home
tri
tri
focus
من المستفيد من الفتنة الطائفية؟

من المستفيد من الفتنة الطائفية؟

د.عبدالخالق حسين

لا شك أن شعوب الشرق الأوسط، وبالأخص الشعب العراقي، مهددة بإشعال نار فتنة طائفية لا تبقي ولا تذر. والمستفيد الأكبر من هذه الفتنة في العراق هو البعث، والدول الإقليمية التي تدعمه لأغراضها السياسية، مثل السعودية وقطر وتركيا، فشعار هذه العصابة "ليكن من بعدي الطوفان". ورغم أن حزب البعث معروف عنه، نظرياً على الأقل، أنه حزب قومي عربي علماني فوق الديانات والطوائف، إلا إنه لن يتردد في توظيف أشد الوسائل خسة ودناءة لتحقيق أغراضه وذلك بتطبيق المبدأ الماكيافيلي: "الغاية تبرر الوسيلة"، حتى ولو كانت الوسيلة حرق البلاد والعباد، باستخدام الدين والطائفية. وهناك أدلة كثيرة تبناها قادة البعث، وخاصة الجناح الذي قام بانقلاب 17- 30 تموز 1968، منها جرائم التهجير القسري ضد الشيعة من مختلف القوميات، بتهمة التبعية الإيرانية، إضافة إلى الحملات الإعلامية ضدهم مثل سلسلة مقالات صحيفة الثورة بعد انتفاضة 1991 بعنوان: (لماذا حصل ما حصل)، وتسمية المحافظات العراقية إلى محافظات بيضاء ومحافظات سوداء حسب الانتماء المذهبي لغالبية سكانها. كما ورفعوا لافتات على الدبابات في مدينة كربلاء إبان الانتفاضة كتب عليها (لا شيعة بعد اليوم)... إلى آخره من الوسائل الدنيئة لإثارة طائفة ضد أخرى، فالبعث لا يستطيع أن يحكم إلا من خلال سياسة (فرق تسد).

هناك معلومات تفيد عن استعدادات داخلية وخارجية لتأسيس ما يسمى بـ(الجيش العراقي الحر) على غرار (الجيش السوري الحر)، إذ اتهم النائب عضو لجنة الامن والدفاع البرلمانية اسكندر وتوت، السبت (25/8/2012)، السعودية بالتمهيد لتأسيس فصائل مسلحة تحت مسمى" الجيش العراقي الحر" لتنفيذ عمليات ارهابية في العراق .وقال وتوت في تصريح نشرته البغدادية نيوز اليوم: "نمتلك معلومات تفيد بوجود نوايا لدى كل من السعودية وقطر وتركيا لتجنيد بعض الفصائل المسلحة والمجاميع الإرهابية وتنظيمهم تحت مسمى " الجيش العراقي الحر" على شاكلة الجيش السوري الحر وذلك لتنفيذ "مؤامرة ضد العراق والعملية السياسية ".
وتابع ان " لجنة الامن والدفاع اخطرت الجهات الامنية في محافظات الفرات الاوسط لغرض القيام بحملة توعية في تلك المحافظات ضد " تجار السلاح " الذين عمدوا الى افراغ المحافظات من الاسلحة الخفيفة من خلال اغراء اهالي تلك المناطق بالمال مقابل التخلي عن اسلحتهم الشخصية في محاولة من بعض الجهات المرتبطة بالسعودية وقطر وتركيا تحديدا، لإفراغ المنطقة من السلاح تمهيدا لتنفيذ مؤامرة تستهدف العراق بأكمله"]. انتهى

فمن هي القوى الداخلية التي ستعتمد عليها السعودية وقطر وتركيا لتشكيل الجيش العراقي الحر غير فلول البعث التي تشكل فصائل الإرهاب، وفي نفس الوقت متخفية في كتلة "العراقية"، وما فضيحة طارق الهاشمي إلا غيض من فيض؟

فالبعث، كأي تنظيم إرهابي، لا دين له ولا مذهب سوى السلطة، ففي مرحلة أوج قوتهم لم يسلم من جورهم، لا سنة ولا شيعة، وقد أعدموا الشيخ عبدالعزيز البدري (السني)، كما أعدموا الشيخ رافع البصري (الشيعي) وغيرهما من فقهاء المذهبين. ولكن عندما تشتد عليهم الأزمة، لن يتورعوا بتوظيف ورقة الطائفية والإدعاء بأنهم حماة حقوق العرب السنة في العراق. والمؤسف أنهم نجحوا في تمرير كذبتهم، فتحالفوا مع القاعدة الوهابية، وشنوا حرباً ضروساً لإبادة الشيعة بشكل عشوائي. ولكن في نفس الوقت لم يترددوا في قتل كل من يرفض التعاون معهم من العرب السنة، إذ هناك مئات الحوادث الإرهابية ضد السنة العرب، وآخرها العملية الإرهابية الخسيسة التي استهدفت رئيس هيئة إفتاء أهل السنة والجماعة في العراق، الشيخ مهدي الصميدعي إلا لغرض استهداف رموز الاعتدال، كما جاء في بيان (جماعة علماء العراق) الذي حذر من وقوع البلاد في منزلقات الحرب الطائفية و"انهيار جدار الاعتدال السني". كذلك نعرف أن فلول البعث قاموا بقتل البعثيين السابقين الذين رفضوا التعاون معهم، وما حملة قتل الطيارين والعلماء والأكاديميين والأطباء العراقيين إلا أمثلة حية على صحة ما نقول، وإلقاء الجريمة على الموساد والاحتلال الأمريكي "الغاشم" و"الفرس المجوس" وحتى الحكومة العراقية المنتخبة "العميلة لإيران وأمريكا". (راجع مقالنا: من وراء قتل العلماء والأكاديميين العراقيين؟).

يعترض المدافعون عن البعث، وتحت مختلف الأسماء الحقيقية والوهمية، بأن البعث انتهى قبل عشر سنوات، واتهامي بالعداء الشخصي ضد البعث...الخ، نسي هؤلاء أن البعث ترك إرثاً ثقيلاً لا يمكن إزالته بجيل أو حتى بجيلين، كذلك فلولهم المسلحة التي تحارب العراقيين تحت أسماء إسلامية، وهي في الحقيقة بعثية صرفة.

ولإثارة الفتنة الطائفية، لن يتورع البعثيون في نشر قصص وحكايات يستلونها من كتب التراث العربي- الإسلامي المشحون بالفتن والصراعات الدموية. فيطلع علينا كاتب بلباس سني يطلق شتيمة ضد الشيعة، وليطلع ثانية وبلباس شيعي، فيرد على الشتيمة الأولى ويشتم رموز أهل السنة. وبهذه الطريقة يستدرج كتاب ورجال دين من الفريقين للمشاركة في تبادل الشتائم والإساءة إلى رموزهم الدينية التاريخية لتهييج الجماهير من الطائفتين، وصب المزيد من الزيت على نار الطائفية المشتعلة. إذ كما استشهدنا في مقال سابق، أن الإرهابي لا يعتمد على نتائج أفعاله المباشرة فقط، بل على ردود الأفعال.

استلمت قبل أيام عن طريق البريد الإلكتروني، محاورة بعنوان (فضّال يُخجِل أبا حنيفة) يبدو أنها منقولة من كتب التراث المليء بالكذب والزيف، أنقلها النص كالآتي:
(( كان فضّال بن الحسن الكوفي، أحد أبرز تلامذة الإمام الصادق (ع)، مرّ بأبي حنيفة وهو في جمع كثير يُملي عليهم شيئاً من فقهه وحديثه. فقال لصاحبه الذي معه: والله لا أبرح أو أُخجل أبا حنيفة!! فدنا من مجلس أبي حنيفة وسلّم عليه فرد القوم بأجمعهم السلام عليه.. فقال فضّال: يا أبا حنيفة، رحمك الله، إن لي أخاً يقول: إن خير الناس بعد رسول الله (ص) علي بن أبي طالب. وأنا أقول: إن أبا بكر خير الناس وبعده عمر. فما تقول أنت ؟!. قال أبو حنيفة: قل لأخيك .. كيف تقدم علياً على أبو بكر وعمر فإنهما كانا يجلسان في الحروب إلى جنب رسول الله (ص) في حين يبعث الرسول (ص) علياً إلى الحرب والقتال، وهذا يعني أنه (ص) كان يحبهما أكثر وسعى لإبعادهما عن مواطن الخطر.. قال فضّال: وأنا قلت ذلك لأخي، فأجابني إن القرآن الكريم فضّل المجاهدين في قوله: "وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً" (النساء 95). فأطرق أبو حنيفة ملياً ثم رفع رأسه فقال: كفى بمكانهما من رسول الله (ص) كرماً وفخراً. أما علمت أنهما ضجيعاه في قبره، فأي حجة لك أوضح من هذه ؟!. فقال له فضّال: إني قد قلت ذلك لأخي، فقال: يقول القرآن الكريم: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} (الأحزاب 53)، ومعلوم أن قبر النبي (ص) في بيته ولم يصدر منه إجازة بدفنهما قطعاً ولا من الورثة.. قال أبو حنيفة : قل لأخيك إن عائشة وحفصة قد بقي لهما شيئاً من مهرهما عند النبي (ص) فاستحقتا بذلك مقداراً من أرض البيت و وهبت كل واحدة هذا المقدار لأبيها.. قال فضّال: لقد قلت ذلك لأخي، فقال: ألم تقرأ القرآن حيث يقول: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن}. (الأحزاب 50)، وبهذا يكون النبي (ص) قد أعطى كل واحدة من زوجاته مهرها في حياته.. فأطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال: إنهما نظرا حق عائشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع وبحقوق ابنتيهما.. فقال فضّال: قد قلت له ذلك، فقال: أنت تعلم إن النبي (ص) مات عن تسع نساء ونظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن ومن ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر .. فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك ؟!!!. وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول الله (ص) وفاطمة (ع) إبنته تُمنع من الميراث؟!!!. فقال أبو حنيفه: يا قوم, نحّوه عني فإنّه رافضيّ خبيث!!!
قال (ص): {البخيل من ذُكرت عنده و لم يصلّ عليّ}. اللهم صلّ على محمد وآل محمد. أرسلها على حب أمير المؤمنين.)) انتهى.

ولنناقش مدى صحة هذا النقل. فالمعروف عن أبي حنيفة أنه كان من أنصار الإمام علي وأهل بيته، أو إذا جاز التعبير من شيعته، فجميع سنة العراق كانوا مع الإمام علي في حربه على معاوية، وأبو حنيفة أفتى ينصرة الثائر الإمام زيد بن علي في ثورته على دولة بني أمية، وساعده بالمال والفتيا في الثورة على عبدالملك بن مروان، ومن ثم ناصر أهل البيت في العهد العباسي، وسجن وعذب مع الإمام موسى الكاظم (الشيعي) ولنفس السبب. فكيف لهذا الفقيه المحترم من جميع المسلمين، أن يدخل في هكذا حوار؟
كذلك فلو تأملنا النص، نجده وضع بشكل مفبرك وكأن فضال بن الحسن الكوفي كان يعرف مسبقاً أجوبة أبي حنيفة على أسئلته، لذلك رتبها وفق ما كان يتوقع أن يسمع من إجابات، وفق اعتراضات أخيه المفترضة. ولذلك، ومن قراءة متأنية لهذا الحوار، نعرف أنه منحول وكتب ربما عشرات أو مئات السنين بعد موت الإمام أبي حنيفة، من قبل أناس يريدون دق الأسفين بين الشيعة والسنة. وفي عصرنا هذا راح هؤلاء ينبشون في بطون كتب التراث للحصول على ما ينفعهم لإثارة طائفة على أخرى. وحتى لو سلمنا جدلاً بصحة هذه الرواية، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الغاية والفائدة والحكمة من ترويجها، خاصة في هذا الوقت؟

وقد ذكر الدكتور علي الوردي الكثير من هذا النوع من محاولات مؤججي الفتن الطائفية بين المسلمين، مثلاً كان معاوية يدس بعض جواسيسه في جيش الإمام علي في صفين، يناقشون الإمام حول الشيخين (أبو بكر وعمر) وأفضليته في الخلافة منهما. وكان غرض معاوية أن يصدر من الإمام علي كلام ضد الشيخين ليشهر به بين المسلمين وإثارتهم ضده. فكان الإمام يعرف غرض هؤلاء المندسين فيردهم بذكر فضائل أبي بكر وعمر وبذلك كان يخيب آمالهم. كذلك استشهد الوردي بالكثير من أقوال وأشعار أئمة أهل السنة الأربعة، وهم يؤكدون فيها حبهم للإمام علي وأهل البيت. لذلك علينا أن لا نقع في فخ المتصيدين بالماء العكر.

والسؤال هنا، ما هي الغاية من نشر حكايات وقصص المقارنة بين الإمام علي وبقية الخلفاء الراشدين والتحيز لهذا الجانب أو ذاك وفي هذه الفترة العصيبة بالذات؟
لا شك أن الحملة الإعلامية في نشر هذه المحاورات المشبوهة هي مرتبطة بالإرهاب الطائفي، وما تقوم به السعودية وقطر وتركيا من محاولات لحرق العراق وسوريا بنيران حروب طائفية. وبدورنا نحذر هؤلاء الحكام، وننصحهم أن يتعلموا من أخطاء الرئيس السوري بشار الأسد الذي كان يرسل أتباع القاعدة لإشعال الحرائق في العراق، وها هو اليوم مبتلى بالحرائق، وعلى أيدي نفس الجماعات التي كان يرعاها ويرسلها إلى العراق. وها هي الأنباء ترد عن إشعال الحرائق في تركيا أيضاً، أما السعودية وقطر فليستا محصنتين من الحرائق القادمة ولا بد أن تصلهما.

وللإجابة على السؤال من الأولى بالخلافة علي أو أبي بكر، من المفيد أن نسترشد بالمصلح الإسلامي الكبير، جمال الدين الأفغاني، وكما يقول عنه علي الوردي: [على الرغم من أصله الشيعي إلا إنه لا يتعصب للتشيع تعصباً أعمى، وكان الأفغاني يعتقد أن إثارة قضية الخلافة بعد وفاة النبي أمر يضر المسلمين في الوقت الحاضر ولا ينفعهم، وهو يتساءل في ذلك قائلاً: "لو أن السنة وافقوا الشيعة الآن على أحقية علي بالخلافة فهل يستفيد الشيعة من ذلك شيئاً؟!! أو أن الشيعة وافقوا أهل السنة على أحقية أبي بكر فهل ينتفع أهل السنة؟!!" ويهتف الأفغاني بعد ذلك قائلاً: "أما آن للمسلمين أن ينتبهوا من هذه الغفلة؟! ومن هذا الموت قبل الموت؟!.."]

حقاً ما قاله أبو العلاء المعري:
إن الشرائع ألقت بيننا إحنا وعلمتنا أفانين العداواتِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/ الموقع الشخصي

هامش
أدناه، رابط لفلم نادر لا علاقة له بالموضوع، إنه فلم أكثر رعباً من أفلام الفريد هتشكوك، فحكم البعث ليس رعباً للشعب فقط ، بل هو رعب حتى للبعثيين أنفسهم، وبالأخص القياديين منهم. يظهر هذا الفيلم وحشية صدام حسين حتى مع اعز اصدقائه ورفاقه، ونفاق الأعضاء والتزلف له من أجل الحفاظ على حياتهم، ستشاهدون عضو القيادة القطرية محيي عبدالحسين المشهداني مرعوباً، وهو يقدم اعترافات "المتآنرين". وبدورنا نهدي هذا الفيلم إلى أصحاب "النوايا الحسنة" الذين يبالغون بسلبيات العراق الجديد، ويتمنون عودة حكم البعث. مدة الفيلم 45 دقيقة، القسم الأول 38 دقيقة، فيه لقطات من مؤتمر القيادة القطرية، بعد استلام صدام رئاسة الجمهورية
وإزاحة البكر عام 1979 حيث دشن رئاسته بإعدام نحو 19 قيادياً في الحزب. أما دقائق السبع الأخيرة فهي لقطات عن الأعمال الوحشية التي قام بها الجزارون ببتر أطراف الضحايا، وهي مناظر بشعة لا أنصح بمشاهدتها.


http://www.youtube.com/

watch?NR=1&feature=endscreen&v=Ho6zxuB8_Xg

الأربعاء 29 / 8 / 2012
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان