home
tri
tri
focus
السلطة والمثقف..هل سيلتقي الجبلان؟

السلطة والمثقف..هل سيلتقي الجبلان؟


أ.د. قاسم حسين صالح

كل تصرف في علاقة بين طرفين يكون محكوما بالطبيعة السيكولوجية لهذه العلاقة،سواء كانت بين زوجين او صديقين او جماعتين..او بين المثقف والسلطة. فما الطبيعة السيكولوجية للعلاقة بين السلطة والمثقف؟. ما الصورة التي يحملها المثقف عن السلطة، وما الصورة التي تحملها السلطة عن المثقف؟.وعلى افتراض انهما خصمان او مختلفان في الفكر والمزاج والضمير والقيم، فهل سيأتي حين من الدهر يكونان فيه منسجمين، ام انهما يبقيان الى الازل.. جبلان لن يلتقيا؟.
اننا نعني بالسلطة هنا نظام الحكم السياسي الممثل بحكومة مسؤولة عن ادارة شؤون الناس، ونقصد بالمثقف..الذي يكتب وينشر في قضايا تخص الفكر بكل انواعه والحياة بكل مجالاتها، ويكون مخلصا للحقيقة وصادقا مع نفسه.
هذا يعني ان السلطة والمثقف يجمعهما ميدان مشترك من القضايا التي تخص الناس والحياة، ولكنهما يختلفان في امرين: المنظور الفكري(المعرفي) الذي يحملانه بخصوص هذه القضايا، واساليب التعامل معها. فالسلطة تحمل منظورا فكريا واقعيا، فيما هو عند المثقف مثالي..بمعنى انها تنظر للامور وتزنها على اساس ابعادها الواقعية فيما ينظر لها المثقف على اساس ابعادها الانسانية.
القضية عند السلطة تقاس على ما يمكن ان تكون عليه، فيما يقيسها المثقف على ما ينبغي ان تكون عليه ،(والفرق كبير بين تكون وينبغي). والاختلاف في المنظور الفكري يؤدي الى الاختلاف في التعامل حتى مع القضية الواحدة، تماما مثل المصاب بالبرانويا الذي يفسّر همس اثنين بأنه تآمر عليه فيما يفسّره آخر بأنه مسألة خاصة بينهما.
ان الصورة التي يحملها المثقف العربي عن السلطة انها (عدوة) له. فمفهوم السلطة، حتى في اللغة العربية، ظل مشحونا لقرون بطابع العنف والقوة ودلالات التسلط التي تتجلى في غائيات الطاعة والخضوع والامتثال، فيما هي (السلطة) في اللغة الفرنسية مثلا تعني الحق في توجية الاخرين والقدرة على اتخاذ القرارات وشرعية استخدام القوة. وبما ان الحرية للمثقف كالهواء..لا يمكن ان يمارس دوره من دونها، وان السلطة تخشى الحرية، فأن المثقف عاش حالة اغتراب نفسي عنها أفضت بحتمية سيكولوجية الى علاقة خصومة او عداوة.
ولقد تشكلت لدى السلطة صورة نمطية عن المثقف بأنه خيالي..يتعامل مع الامور بحس انفعالي، ويريد ان يكون التعامل مع الناس بشاعرية..بانسانية، فيما السلطة تتعامل مع القضايا من منطلق مصلحتها الشخصية اولا ومصلحة الناس ثانيا، ولا مكان للمشاعر والعواطف..فقلبها غليظ وطبعها خشن وليس رومانسيا كقلب المثقف ورقيقا كطبعه.
وثمة طباع سيكولوجية متناقضة بين السلطة والمثقف. فالسلطة اعتادت دائما ان تقوم بدور المتحدث، وعودت الناس ان يقوموا بدور المنصت لها، فيما المثقف يعدّ نفسه الاكفأ بالتحدث والاصدق..فتخشاه لأنه اقرب منها نفسيا للناس.والسلطة تعدّ قناعاتها هي الصحيحة لأنها ناجمة، في رأيها، عن (طبخة)ناضجة وعملية جمعت كل مكونات القضية، فيما (طبخة) المثقف ناقصة في رأيها، ولهذا فانها لن تستمع لرأيه حتى لو كان يمنح (طبختها) طعما طيبا.. الا اذا كان حلوا في فمها. والسلطة تميل الى التعميم وتعمل على ان تشيع ثقافة تنتج افرادا بالمواصفات التي تريدها هي، فيما المثقف يميل الى التفريد ولا يضع للثقافة مواصفات او حدودا. والمثقف ناقد بطبيعته لا سيما للجوانب السلبية، فيما السلطة بطبيعتها لا تحب من ينقدها. والسلطة تشعر بالنقص الثقافي امام المثقف ، فتتولد لدى كليهما عقدتان سيكولوجيتان متناقضتان: الشعور بالنقص والاستعلاء..فهل بعد هذا،ياترى،سيلتقي الجبلان؟!

*****

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 الثلاثاء 12 -7- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان