home
tri
tri
focus
واحسرتاه على..بغداد

واحسرتاه على..بغداد

ا.د. قاسم حسين صالح

زرت اسطنبول هذا الصيف فوجدتها غير التي زرتها قبل عشرين سنة.صارت شوارعها الرئيسة تحف بها الاشجار العالية، تتوسطها تشكيلات من الورود الملونة على بساط اخضر تحسبها باقات معروضة للبيع..تبين لي أن الذي جعلها على هذه الصورة البديعة هو رجب طيب أردوغان حين كان في التسعينيات رئيس بلديتها!
وبحسب صديق تركي،فأن التطور في اسطنبول يجري بأستمرار، اذ تضاف لها الف زقاق كل عام،وتنشأ الحدائق والساحات..كل شيء فيها مريح ولهذا يزداد عدد سكانها نصف مليون سنويا".ومع ان نفوسها اكثر من (10) مليون، وفيها اكثر من ثلاثة ملايين سيارة،فأن انسيابية السير فيها تدهشك،لأن الحكومة خدمت المواطن بتوفير مترو تحت الأرض وقطارات فوقها وباصات مصلحة و(كوسترات) و(33) الف سيارة تكسي.
كان صيفها هذا العام باردا"، وعدد زوارها فاق ثلاثة ملايين جاءوا من قارات الدنيا،بينهم الشقراوات بلون الذهب والسوداوات بلون الفحم،والمستورات من قمة الرأس الى اسفل القدم، والكاشفات الصدور والظهور والافخاذ.وما يدهشك انك تسمع اذان العشاء يأتيك من كل الجهات فتمتليء مساجدها بالمصلّين،وعلى بعد امتار منها نواد تمتليء بشاربي (المنكر). كلّ على هواه، واحترام الآخر هو سيد الموقف. فأسطنبول مدينة تحتضن الحداثة وتقدّس تاريخها. ففيها كأنك بمتحف مفتوح، تقرأ تاريخ الأسلام وتاريخها قبل الميلاد! فحيثما وليت وجهك فيها يواجهك التاريخ في جامع او قصر او اثر تاريخي. تصور ان سورها البحري الذي كان يحيطها في العهد البيزنطي، ما تزال اثاره تحكي لك تاريخ المدينة..وكذا اسوارها البرية. الناس هنا يحترمون احجارها حتى المهدمه! التي لو كانت عندنا لدفرناها بارجلنا.
كان ملايين السائحين مبهورين باسطنبول لأنها تقدّس تاريخها بفخامة! ففيها سبعة مساجد وخمسة جوامع كبيرة وثمانية قصور فخمة واربعة متاحف ضخمة، كل واحد يبهرك بما فيه، فأن زرت المتحف الاسلامي احتجت ساعات لتستكشفه ، وان دخلت مسجد سلطان احمد اندهشت بعقل المعماري محمد اغا كيف اتى به على هذا التكوين الفريد في سبع سنوات، وان دخلت متحف ايا صوفيا صرت امام اكبر واقدس معلم في اسطنبول للدولة البزنطية.
وميزة الاتراك انهم يحبون التضخيم، ويجسدونه بتعظيم سلاطينهم.ففي جامع السلطان احمد مقبرة لعائلته يتوسطها قبره بارتفاع قامة وحوالي عشرين قبرا عليها عمائم بيض، وخلف الزجاج مقتنياته: قرآن كريم،ختم، ادوات حلاقة..
هنا وبالمتحف الاسلامي تسائلت وبالقلب غصّه:لماذا اسطنبول تقدّس تاريخها وبغداد ليس لها تاريخ مرئي؟ لماذا لسلاطينهم قبور محترمة وليس لخليفة عباسي واحد قبر في بغداد؟ الم يكن هارون الرشيد اضخم مجدا واعظم من اعظم سلاطينهم ومع ذلك لا يعرف له قبر؟ اين الجوامع التي بنوها، اين قصورهم؟. لقد رأيت(الحرم)، المكان الذي عاش فيه السلطان والمأخوذ من فكرة الحور العين في جنّة الآخرة ليكون تطبيقا لجنّة في الدنيا..فأين حرم هارون الرشيد الذي كان اضخم وافخم؟
ستقول ان بغداد تعرضت للغزو المغولي وو..، لكن اسطنبول ما كانت بمنأى، فالعرب حاصروها اربع مرات واستولى عليها الفرس ودمرتها اربع حملات صليبية،الى ان فتحها السلطان محمد الفاتح عام 1453 فصارت الآن العاصمة الاعلامية للحضارة الاسلامية، فيما بغداد هي الأصل كونها عاصمة الدولة الاسلامية لخمسمائة سنة زائدا(384) سنة من تاريخ الحكم العثماني الاسلامي!.
يا لفاجعة بغداد،فمع انها تمتلك اضعاف كنوز اسطنبول للخلفاء العباسيين والسلاطين والولاة العثمانيين والجوامع،فان ما بقي منها مهمل نرمي قرب جدرانه الازبال، ولا اظن احدا سيهتم،فالحكّام بين قلّة مخلصة عاجزة وكثرة مهوسة بالسلطة والثروة، والناس مغيّب وعيها بطائفية تلعن معظم خلفائهم.
ياحسرتاه على تاريخ بغداد الذي تعيش اسطنبول بربعه فجعلها المدينة الاسلامية السياحية الاولى..للعالم غير الاسلامي!.فيما صار أهل بغداد يهجون منها!.

 

 

 الجمعة 19 -8- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان