home
tri
tri
focus
حول انسحاب القوات الأمريكية

حول انسحاب القوات الأمريكية

د. عبدالخالق حسين

مع اقتراب وقت انسحاب آخر ما تبقى من القوات الأمريكية نهاية العام الحالي(2011)، مرة أخرى يحتدم الجدال بين العراقيين، وغير العراقيين، حول بقاء أو عدم بقاء هذه القوات في العراق. وكالعادة هناك فريقان، مع وضد. وكنت قد ساهمت في سجالات سابقة حول مواقف مشابهة قبيل توقيع الاتفاقية الأمنية. لذلك استميح القراء عذراً إذا ما كررت بعض أقوال سابقة لي، خاصة وأن فريق الضد ما انفكوا يكررون باستمرار قولاً مفاده: "أن أمريكا لم تسقط حكم البعث لسواد عيون العراقيين وإنما لمصالحها وخاصة النفط!!)، وكأن حكم البعث كان قد منع النفط عن أمريكا، بينما قراءة منصفة للأحداث خلال الأربعين عاماً الماضية تؤكد لنا أن حكم البعث الصدامي لم يمنع النفط عن أمريكا، وكان أكثر من قدم خدمات كبرى لأمريكا وإسرائيل في المنطقة، وهو المسؤول الأول والأخير عن الكوارث التي حلت بالعراق، وتواجد القوات الأمريكية فيه وفي المنطقة.

والمعروف أن أتباع التيارات السياسية الثلاث في العراق، اليسارية والإسلامية والبعثية، تسيِّرهم أيديولوجياتهم الشمولية المدمِّرة، وليست إرادتهم الحرة، ورغم العداء المستفحل فيما بين معتنقي هذه الأيديولوجيات، إلا إنهم متفقون ومتحدون على مسألة واحدة وهي العداء للغرب وبالأخص لأمريكا، إلى درجة أنهم اختزلوا الوطنية في درجة العداء لأمريكا، وصار العداء لأمريكا معياراً للوطنية، وكل من يخالفهم في هذا الموقف فتهمة التخوين والتكفير والتحقير جاهزة. وأكثر ما يتذرع به هؤلاء في عدائهم لأمريكا هو: أنها دولة إمبريالية كانت تحيك المؤامرات، وتخطط الانقلابات العسكرية ضد الحكومات الوطنية، وضرب الحركات الوطنية التحررية في العالم الثالث، وحتى منظمة القاعدة وبن لادن والبعث وصدام حسين، هم صناعة أمريكية...
نعم، كل هذا صحيح ومفهوم، وبالنسبة لنا كعراقيين، فأمريكا هي التي ساهمت في ذبح ثورتنا الوطنية، ثورة 14 تموز 1958 المجيدة، وأتت بحزب البعث الفاشي إلى الحكم مرتين، عام 1963، وعام 1968...الخ
ولكن، وهنا النقطة التي أكررها على الدوام في الرد على هؤلاء، أن أمريكا تبنت تلك المواقف لخدمة مصالحها في ظروف فترة الحرب الباردة، لمكافحة الخطر الشيوعي، والآن كل شيء تغيَّر، ونحن يجب أن نتغير أيضاً، ونتحرر من شرنقة الماضي والأيديولوجيات التي عفا عليها الزمن، ونستثمر ما جرى من تغيرات في العالم لصالح شعبنا، فلأول مرة في التاريخ تلتقي مصلحة الدولة العظمى مع مصلحة شعبنا، وإذا كانت أمريكا وراء مصالحها وليس لسواد عيون العراقيين، فلماذا لا يحرص العراقيون على استثمار هذه الفرصة التاريخية، والاستفادة من دعم أمريكا للعراق ومصلحة شعبه؟

قبل إسقاط حكم البعث الفاشي، وعندما كنا نعمل في المعارضة، كنا نعتقد أنه بمجرد إسقاط الحكم سيهب العراقيون الذين عانوا أشد الويلات والكوارث، بمن فيهم البعثيون أنفسهم، سيهبون يداً واحدة لبناء وطنهم بخطى سريعة للتعويض عما فاتهم خلال أربعين عاماً من الزمن الضائع. ولكن، ويا للخيبة، كانت حساباتنا خاطئة، إذ لم ندرك حجم الخراب الذي تركه هذا النظام المجرم، وبالأخص الخراب البشري، وتفتيت النسيج الاجتماعي، والتجهيل المتعمد، حيث حل التخندق بالعشائرية والطائفية والمناطقية محل الولاء للوطنية العراقية، إلى حد أنه حتى ضحايا الفاشية من أمثال السيد مقتدى الصدر وأتباعه، وبدلاً من أن يرحبوا بالوضع الجديد ودعمه، قاموا بمحاربة العراق الجديد وضرب اليد التي حررتهم من أبشع نظام همجي عرفه التاريخ، وهذا نكران للجميل بأبشع أشكاله.

والغريب أنه حتى المشاركين في السلطة من الذين طالبوا أمريكا بالتدخل العسكري لإسقاط حكم البعث، مثل بعض كيانات كتلة "العراقية"، يقومون اليوم بمظاهرات في الموصل وغيرها مطالبين برحيل القوات الأمريكية، وإطلاق سراح المعتقلين بتهمة الإرهاب!! والأغرب أن محافظ الموصل نفسه يشارك في هذه التظاهرة التي رفعت فيها العلم السعودي والعلم البعثي ذو ثلاثة نجوم، كدليل على ولائهم للبعث الصدامي وللسعودية ولية نعمتهم، في تحد سافر للدولة العراقية، ويتم كل ذلك تحت مختلف الواجهات والذرائع وباسم محاربة الاحتلال واسترجاع السيادة الوطنية!!. (الرابط في الهامش).

يجب أن نعرف أن رحيل القوات الأمريكية من العراق هو مطلب أمريكي ملح أكثر منه مطلب عراقي، خاصة وقد وعد الرئيس الأمريكي أوباما في حملته الانتخابية قبل عامين أنه سيسحب القوات الأمريكية من العراق في نهاية عام 2011 وحسب الاتفاقية الأمنية الموقعة بين البلدين في أواخر ولاية الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وهو ملزم بتنفيذ هذا الوعد. ولكن المعروف أيضاً، أن قادة أمريكا، وبغض النظر عن أي حزب في الحكم، يتبعون السياسة البراغماتية الواقعية، وحسب ما تمليه عليهم الظروف الميدانية، وهاهو أوباما قد تراجع عن تنفيذ وعده في إغلاق معتقل غوانتنامو، لأنه أثبت استحالة تحقيقه. ومعنى هذا، وكما صرح مسؤولون أمريكان، ومنهم وزير الدفاع، روبرت غيت، أنه يمكن إبقاء قسم من القوات الأمريكية في العراق لتدريب القوات العراقية، وحماية المنشئات الأمريكية (السفارة وقنصلياتها) والمساهمة في حماية حدود العراق، البحرية والجوية، إذا ما طالبت الحكومة العراقية بذلك، وأن يكون الطلب قبل نهاية شهر آب/أغسطس القادم.

ولكن لتعقيدات الوضع العراقي، ومحاولة بعض المشاركين في السلطة اللعب على الحبلين وبدوافع انتهازية مكشوفة، إذ يقولون في مجالسهم الخاصة شيء وفي العلن شيئاً آخر، وهي مزايدات وتلاعب بعواطف الجماهير على حساب المصلحة الوطنية، نفس السلوك النتهازي الذي اتبعوه قبيل توقيع الاتفاقية الأمنية قبل عامين، وما أبدوه من معارضة علنية، ولكن في نهاية المطاف تمت موافقة البرلمان عدا كتلة التيار الصدري. ولذلك نعتقد أن موقف رئيس الوزراء، الأستاذ نوري المالكي كان صائباً حين قال أنه سيناقش موضوع تمديد إبقاء القوات الأمريكية مع قادة الكتل السياسية، وأمام وسائل الإعلام مباشرة (نقل حي) لكي يضعهم أمام الشعب في تحمل مسؤولياتهم ودون مزايدات رخيصة. ولذلك فعلى الحكومة العراقية أن ترتب أمورها في الوقت المحدد.

نعتقد أن العراق بأمس الحاجة إلى علاقة إستراتيجية بعيدة المدى مع الدولة العظمى، ويجب عدم الإذعان للقوى التي تريد إفشال العملية السياسية. فالتيار الصدري من أشد المعارضين لتواجد القوات الأمريكية، وهو ينفذ أجندة إيرانية، وفلول البعث ما زالوا يحلمون بالعودة!! والكتلة "العراقية" هي واجهة بعثية في السلطة وبلبوس ديمقراطي خادع، لذلك فكل همهم هو شل عمل الحكومة. فالعراق لا يمكنه أن يستغني عن الدعم الأمريكي وحضوره وهو يمر بمرحلة تاريخية عصيبة حيث تكالب عليه الأعداء في الداخل والخارج ومن كل حدب وصوب. إذ كما قال الأستاذ عبدالرحمن الراشد في صحيفة(الشرق الأوسط) اللندنية في عددها الصادر يوم 12/6/2008، فيما يتعلق بالاتفاقية الأمنية آنذاك: "العراق يحتاج إلى استقرار، ولا توجد صيغة أخرى تضمن سلامته من التقاتل الداخلي بدون الحضور الأميركي، وهذا قول يردده معظم الأطراف الرئيسية؛ بما فيها المعارضة. أيضا لا يمكن الاستهانة بالخطر الإيراني الذي يحدق، أو كما يقول العراقيون «يباوع»، في هذا الجار الغني المهم، كصقر يحوم فوق فريسته ينتظر لحظة الانقضاض المناسبة. العراق في الحالتين في ورطة؛ حماية مجهولة العواقب وانسحاب يعرض البلاد للتمزق...". ونفس الكلام ينطبق على حالتنا اليوم، فالعراق ليس مهدداً من إيران فحسب وبل ومن جميع دول الجوار.

وعليه نرى أن الوضع العراقي الهش لا يتحمل أية مجازفة أو مغامرة بأمن وسلامة العراق ومستقبل شعبه بحسن الظن بدول الجوار، أو الاعتقاد بأن قواتنا المسلحة جاهزة للدفاع عن حدودنا الدولية الآن، فالطريق إلى جهنم معبد بالنوايا الحسنة. وربما يسأل البعض: ولماذا تحسن الظن بأمريكا ولا تحسن الظن بإيران وسوريا والسعودية؟ والجواب هو أن معظم الاضطرابات الأمنية ومنظمات الإرهاب في العراق مدعومة من هذه الدول، بينما أمريكا أثبتت حرصها على سلامة العراق فحررته من أبشع نظام همجي متخلف، وعملت على إطفاء نحو 90% من ديونه التي ورثها من البعث الصدامي، إضافة إلى دورها في بناء قواتنا المسلحة وإعمار العراق. كذلك قارنوا بين الدول التي أحسنت الظن بأمريكا فأقامت معها علاقات حميمة مثل دول الخليج، واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها، قارنوا ذاك بوضع الأنظمة الثورجية العربية التي وقفت ضد أمريكا مثل نظام البعث الصدامي والبعث السوري ونظام القذافي.

يتذرع المطالبون برحيل القوات الأمريكية بأن بقاء هذه القوات في العراق يضر بالسيادة الوطنية وكرامة الشعب!!. وهذا الكلام مردود، وأقل ما يقال عنه أنه قول حق يراد به باطل. فالقوات الأمريكية أولاً، لم تكن متواجدة في المدن، وثانياً، تقوم بتدريب القوات العراقية، وهي مسألة ضرورية في صالح العراق. وثالثاً، إن وجود هذه القوات لا يسيء إلى السيادة الوطنية ولا إلى كرامة الشعب كما يدعون، بدليل هناك وجود قواعد وقوات أمريكية وبكثافة في العديد من دول العالم مثل ألمانيا، واليابان، وبريطانيا، وهي دول كبرى ذات سيادة تامة. وكذلك هناك قوات أمريكية في كوريا الجنوبية، والكويت، إضافة إلى وجود أكبر قاعدة أمريكية في دولة قطر. كذلك وجود الأسطول البريطاني الدائم في مملكة البحرين، وقاعدة فرنسية في دولة الإمارات العربية، وقوات بريطانية في سلطنة عمان وقبرص....الخ، كل ذلك مقبول ولا يسيء إلى السيادة الوطنية لهذه الدول، فلماذا يشكل وجود قوات أمريكية في العراق فقط ضرراً على السيادة الوطنية وتشكل إهانة لكرامة الشعب؟؟
ووهل كان العراق يتمتع بسيادة وطنية في عهد حكم البعث، حيث كان اقتصاده مرهوناً بيد الأمم المتحدة، وكردستان كانت تحت الحماية الدولية، ومحافظات الوسط والجنوب بلا سلطة في الليل، ولا سيطرة له على فضائه ومياهه الإقليمية؟ وهل كانت هناك كرامة للشعب في عهد حكم البعث حيث فر نحو خمسة ملايين إلى الشتات، وقتل نحو مليونان، وتحول العراق إلى أكبر سجن في العالم؟ عن أية كرامة تتحدثون أيها السادة؟
إن التركيز على الكرامة والسيادة الوطنية ذريعة واهية، وهو ناتج عن الشعور بالنقص والدونية. ففي عصر العولمة، حيث المصالح الاقتصادية والسياسية لها الأولوية، وأية علاقة بالخارج ذات منفعة عامة للشعب لا تسيء مطلقاً بالسيادة الوطنية وكرامة الشعب، وهذه منظومة الوحدة الأوربية، على سبيل المثال لا الحصر، تؤكد ذلك.

وعليه، نهيب بالسيد رئيس الوزراء أن يعجِّل بمطالبة كافة الشركاء في العملية السياسية لمناقشة المهمة وأن يرتفع هؤلاء إلى مستوى المسؤولية والثقة التي وضعها فيهم الشعب عبر صناديق الاقتراع، ودون مزايدات رخيصة بالوطنية والكرامة، وأن يتوصلوا إلى قرار حاسم لصالح العراق وفق ما تتخذه الأغلبية المطلقة ودون حق الفيتو أو النقض لأي طرف. وهذا يتطلب إبرام اتفاقية جديدة تسمح بتمديد بقاء القوات الأمريكية، لأن الاتفاقية الأمنية السابقة لا تسمح بالتمديد والتجديد. فالمسألة تتعلق بمصير شعب عانى كثيراً من الكوارث على أيدي البعثيين وحلفائهم من أتباع القاعدة، وليس بإمكانه الدخول في نفق بعثي مظلم جديد لأربعين سنة أخرى، فالعراق بأمس الحاجة إلى علاقة إستراتيجية بعيدة المدى مع الدولة العظمى.

Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com

الثلاثاء 31 -5-2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان