home
tri
tri
focus
الفساد..حين لم يعد خزيا في العراق

الفساد..حين لم يعد خزيا في العراق
" قراءة نفسية "



أ.د. قاسم حسن صالح
رئيس الجمعية النفسية العراقية

الخزي..هو كل تصرف يتجاوز القيم الاخلاقية والدينية التي يعتمدها المجتمع..والخزي ضد الحياء، والفرد الذي يقوم بالتصرف الخزي..يعني انه لا يستحي..وحين يدعو الناس على احد لا يستحي يقولون: اخزاه الله.. اي فضحه.
وفي القوانين النفسية الخاصة بتطور المجتمع..فأن التصرف الخزي مدان لأنه يكون شاذا..والشاذ بالمعنى الاحصائي، يعني قلّة عدد الذين يمارسون هذا التصرف في المجتمع. ويعني في المعيار الاجتماعي، ان يكون متباينا نوعيا عن المعايير المقبولة. فبرغم أن السرقة في الليل كان يمارسها عدد من فقراء الريف العراقي زمن الاحتلال العثماني بسبب الفقر وقسوة السلطة وظلم الاقطاع،الا انها كانت تعدّ فعلا مشينا في المجتمع العراقي الحديث لدرجة أن الناس كانوا لا يعطون السارق زوجة. والحكم نفسه بخصوص الفساد اذ كان يعدّ ،بقيام الدولة العراقية، خزيا لأن مرتكبيه قلّه ولأنه يخرج عن المعايير الاجتماعية..ولهذا كان الناس يحتقرون من يقوم به وينبذونه. ونتيجة لهذه العقوبات الاجتماعية (احتقار الفاسد، ونبذه اجتماعيا..)، والعقوبات القانونية (السجن واسترداد المال المسروق)، فأن الفساد ظل زمنئذ حاله حال اية ظاهرة اجتماعية،لا تقربه الا قلّة تنتهك مبدأ الحلال والحرام فيما الكثرة المطلقة تعدّه خزيا.
والمفارقة الغريبة ان التوزيع الطبيعي للناس فيما يخص الفساد حدث فيه انقلاب. فالقلّه المنبوذه التي كانت تمارس الفساد، اصبحت الآن كثرة، والكثرة التي كانت ملتزمة بمبدأ الحلال والحرام توزعت بين من احلّ نفسه من هذا الالتزام وبين من ضعف او تخلخل لديه فصار مترددا..وبين قلّه تجاهد في الحفاظ عليه.
هذا يعني ان الفساد تحول في العراق، من فعل كان خزيا..الى تصرف لا يعدّ خزيا..ولا فضيحة بل صار يعدّ (شطاره) و (انتهاز فرصة)!.
والسؤال: هل حصل ذلك فجأه، او في بضع سنوات؟
ان لدينا ما يشبه النظرية ( او قانون اجتماعي) في تفسير ذلك ،خلاصتها:

(اذا زاد عدد الأفراد الذين يمارسون تصرّفا يعدّ خزيا،
وغضّ الآخرون الطرف عن أدانته اجتماعيا أو وجدوا له تبريرا،
وتساهل القانون في محاسبة مرتكبيه..تحول الى ظاهرة
ولم يعدّ خزيا كما كان).

ونظريتنا هذه تقوم على حيثيات اولاها.. ان العراقيين خضعوا الى تدريب على (التطبيع النفسي) للفساد من منتصف سبعينيات القرن الماضي..بدأ بأشخاص اولا، مارسوا الفساد علنا وشرعا وغصبا..ابرزهم خير الله طلفاح وعدي صدام حسين وآخرون محسوبون على السلطة اشتروا بثمن بخس او اغتصبوا ممتلكات الاخرين..ثم تحولوا الى جماعات وشركات بين أصحاب اموال وبين اشخاص متنفذين في السلطة يؤمّنون لهم الحماية القانونية والأمنية.
وكانت المؤسسة العسكرية في النظام السابق، هي المساحة الاوسع والأسبق التي شاع فيها الفساد اثناء الحرب العراقية الايرانية..في مسارين:
الأول: بين الضباط وميسوري الحال من المجندين بدفع رشا و(هدايا) الى آمريهم للحفاظ على حياتهم او للحصول على اجازات لممارسة اعمالهم التي تدر عليهم رزقا اوفر.
والثاني: ان القيادة السياسية اغدقت على القادة العسكريين بمنحهم مكافئات مالية كبيرة وقطع اراضي وسيارات..ولّدت لدى الضباط الآخرين شعورا بالحيف دفع بكثيرين منهم الى أخذ (حقهم) من الدولة بطريقتهم الخاصة.
وثانيها.. ان الحروب والحصار، لثلاث وعشرين سنة متواصلة، افقرت الناس واعوزتهم، لدرجة ان اساتذة الجامعة، الذين كانوا يحتلون المرتبة الرابعة في قمة الهرم الاجتماعي، تراجعوا اقتصاديا في التسعينيات الى المرتبة الخامسة والعشرين، واضطر عدد منهم الى بيع كتبه او العمل سائق اجره بسيارته الخاصة، فيما اضطر المعلمون والمدرسون الى بيع السجائر في (بسطيات) يشتري منهم المارّة في الشارع..بينهم طلبتهم!.
وهذه الحيثية ترتبط بثالثتها.. المتمثلة بـ(انعدام العدالة الاجتماعية) في تباين حاد بين ثراء وترف خرافي لأقلّية وبين عوز أذلّ اعزّة واشقى اكثرية..فعمد قسم كبير منهم الى اعطاء ضميره الاخلاقي (اجازه) حين رأى رعاة القوم ينعمون فيما أطفالهم شاحبون وزوجاتهم تتحسر على ثوب جديد.
تلك حيثيات عملت على اشاعة الفساد في زمن النظام السابق.
غير ان ما حصل في 2003 هو ان التغيير اطاح بالنظام ولم يطح بالفساد. بل انه وجّه طعنة في الظهر تقابل الطعنة التي سددها النظام السابق الى صدر المنظومة القيمية والاخلاقية للمجتمع العراقي..وكانت ابشعها بيد برلمان 2005 التي التف بها على مبدأ الحلال والحرام وطرحه ارضا (بشرعنة قانونية)..افضى ،بعد أن توسع في مؤسسات الدولة، الى توليد انطباعا عاما لدى الناس هو ان الحكومة غير جادة في محاربة الفساد،بنوعيه القانوني و(المشرعن).فالمسؤلون الكبار الذين نهبوا الملايين من الدولارات ينعمون بالمال الحرام ولم يحاسبوا،مما اثار الشك عند الناس بأن صمت الحكومة عنهم يعني انها شريكة معهم،او انها تحميهم لأمر تحار الناس في تفسيره.
اماالفساد (المشرعن) فأنه يمارس في العراق الحالي بثلاث صيغ:
الاولى: تخصيص رواتب ضخمة وامتيازات خيالية للرئاسات الثلاث والوزراء واعضاء البرلمان، بما فيها ايفادات لعواصم دول العالم..لا ضروره لها،ويصرف عليها ما يكفي لتزويد قرى عراقية بماء غير الذي يشربه أهلها مع حيواناتهم.
والثانية: تفيد التقارير بوجود اثني عشر الف عنصر حماية موزعين على اعضاء مجلس النواب والمسؤولين في الحكومة وبمعدل (30) عنصرا لكل مسؤول، نصفهم اسماء وهمية او في اجازة طويلة. واستغلال بعض المسؤولين التخصيص المالي المخصص لعناصر الحمايات لحساباتهم الشخصية، اي انهم يضعون اسماء وهمية لاشخاص غير موجودين على ارض الواقع بهدف الاستفادة من تلك الموارد المالية مما يعدّ وجها من اوجه الفساد المالي والاداري، وفقا لتقارير صادرة من مؤسسات تعنى بالنزاهة والشفافية.
والثالثة: ان المحاصصة ادت بالحكومة الى التعامل مع قضايا الناس والبلد وفقا لمصالح اطرافها، وانها صارت تسعى لخدمة كتلها السياسية اولا ومصالحها المادية تحديدا، وتتخذ قرارات (ترضيه)..جوهرها فساد مشرعن، ابرزها تشكيل حكومة من (42) وزيرا،لا شغل حقيقي لنصفهم سوى اخذ رواتب ومكافئات ضخمة من المال العام. والمفارقة ان الكتل السياسية تصف الحكومة بالمترهله، وان رئيس الحكومة نفسه وصل الى قناعة بأن (ترشيق الحكومة بات ضرورة ملحّة) ودعا الكتل السياسية الى مساعدته في هذه الامر، فيما الناس مقتنعون بأن لا نيّة جاده لدى الحكومة بمحاربة فساد من هذا النوع ما دامت المحاصصة موجوده.ولهذا سيبقى الفساد ،فحين يخرق تحريم اجتماعي ويصبح ظاهرة فلن يعيد (اعتباره )الا عقوبات قانونية رادعة بحق مرتكبيه،وذلك بتشكيل محكمة من قضاة مستقلين تبدأ بمحاكمة كبار الفاسدين أولا..وهو أمر يبدو صعب التحقيق حاليا.
وسيكولوجيا،ما الذي تعنيه هذه الاوجه الثلاثه للفساد المشرعن؟.
ان الناس ينظرون الى المسؤول ليس فقط راع لمصالحهم، بل بوصفه (قدوة) لهم ايضا، وانهم ينمذجون سلوكهم على سلوكه بعملية تشبه تقليد الطفل لسلوك أبيه. وحين يفقد المسؤول مواصفات (القدوة) الأنموذج ويرونه تحول من راع عادل لمصالحهم الى (مشرعن) للفساد بأخذه اضعاف ما يستحق من المال العام، وبسكوته عن محاسبة فاسدين مفضوحين، فأنهم يحلّون انفسهم من التزامهم بمبدأ الحلال والحرام مبررين ذلك بأن الفساد لم يعد خزيا، تعززه ذاكرتهم بأن تاريخ المسؤولين في العراق تاريخ فساد، باستثناء مسؤول واحد كان (الانموذج القدوة)..عبد الكريم قاسم الذي اريد ان لا يكون له قبر..فكان قبره قلوب كل العراقيين الطيبين..فيما الفاسدون لعنوهم في قبور لم يأخذوا معهم فيها ولا حتى دينارا!.

 الإثنين 4 -7- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان