home
tri
tri
focus
صدمة ثقافية

صدمة ثقافية

عبدالرزاق الربيعي

مسكين ذلك المحاضر الأمريكي الذي لم يكن يعلم أن استخدامه لوسيلة ايضاح قصد من ورائها تقريب فكرة حول تأثير التغير المناخي على الحيوانات الصحراوية ستضطره لتغيير عمله في اليوم الذي عرض به تلك الوسيلة لطلابه في جامعة الطائف وكان يمني النفس بأن يوصل الفكرة بشكل محبب كما تهيأ له فجوبه بعاصفة شديدة من قبل الطلاب وغادر بعضهم القاعة ولم تنفع اعتذاراته حيث استغنت الجامعة عن خدماته وأجبرته على مغادرة أرض المملكة في اليوم الأسود نفسه !

أما لماذا كل هذه الضجة ؟

فذلك لأن وسيلة الايضاح تلك لم تكن سوى صورة كلب يرتدي شماغا وعقالا

وهي تشبه الضجة التي حصلت في قصر الخليفة العباسي المتوكل عندما امتدحه علي بن الجهم واصفا اياه بالكلب بقوله:

أنت كالكلب في حفاظك للود وكالتيس في قراع الخطوب!

لكن رأس الشاعر لم يقطع , ولا لسانه , بل أن الخليفة أكرمه ونعمه ليقول بعد حين من وحي النعمة التي أسبغها عليه:

عيون المها بين الرصافة والجسر .....

لكن الحال كان مختلفا مع البرفيسور الأمريكي

يقول الخبر الذي بثته وكالة الأنباء الألمانية نقلا عن صحيفة "الوطن "السعودية لقد "عرض الأستاذ في جامعة ولاية أوهايو الأمريكية جوزيف ويليامز صورة كلب يعيش في مناخ أمريكي، أعقبها بصورة لنفس الكلب وهو يرتدي "شماغا" و"عقالا" سعوديين، في إشارة إلى تأثير المناخ المحلي على الكلاب، وهو الأمر الذي أخرج المحاضرة عن سياقها بالنسبة لكثير من الحضور الذين اعتبروا تصرف الأستاذ ليس سوى " سخرية صريحة بالهوية الوطنية"

وبالتأكيد أن هذا الأستاذ لم يكن يقصد ايذاء مشاعر طلبته , بدليل إنه اعتذر مرتين ,في الموقف نفسه وأنه ذهل لردة الفعل لاعتقاده بأنها محض صورة لا يفترض أن تثير سوى الطرافة ,لكنه فعل ذلك جهلا منه بالنسق الثقافي الذي يعمل في محيطه بسبب اختلاف الثقافة فهو نشأ في بيئة لاتنظر للكلب ككائن أقل قيمة من بقية الكائنات بل إن نشأته وبيئته رسخت في ذهنه فكرة أن الكلب أرقى من بقية الحيوانات مكانة فهو وفي وحارس أمين ويتمتع بصفات لاتوجد لدى بقية الحيوانات وقد تنبه أجدادنا الى تلك الصفات النادرة فالف محمد بن خلف بن المرزبان المحوِّلي سنة 309 ه كتابا في فضائل الكلاب حمل عنوان "فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب" ويذكر به قولاً للأحنف بن قيس هو (إذا بصبص الكلب لك فثق ببصبصته ولا تثق ببصابص الناس، فرب مبصبص خوان"

لكن يبدو أن سمعة الكلاب تدهورت في منطقتنا مع تبدل الوضع من حال الى حال

حتى صار ذكره شتيمة كما حصل عندما وصف الصحفي العراقي الذي رمى الرئيس الأمريكي السابق بوش بالكلب فأخطأ الحذاء الهدف لكن الوصف أصاب الأجانب بالدهشة ! فهذا الوصف يذكر وفق ثقافتهم عند امتداح المقابل , ولم يخطر ببال أحد إنه جاء في سياق مختلف والتلقي مختلف بإختلاف الثقافة وهذا يذكرني بمشهد صادفني في مانشستر حيث رأيت متسولا يجلس على قارعة الطريق يستجدي المارة وكان يضع بحضنه شيئا ملفوفا بأغطية لأن الجو كان باردا جدا ظننت ذلك الشيء الذي يتحرك رضيعا وحين هممت بأن أعطيه صدقة جارية لوجه الله مد "الرضيع " رأسه فاذا به رأس كلب , وفوق هذا كان المتسول يحتسي الجعة , ووفقا لنسقي الثقافي فإنني تراجعت عما هممت به لإعتبارات عديدة مفهومة للقراء لكن من الأجانب , الذين مروا في ذلك الشارع ,كانوا يلقون بما يجودون بطيب نفس وخاطر بل يداعبون الكلب ويدفئونه بأصابعهم ويمضون وسط دهشتي !!

لهذا وذاك لم يتورع الأستاذ الأمريكي البائس من عرض الصورة على طلبته , لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفنه فالقته في بلده , مطرودا بعيدا عن الحرم الجامعي بسبب صورة كلب موجودة على شبكة الأنترنيت ,كما قال , في معرض دفاعه عن فعلته

والغريب أن بعض الأجانب الذين يعملون في منطقة الخليج يقدمون اليها دون أن يكلفوا أنفسهم دراسة الأنساق الثقافية للمنطقة وهذا يدخل في باب النظرة الإستعلائية التي تجعل هذا البعض يأتي اليها كمعلم واثق من نفسه فيلقي درسا على تلامذته دون تحضير مسبق وفجأة يلقي عليه أحدهم سؤالا يحرجه

بينما حين يذهب العربي الى الغرب فإنه يحسب لكل شاردة وواردة حسابا لئلا يضع نفسه في موقف لا يحسد عليه

إنه التفوق الحضاري الذي يجعل الأول "واثق الخطوة يمشي " في منطقتنا فيواجه صدمة ثقافية قد تعيده من حيث أتى كما حصل مع ذلك البروفيسور الأمريكي صاحب الكلب


razaq61@yahoo.com

*****

مقالات أخرى للكاتب

الأربعاء 25 -5-2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان