأحكام في وجوه أخرى قضى الله عليها بالبؤس , إذا كان من المغضوب عليهم !
ومن المضحك المبكي أن الصديق هيثم خليل المعلق الرياضي المعروف صادف في الطريق شخصا أجنبيا مختل العقل , فقال له:هل تقبل أن أعطيك عقلي وتعطيني جوازك؟
وهكذا صار العربي يبذل الغالي والنفيس من أجل الحصول على جواز سفر أوروبي يحفظ له كرامته ويدفع عنه الذل حين يقف عند الحدود العربية , على اعتبار أن الجواز الأوروبي فوق الحدود , وهكذا خسرنا الكثير من الطاقات والعقول التي هاجرت الى هناك بهدف الحصول على "صك الغفران" كما يسمي الجواز الأجنبي الدكتور عبدالرضا عليّ مازحا ,لأنه يغفر لحامله , كما يرى, كل الذنوب التي قد تواجهه في المطارات وعند المراكز الحدودية ,وما أكثرها في بلداننا !
لقد أتيحت لي مؤخرا فرصة زيارة أربع دول أوروبية "فرنسا وبلجيكا وهولندا والمانيا" ولم يطلب مني أحد جواز سفري بعد دخولي مطار شارل ديغول الفرنسي حيث القت الموظفة الشقراءنظرة خاطفة على التأشيرة وتأكدت من المعلومات عبر حاسوبها وكانت تتحدث مع صديقة لها ,ثم وضعت الختم بالجواز ولم يستغرق الأمر أكثر من نصف دقيقة , فوضعت جواز سفري في جيبي وقلت له :نم هانئا ,قرير العين لاتزعجك كف شرطي ولا مفرزة تفتيش ولا عين رجل أمن مرتابة , مادمت خارج "بلاد العرب أوطاني " وفي ضيافة أوروبا , ولم أخرجه ثانية الا عند مغادرتي المطار رغم انتقالي الى الدول التي ذكرت والعودة ثانية الى فرنسا
هذه الرحلة الحدودية ذات الملمس الحريري ذكرتني بالعناء الذي تعرضت له قبل شهور قليلة حين زرت دولة عربية شقيقة ,فحين وصلت الحدود "عينك ماشافت الا النور" كما يقال حيث أحسست أن استنفارا حدث في المركز الحدودي وكأن أمرا جللا حصل في المكان , غير أني بقيت هادئا , ملأت استمارة ودفعت ضريبة الدخول على حسب الأصول وسلمتها للشرطي الذي فكّر ثم عبس وبسر , وتساءل إن كان يحق لمن مهنته صحفي الدخول وتناقش مع رؤسائه بالأمر, فأعطوه إشارة الموافقة فحمدت الله وبعد أسئلة عن سبب الزيارة ومكان الاقامة ختم جوازي ختما انتزع نفسا عميقا من صدري , ثم زودني ,ذلك الشرطي , بورقة مختومة وقال لي :أعدها لنا عند المغادرة , فحلفت له بأغلظ الايمان إنني سأضعها بين عينيّ تجنبا لحرج سابق حدث معي في زيارة سابقة كلفتني عناء أكثر من ساعة لأن الورقة التي تسلمتها كانت مصورة وليست أصلية , وسمحوا لي بالمغادرة بعد التأكد أن الخطأ كان منهم وليس مني ,لذا وضعت الورقة في قلب الجواز وانطلقت , لكن بعد خروجي من ذلك المركز أوقفت سيارتنا عدة نقاط تفتيش وكلها كانت تحدق في الجواز المسكين الذي كان يرتجف خوفا وهلعا , هذه الحدود لم يكن لها أي أثر في زيارتي الأولى لتلك الدولة العربية الشقيقة قبل14سنة , فحين وصلتها وكنت بصحبة صديقي الشاعر ناصر العلوي لم تصادفنا أية نقطة تفتيش , ولم يطلب مني أحد جواز سفري , فما أن عبرنا مطبا صغيرا حتى وجدنا لافتة ترحب بقدومنا لذلك البلد الشقيق , نظرت الى العلوي فوجدته يضحك لدهشتي , فحمدت الله ساعتها وغنيت بفخر:
بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان
ومن نجدٍ إلى يمن الى مصر فتطوان

لكن النشيد الذي رددناه كثيرا في طفولتنا تكسرت كلماته في شفتيّ في زيارتي الأخيرة لذلك البلد عند الحدود التي رسمتها أوروبا قبل حوالي قرن ثم وضعتها خلف ظهرها لأنها ليست سوى أكذوبة .
فهل سيكشف الربيع العربي عن وجه هذه الأكذوبة القبيح ؟

razaq61@yahoo.com
****
مقالات أخرى للكاتب

****

مقالات أخرى للكاتب

 الأربعاء 3 -8- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان