home
tri
tri
focus
ليبيا والعراق، والمقارنة غير المنصفة

ليبيا والعراق، والمقارنة غير المنصفة

د. عبدالخالق حسين

منذ إسقاط حكم البعث الفاشي بمساعدة قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا، راح الكثير من العرب، وغير العرب، وحتى من اليسار العراقي، يؤاخذون على الشعب العراقي استنجاده بالمجتمع الدولي للتدخل من أجل إنقاذه من حكم البعث الصدامي الجائر. وتصاعدت النبرة في الفترة الأخيرة بعد أحداث الانتفاضات العربية، ونجاح ثلاث منها لحد الآن، حيث اعتبروها أدلة دامغة على صحة انتقادهم للنموذج العراقي في التحرر من الدكتاتورية. في هذه المداخلة أحاول الرد على ما يردده هؤلاء بدون انقطاع، فيتساءلون:
لماذا لم يقم الشعب العراقي بتحرير نفسه بنفسه من الحكم الفاشي كما فعل الشعبان، التونسي والمصري، وأخيراً انتصار الثورة الليبية المسلحة مثلاً، فاحتاج العراق إلى الغزو الخارجي بقيادة أمريكا، وما نجم عن ذلك من عواقب وخيمة؟

الجواب كالتالي:
إنه لظلم فاحش اتهام الشعب العراقي بعدم التحرك ضد حكم البعث الجائر، واعتماده كلياً على التدخل الخارجي، فالشعب العراقي معروف بانتفاضاته وثوراته الدائمة ضد الأنظمة الجائرة طوال تاريخه، وقد قيلت بحقه مقولات كثيرة في هذا الخصوص، وحتى وُصِفَ بأنه شعب متمرد على الحكام، وأنه (أهل الشقاق والنفاق). وللجاحظ رد فاحم لصالح الشعب العراقي على هؤلاء في هذا الخصوص حيث قال:
"إن العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء هي أنهم أهل نظر وفطنة ثاقبة، ومع النظر والفطنة يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والترجيح بين الرجال والتمييز بين الرؤساء وإظهار عيوب الأمراء وما زال العراق موصوفاً بقلة الطاعة وبالشقاق على أولي الرئاسة."

هذا في الماضي، أما في عهد حكم الطاغية صدام حسين، فلم يسكت الشعب، بل كان يغلي على الدوام وهو يواجه آلة القمع البعثية الوحشية التي لم يتعرض لها أي شعب آخر في العالم، في الوقت الذي كان الشارع العربي، وكافة وسائل إعلام العربية تدعم الطاغية، وترقص له وتصفق، غير مبالية بمعاناة الشعب العراقي.

لقد سبق الشعب العراقي الشعوب العربية بعشرين سنة في انتفاضته الخالدة ضد حكم البعث الجائر، ألا وهي انتفاضة آذار 1991، حيث تمكن الثوار من السيطرة على 14 محافظة من مجموع 18. ولكن لأسباب طائفية وعنصرية، وتعقيدات الوضع الدولي، والصراع الإقليمي، سُمِحَ لنظام صدام حسين بقمعها بمنتهى القسوة بلغت مستوى حرب إبادة الجنس.

دعونا أيها السادة نقارن بين مستوى القمع الذي واجهته الشعوب العربية من حكوماتها الجائرة إثناء انتفاضاتها، وما حصل من قمع في العراق من قبل حكم البعث الصدامي خلال انتفاضته عام 1991.

لقد بلغ عدد قتلى انتفاضة الشعب التونسي نحو 83 قتيلاً، وفي مصر 800، وفي سوريا نحو ألفي قتيل خلال ستة أشهر لحد كتابة هذه السطور يوم 7/9/2011. أما الثورة الليبية ضد الطاغية المجنون معمر القذافي، فبعض قادة الثورة وضعوا أرقام القتلى بين 25 و30 ألف قتيل خلال ستة أشهر. لا شك أن هذه الأرقام رهيبة ومؤلمة، ولكن قارنوها بما حصل في العراق خلال انتفاضة آذار 1991 حيث قتل النظام الجائر خلال ثلاثة أسابيع نحو 700 ألف في المحافظات الثائرة، التي سمّاها بالمحافظات السوداء!! ناهيك عن ضحايا الأنفال، وحلبجة وحرق نحو 5 آلاف قرية في كردستان. ولحد الآن تم اكتشاف أكثر من 400 مقبرة جماعية. حصل كل ذلك على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، وبمباركة الحكومات العربية، وشعوبها ووسائل إعلامها.

يبدو أن المعلقين العرب والغربيين لم يميزوا بين جور نظام زين العابدين بن علي، وحسني مبارك من جهة، وجور نظام البعث ضد الشعب العراقي من جهة أخرى. فبن علي وحسني مبارك يعتبران ملائكة مقارنة بصدام حسين. لذلك انتصرت انتفاضتي الشعبين، التونسي والمصري، بأقل ما يمكن من خسائر. كذلك موقف الجيش في هذين البلدين، حيث لم يكونا مسيَّسين ولا مؤدلجين، لذلك انحازا بسرعة إلى شعبيهما دون تردد، وأجبرا رئيسيهما على التخلي، وسيطرا على الوضع في صالح الثورة. أما في ليبيا فكان الجيش هو الآخر لم يكن مسيَّساً، ولا مؤدلجاً، إذ عمل القذافي على إضعافه خوفاً من أن يثور عليه في يوم ما، معتمداً في حكمه على دعم ما أسماه باللجان الشعبية ومليشياته المسلحة، وأجهزته الأمنية، والإستخباراتية، والقبائل المنتفعة من مكرماته. ولذلك فقد انحاز أكثر من نصف الجيش الليبي إلى الثوار، وقادوا العملية الثورية بنجاح إلى النصر المؤزر. أما الوضع في العراق فيختلف تماماً، فخلال 35 سنة من حكمه الجائر، عمل حزب البعث على تطهير القوات المسلحة من كل من يشك في ولائه، وتسييس هذا الجيش وشحنه بأيديولوجية البعث، إضافة إلى مختلف المليشيات مثل: الجيش الشعبي، وجيش القدس، وفدائيي صدام...الخ، وكلها مليشيات بعثية مؤدلجة حد النخاع، مستميتة في الدفاع عن حكم صدام. لذلك لم يكن للوضع العراقي أي نضير في أي بلد عربي أو في العالم.

وبعد حرب تحرير الكويت، ووفق (اتفاقية خيمة صفوان)، سمحت القوات الأمريكية، بأمر من الرئيس بوش (الأب) لقوات صدام باستخدام طائراته العمودية لقمع الانتفاضة. قارن ذلك بموقف حلف الناتو اليوم، الذي ساعد الثوار الليبيين، ليس بفرض الحضر الجوي على ليبيا فحسب، بل وساهمت قوات النيتو بقصف جميع صنوف القوات الموالية لمعمر القذافي، وتدمير جميع مطاراته الحربية وطائراته ومعسكراته، وبقرار من مجلس الأمن الدولي رقم 1973، وبموافقة الجامعة العربية، ودعم الحكومات العربية، سياسياً وعسكرياً ومالياً للثوار، بذريعة حماية المدنيين من مجزرة وشيكة. وهناك اتفاق بالإجماع في الغرب أنه لولا مشاركة القوات الجوية لحلف النيتو، وبالأخص، أمريكا وفرنسا وبريطانيا، لما نجح الثوار في الإطاحة بالقذافي وحكمه الجائر، ولبلغت الضحايا أعداداً رهيبة.

فلو قدمت أمريكا وقوات الحلفاء لانتفاضة الشعب العراقي عام 1991 نفس الدعم الذي قدمته إلى الثوار الليبيين، لسقط حكم البعث نتيجة تلك الانتفاضة بفترة قصيرة وبأقل تضحيات، ولما احتاج الرئيس الأمريكي، جورج بوش (الابن) أن يشن حرباً أخرى ليحتل العراق ويسقط حكم البعث عام 2003، وما حصل من تبعات. لذلك، فقد تعلم الغرب من التجربة العراقية، ووفق سياستهم الجديدة في تعاملهم مع الثورة الليبية، صرح الرئيس باراك أوباما متباهياً، أن أمريكا لم تخسر في إسقاط حكم القذافي ولا جندياً واحداً. كان بإمكان جور بوش الأب أن يحقق ذلك أيضاً عام 1991 مع صدام حسين، ولكن الضغوط التي واجهها آنذاك من السعودية، وغيرها من الدول العربية، ولأسباب طائفية وعنصرية، هي التي غيرت مجرى الأمور لصالح صدام وما ترتب على ذلك من عواقب وخيمة فيما بعد على الجميع.

فحكم البعث في العراق كان على استعداد تام لإبادة الشعب العراقي الأعزل بأكمله في سبيل البقاء في السلطة وفق ما خططه البعثيون أنهم جاؤوا للبقاء في السلطة ليس لثلاثين سنة، بل لثلاثمائة سنة!. لذا، أعتقد جازماً، أنه لا يوجد أي شعب دفع تضحيات بقدر ما دفعه الشعب العراقي في سبيل الخلاص من نظامه الجائر. ولذلك لم يكن هناك أي حل آخر أمام الشعب العراقي غير مطالبة المجتمع الدولي بإنقاذه من حرب الإبادة، خاصة ونحن في عصر العولمة، حيث حروب الإبادة لا تعتبر مشكلة محلية أو وطنية فحسب، بل هي مشكل دولية أيضاً، ومن واجب المجتمع الدولي أخلاقياً أن يتدخل. وهذا ما حصل.

كان العرب يتمنون فشل الانتفاضة العراقية لأسباب طائفية ضد الشيعة، وعنصرية ضد الأكراد، واتهموا الشعب العراقي بالخيانة الوطنية، والعمالة لأمريكا، وأنه كان من الواجب وقوف الشعب إلى جانب صدام حسين حتى وإن كان جائراً. كما ووراح أشياخهم يصدرون الفتاوى يهدرون بها دماء العراقيين، ويحرضون الشباب العربي المسلم بالذهاب إلى العراق للجهاد في سبيل الله!. ولحد الآن يواجه الشعب العراقي أبشع حرب إبادة في التاريخ على أيدي الإرهابيين العرب، وبتحريض من مشايخهم، ودعم من حكوماتهم وبالأخص السعودية. بينما وقف هؤلاء إلى جانب الانتفاضات العربية، ما عدا انتفاضة الشعب البحريني، ولأسباب طائفية. وكما نشرت صحيفة الاندبندنت اللندنية، أن السعودية أرسلت قواتها (درع الخليج) واحتلت مملكة البحرين، وارتكبت الفظائع ضد الشعب البحريني لسحق الانتفاضة، وفيما بعد أجبرت الحكومة البحرينية على توجيه دعوة للقوات السعودية لحفظ ماء الوجه، بينما العملية كانت غزو سعودي لمملكة البحرين رغما عنها.

والأبشع من كل ذلك، أنه حتى القوى اليسارية العربية والأوربية والليبرالية وقفت ضد تحرير العراق من حكم البعث الفاشي، واعتبروا صدام حسين بطلاً يسارياً واشتراكياً تقدمياً، حيث خرجت بمظاهرات ضد العراق الجديد، ومازالت بعض المنظمات اليسارية في أوربا تقوم بحملات جمع الأموال لدعم ما يسمى بالمقاومة الوطنية في العراق، والتي هي من فلول البعث وأتباع القاعدة.

ضرورة الدعم الغربي للعرب
يردد البعض باستمرار قولاً مفاده: (أن الإصلاح يجب أن يأتي من الداخل ولا يفرض على الشعب من الخارج). هذا قول حق يراد به باطل، إذ ليس هناك شحة في الإصلاحيين في الداخل، أو طموحات الشعوب في الديمقراطية، ولكن ما عسى الإصلاحيين أن يعملوا وهم يواجهون أجهزة القمع الوحشية والقتل والتعذيب وكواتم الصوت والإبادة من قبل الحكومات العربية المستبدة. فلو ترك الإصلاح ينبع من الداخل فقط دون دعم خارجي، لبقيت الشعوب العربية متخلفة ومحكومة بالأنظمة المستبدة إلى الأبد، ولكن للتاريخ منطقه وقوانينه في التقدم.
لقد أثبتت الانتفاضات العربية لهذا العام 2011، أهمية الدعم الغربي لتحرير الشعوب العربية من تخلفها وعبوديتها، ومن حكوماتها الجائرة، ومساعدتها على إقامة أنظمتها الديمقراطية البديلة، طبعاً لا حباً بسواد عيون الشعوب العربية، ولكن لأن بقاء هذه الشعوب متخلفة يشكل خطراً كبيراً على الغرب كما هو حاصل الآن من تفشي الإرهاب العربي- الإسلامي في العالم. وفي هذا الخصوص قال السياسي الفرنسي جان بيار شوفينمان للبرلمانيين الفرنسيين: "لن تغسل الشعوب العربية إذلالها إلا إذا تداركت تأخرها، ولن تتدارك تأخرها إلا إذا ساعدها الغرب بقوة على ذلك".

لقد وقفت الجماهير العربية بالإجماع ضد الدعم الغربي للعراق من أجل خلاصه من أبشع نظام همجي جائر عرفه التاريخ، ولكن أخيراً أنتبه هؤلاء إلى ضرورة الدعم الغربي لهم. فالمدن السورية التي كانت ومازالت ملاذاً لفلول البعث، وأتباع القاعدة، وعبر حدودها يرسلون الإرهابيين لقتل العراقيين، ويعيرونهم بالعمالة لأمريكا، أخيراً راحت الجماهير السورية نفسها تطالب بالدعم الأمريكي والفرنسي للتخلص من نظامهم الجائر. وقد شاهدنا على شاشات التلفزة، كيف استقبلت الجماهير السورية الثائرة سفيري البلدين في حمص وحماة استقبال الأبطال المنقذين. وفي ليبيا، استقبلت الجماهير في بنغازي وفداً أمريكياً بمظاهرات ترحابيبية، وبرفع الأعلام الأمريكية وتقبيلها. وعلى الضد من موقفهم من الشعب العراقي، فقد نال هذا التوجه تأييداً حاراً من قبل الإعلام العربي.

لقد كتب عبدالرحمن الراشد في صحيفة (الشرق الأوسط، يوم 6/9/2011) السعودية ما يلي: «بماذا نسمي المتظاهرين الذين رفعوا لافتات في أنحاء سوريا، وقبلها في ليبيا، تنادي جهارا بالتدخل الدولي لإسقاط النظام؟ وآلاف المتظاهرين الذين حرقوا أعلام روسيا والصين لأنها تقف ضد دعوة التدخل؟ هل هم خونة؟ لا وطنيون؟. لا..، هم أكثر وطنية لأنهم على خط النار في مواجهة لا مثيل لها في تاريخنا المعاصر. هم أكثر وعيا عندما هبوا لإسقاط النظام من كل المثقفين الحريصين على اللغة أكثر من حسم المواجهة. ملاحظتي أننا أمام إعادة تعريف المفاهيم؛ الوطني والأخلاقي وكل ما تم تسويقه فكريا منذ زمن محاربة الاستعمار في القرن الماضي. دعوة التدخل الدولي كانت تصنف أكبر الجرائم في حق الوطن، ولا ينادي بها إلا خائن. اليوم علينا أن نميز ونسمع التفاصيل. لصامويل جونسون جملته الشهيرة وهي أن «الوطنية ملجأ الأوغاد»، يعني بها أن هناك من يرفع شعار الوطنية لأغراضه الخاصة وليس للوطن حقا. فالنجدة الخارجية محرمة في إطار الخلافات الداخلية لكنها قد تكون مبررة ومباحة لشعب هب ضد نظام أوغل في القمع والدم ويحتمي وراء الوطنية». انتهى.

ونحن إذ نرحب بهذه الصحوة – ولو جاءت متأخرة- لدى كاتب عربي سعودي، واعترافه بحق الشعوب المضطهدة بطلب النجدة من الخارج ضد حكوماتها الجائرة، ولكن من حقنا أيضاً، أن نسأل الأستاذ الراشد، هل كان هذا موقفه من انتفاضة الشعب العراقي قبل عشرين سنة حين " أوغل في القمع والدم ويحتمي وراء الوطنية ؟" وهل هناك حكم أكثر جوراً من حكم البعث الصدامي؟
نرجو من الأستاذ الراشد، وغيره من الكتاب العرب، أن يقرؤوا كتاب (الزلزال) للفريق الركن نجيب الصالحي، ليعرف بطولات الثوار العراقيين عام 1991، والقسوة المفرطة التي استخدمها النظام في إبادتهم بمنتهى الوجشية.

نتفق مع الراشد في قوله: « والخطأ الفظيع الذي يقع فيه المنظرون هو المساواة بين المعاناة في مصر وليبيا مثلا. والخطأ الآخر استخدام الثورة المصرية مقياسا لثورات الآخرين.. ثورة مصر مختلفة، فالجيش لم يقف مع النظام السياسي،... لقد تغيرت الشعوب العربية، ولم تعد تبالي كثيرا بزخرف الكلام أمام تحقيق مطالبها بالحرية والكرامة....».
ولكن الغريب، ورغم هذا التحول الإيجابي في موقف الراشد وغيره من الكتاب العرب من حق الشعوب في طلب النجدة من الخارج، إلا إنه، ومع الأسف الشديد، مازال يستثني الشعب العراقي من هذا الحق، إذ يقول في مقاله الثاني يوم 7/9/2011 حول نفس الموضوع: «وعلينا أن لا نخلط بين تدخلين: التدخل الدولي، الحالة الليبية والكويتية وكوسوفو، غير التدخل الأجنبي كالحالة العراقية. فالدولي مرجعيته مجلس الأمن... في ليبيا أنقذ التدخل بنغازي من مجزرة وشيكة... ».
لاحظ التلاعب بالألفاظ، "التدخل الدولي في ليبيا غير التدخل الأجنبي في العراق"!! والسؤال هو: وهل كان ممكناً الحصول على موافقة مجلس الأمن، وثلاث من الدول الكبرى: الصين وروسيا وفرنسا، هددت باستخدام حق النقض (فيتو) ضد القرار الدولي، لذا أضطر الرئيسان، بوش وبلير لأخذ قرار التدخل، تماماً كما حصل في إنقاذ شعوب البلقان ومنها كوسوفو.

إن السيد الراشد حريص على سلامة أهل بنغازي من مجزرة وشيكة تقوم بها قوات القذافي، ونحن كذلك، ولكن لماذا الكيل بمكيالين، ألم ترتكب قوات صدام حسين أبشع المجازر ضد الشعب العراقي، حيث قتل 700 ألف خلال ثلاثة أسابيع؟ كذلك نسي كاتبنا أن التدخل في كوسوفو كان بدون موافقة مجلس الأمن، وإنما بقرار شجاع اتخذه رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، والرئيس الأمريكي، بيل كلنتون. وتبرز ازدواجية الراشد ثانية، ففي الوقت الذي يرى "عدم المساواة بين المعاناة في مصر وليبيا" يتغاضى عن معاناة الشعب العراقي من حكم البعث. بالله عليكم ، وهل هناك أبشع معاناة من معاناة الشعب العراقي من حكم البعث الصدامي؟. ألا يدل هذا على أن السيد الراشد، كغيره من الكتاب العرب، بمن فيهم الليبراليون، لم يتخلص بعد من مواقفه المنحازة ضد الشعب العراقي؟. فما هو حلال على الشعوب العربية، حرام على الشعب العراقي، وهذا أمر مؤسف حقاً، ولله في خلقه شؤون.

الغريب في الأمر أنه حتى الليبراليين العرب الذين يناضلون ضد حكامهم المستبدين، كانوا يقفون إلى جانب صدام حسين، ويتهمون الشعب العراقي بالخيانة لأنه طلب المساعدة من أمريكا وبريطانيا. وهذا موقف العرب جميعاً من اليسار إلى اليمين، ومن القوميين إلى الإسلاميين، لا لشيء إلا لأنه تم إسقاط حكم البعث عن طريق أمريكا. والآن صار هؤلاء يطالبون المجتمع الدولي وبالأخص الأمريكي، بالتدخل. أقول لهؤلاء، وبعد أن عرفوا الحقيقة: إذا كان بيتي يحترق فمن الجنون أن أسأل عن جنسية فريق الإطفاء.

ونحن إذ نهنئ الشعب الليبي الشقيق على انتصار ثورته المضفرة، إلا إننا نعتقد أنه ليس سهلاً الانتقال بعد 42 سنة من حكم القذافي الجائر إلى الديمقراطية بسلاسة، خاصة ونحو 85% من الشعب الليبي ولدوا خلال هذه الفترة الكالحة، ولكن مع ذلك، نعتقد أن طريق الشعب الليبي إلى الديمقراطية أسهل من النموذج العراقي لأسباب عديدة، منها، أنه لا توجد دول مجاورة ضد تحررها، مثل السعودية، وإيران، وسوريا، ليبعثوا لها الإرهابيين، ويمولوا المليشيات وعصابات الجريمة المنظمة كما عملوا ومازالوا يعملون في العراق، ولا يوجد عندهم الانقسام السني- الشيعي. ولكن مع ذلك يمكن أن تحصل صراعات بين فئات الثوار أنفسهم، وكذلك القبائل الموالية للقذافي. ومن أخطر هذه العلامات، مقتل أحد قادة الثورة، اللواء عبدالفتاح يونس ومرافقيه، وحرق جثثهم بصورة بشعة من قبل جماعة من الثوار أنفسهم. نتمنى أن يستفيد المجلس الوطني الانتقالي من تجارب الآخرين، وخاصة من التجربة العراقية.

خلاصة القول، إن انتفاضة الشعب العراقي سبقت انتفاضات الربيع العربي بعشرين سنة، ودفع شعبنا ضحايا تقدر بمئات الأضعاف ما دفعته هذه الشعوب. ولو لم تتدخل أمريكا بإسقاط الحكم الجائر في العراق، لبقي هذا الحكم إلى الآن وإلى مئات السنين يمارس هوايته المفضلة في توسيع المقابر الجماعية والسجون، وتشريد العراقيين. ولو لم يقدم حلف النيتو الدعم للثورة الليبية، لفعل القذافي بالشعب الليبي كما فعل صدام بالشعب العراقي. وإني أعتقد، وأتمنى أن أكون مخطئاً، أن النظام البعثي السوري، كشقيقه البعث العراقي، سوف لن يسقط بدون التدخل الدولي ومهما قدم الشعب السوري من تضحيات. فهذه الأنظمة الفاشية الجائرة مستعدة لإبادة شعوبها بالكامل في سبيل البقاء في السلطة. ويجب أن يعرف المتاجرون بالوطنية، أن حروب الإبادة ليست مسألة داخلية تترك للجلادين كما يشاءون، بل هي مسألة أخلاقية تحتم على المجتمع الدولي التدخل السريع، كما حصل في تيمور الشرقية، وفي دول البلقان، وفي العراق، وأخيراً في ليبيا. فلولا هذه التدخلات لأبيدت تلك الشعوب باسم الوطنية التي يتذرع بها الطغاة، وحقاً ما قاله صموئيل جونسن: "الوطنية آخر ملاذ للأوغاد".

عنوان المراسلة: Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com            
 مدونة الكاتب: http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقال ذو علاقة بالموضوع
د.عبد الخالق حسين: محاولة لفهم الأزمة العراقية
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=481

*****

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 السبت 10 -9- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان