home
tri
tri
focus
الانتحاري الارهابي..أبن السلطة العربية

الانتحاري الارهابي..أبن السلطة العربية

أ.د.قاسم حسين صالح
رئيس الجمعية النفيسية العراقية

نحن السيكولوجيين وعلماء الاجتماع نختلف عن السياسيين في وجهة نظرنا بخصوص الارهاب والارهابيين.فالسياسيون ينظرون للارهابي من حيث الأهداف التي يسعى الى تحقيقها،المتمثلة باسقاط نظامهم السياسي واقامة دولة اسلامية،فيستخدمون (البندقية) بمنعهم من تحقيق اهدافهم والقضاء عليهم ..فيما نحن نهتم بالأسباب التي دفعت شخصا من عامة الناس الى أن يكون أرهابيا،ونستخدم (العلم) في تحليل الأسباب التي جعلت شخصا عاديا يكون ارهابيا،وتحليل شخصيته موازنة بآخرين عاديين مثله عاشوا الظروف ذاتها وما صاروا ارهابيين.
ولقد اشرنا في اكثر من مناسبة الى دراسة عراقية ميدانية شملت (300) ارهابيا مودعين في السجون العراقية،بينهم أجانب وعراقيون وعرب من تسعة بلدان،وكانت الأولى محليا وعربيا وعالميا من حيث حجم العينة والأدوات العلمية التي طبّقت عليهم.
والنقطة الخلافية بيننا والسياسيين أنهم يشخصّون الخلل في الانتحاري الارهابي فيما نشخصّه نحن في المعتقد الذي يحمله في رأسه ويسوقه الى تحقيق هدفه.فنحن نرى أن السلوك،أيا كان نوعه:عبادة،قتل...،ناجم عن فكرة او معتقد ..وأن اختلاف الناس في سلوكهم(أفعالهم)ناجم أساسا عن اختلافهم في الأفكار والمعتقدات التي يحملونها.
ان كلّ المنتحرين يقدمون على الانتحار اخلاصا لمعتقد يؤمنون به.ولا اختلاف، في الفعل، بين الطيارين اليابانيين الذي انتحروا بضربهم،في لحظة مباغتة، البارجات الأمريكية الحاملة للطائرات وتفجيرها بطائراتهم في ميناء بيرل هاربر،والشرطي العراقي الذي احتضن ارهابيا يحمل حزاما ناسفا فانفجرا معا..وبين انتحاري ارهابي يفجّر نفسه بين الناس..فالفعل هو انتحار،والفرق يكمن في نوعية المعتقد الذي يدفع صاحبه الى الانتحار.فهو عند الطيارين اليابانيين كان من أجل الوطن،وهو عند الشرطي العراقي الشهم كان تضحية بالنفس من أجل الآخرين..فيما هو عند الانتحاري الارهابي الحاق أكبر الأذى بالآخرين. ولهذا علينا أن نجيب على هذا السؤال:
كيف تشكّل هذا المعتقد لدرجة انه يجعل الفرد يستسهل افناء نفسه والآخرين بعملية قتل بشعة؟.
لقد وجدنا أن الانتحاري الارهابي هو صناعة عربية،وأن المصدر الأول في تشكيله هو السلطة العربية،وأنه أبنها بامتياز.وان هذا لا يعود لظلم السلطة بالدرجة الأولى،بل لانعدام العدالة الاجتماعية المتمثل بثراء فاحش ورفاهية خرافية تتمتع بها قلّة وحرمان تعاني منه الأكثرية،أفضى الى اغتراب بين المواطن العربي وسلطته.وما لا يدركه كثيرون ان الاغتراب،فضلا عن كونه حالة مأزقية بين الفرد والسلطة،فأنه يحسس صاحبه بأن وجوده لا معنى له وأنه يعيش حياة بلا هدف.
ولأن الحاكم العربي تتحكم به (سيكولوجيا الخليفة)التي يرى فيها نفسه امتدادا للخليفة من 1400عاما،ولأنه استفرد بالثروة لضمان ديمومة سلطته،فان بين المغتربين عن السلطة العربية من راح يبحث عن سلطة أخرى يجد فيها لوجوده معنى ولحياته هدفا..فوجدها في (القاعدة) بعد أن زين له من يراهم قدوة أنه سيكون بين هدفين لا أروع منهما:اما أن يفوز بتحقيقه دولة اسلامية يكون فيها أميرا،واما يموت ويفوز بالجنّة ..في حياة أبدية بها ما لذّ وطاب وحور عين وولدان مخلدون بخدمته.
ولهذا فان الانتحاري الارهابي ليس فقط يستسهل تفجير نفسه بل يستعذبه لأنه مؤمن ايمانا مطلقا بمعتقده الذي لا أروع وأكرم واعظم منه في نظره.ولهذا لم تستطع أمريكا بعظمتها العسكرية ومعها حلف الناتو القضاء على الارهاب..لأن السلطة العربية (ولادّة)لانتحاريين ارهابيين يعدّون الحياة أمرا تافها ازاء حياة أبدية في جنّات النعيم،ويعدّون النيل من حاكم يعيش حياة الأباطرة فيما هم غرباء..أذلاّء في وطنهم..قصاصا عادلا وأمرا جهاديا.
والحقيقة التي ينبغي أن يفهمها السياسيون أن (البندقية)لوحدها لن تخيف من يستسهل ويستعذب افناء نفسه والآخرين،وليس بمستطاعها القضاء على الارهاب..ما لم يتم توظيف (العلم) والاستعانة بالسيكولوجيين وعلماء الاجتماع تحديدا.
لقد اقترحنا قبل عام تأسيس مركز علمي عراقي لمناهضة الارهاب،نشرته جريدة الصباح ومواقع عراقية، يقوم عليه أكاديميون مستقلون.وكنّا ذيلنا مقترحنا ذاك بعبارة (وما نخشاه أن صوت العلم لا تصغي له أذن السياسة)..ويبدو أن الزمن أثبت،للأسف، صدقيتها.

الثلاثاء 24 -5-2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان