home
tri
tri
focus
ظاهرة..اردوغان

ظاهرة..اردوغان


أ.د.قاسم حسين صالح

رئيس الجمعية النفسية العراقية

يعدّ اتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الأولى بهوية علمانية، فيما يعدّ اردوغان مؤسس الجمهورية التركية الثانية بهوية اسلامية ديمقراطية جمعت بين اضداد في توليفة جاءت على نحو فريد!.
فالرجل خرج من رحم المؤسسة الدينية التركية، وحين فاز بالحكومة عام 2002 قال بأنه لا يمثل حزبا دينيا، ولا يريد بناء دولة ديمقراطية تفصل بين الدين والدولة كما في اوربا، ولا يريد للدولة ان تسيطرعلى الدين كما هو حال العلمانية التركية.
كيف حل هذا التناقض الذي هو اكثر من معقد على صعيد المجتمع التركي المؤلف من اعراق متعددة وعشرين حزبا سياسيا، وعلى الصعيد الدولي لا سيما الامريكي والاوربي والعربي؟.
ومع انه رجل دين وزوجته محجبه، وابنته محجبه..رفضت الجامعات التركية قبولها فيها فبعث بها الى امريكا لاكمال دراستها، فأنه صرّح قائلا: (نحن لا نحتاج في تركيا الى مزيد من المشايخ او علماء الدين، وانما نحتاج الى رجال سياسة ماهرين وشرفاء).
كيف استطاع (بائع البطيخ) هذا الذي كان يعيل والده الفقير ان يصبح رجل تركيا الأول؟.
كيف استطاع ان يدخل قلوب الاتراك التي احتلها اتاتورك عبر اكثر من نصف قرن وينافسه في المساحة ؟.
كيف استطاع ان يجعل حزبه يفوز في الانتخابات لدورتين بما لم يفز به عشرون حزبا منافسا، مع انه احدثها تاسيسا (2001)؟.
التفسير السيكولوجي الاجتماعي لظاهرة اردوغان.. بسيط جدا، هو ان الناس يثقون بالحاكم حين يكونوا على يقين بأنه نزيه في اخلاقه، كفوء في عمله، ومعالج ذكي لمشاكلهم.
في النزاهة، عمد في عام 2006 الى ان تمارس النيابه العامة دورها باخلاص في الكشف عن الفساد والمفسدين والمجرمين وتقديمهم الى المحاكمة (شاهد مسلسل وادي الذئاب التلفزيوني لتعرف كم كان حجم الفساد والمافيا في تركيا ). وكان اكبر وأصعب انجاز هو تقديم اضخم مؤسسة اعلامية تركية (دوغان) التي تملك كبريات الصحف التركية والفضائيات والاذاعات، الى العدالة.
وعلى صعيد الكفاءة، فأنه جعل اسطنبول واحدة من اجمل مدن العالم حين تولى ادارتها في التسعينيات فأرتفع عدد زائريها بالصيف ما بين 2 ـ 4 ملايين سائح سنويا،وحظي بسمعة طيبة بين الاتراك.
وعلى صعيد مشاكل الناس، فأنه ركز في ثلاث قضايا: التوزيع العادل للثروة، والبطالة، والتنمية.
هذه هي الثلاثية السحرية التي حققت ظاهرة اردوغان. وطبيعي ان هذا لن يحصل ما لم يكن صاحبه يتمتع بذكاء شديد كالذي يتمتع به اردوغان، الذي عمل على التوفيق بين حزب اسلامي معتدل واوربا علمانية وامريكا المنكوبه بكارثة سبتمبر (الاسلامية). وبذكائه الاقتصادي ايضا استطاع ان ينقذ تركيا من الازمة المالية العالمية (2010)، وان يجعل نموها الاقتصادي اكبر من نمو اقتصاديات دول اوربا.
ومن ذكائه السيكولوجي انه استطاع ان يتخلص من عقدة (التعصب النمطي) المصاب بها الحكام العرب التي تريهم فقط ما هو ايجابي فيهم وتضخيم ما هو سلبي في الجماعة الاخرى،وهو (حول ادراكي ) أودى بصدّام حسين الى الهاوية..وآخرين على طريقه سائرون.
لقد كتب الأمريكي نوح فيلدمان الاستاذ في القانون الدستوري والفكر الاسلامي يقول:( ان عملية اعادة بناء الدولة في العراق يتضمن العمل على كسب عقول العراقيين وقلوبهم)..وهذا ما صنع ظاهرة اردوغان في تركيا..ويبدو ان أرحام العرب لن تلد اردوغان عربيا..ما دامت بيئتهم ملوثة بثاني اوكسيد الفساد!.
*****
مقالات أخرى للكاتب

 

 

 السبت 30 -7- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان