home
tri
tri
focus
سيكولوجيا الفرهود بين بغداد وطرابلس

سيكولوجيا الفرهود بين بغداد وطرابلس

أ.د.قاسم حسين صالح

رئيس الجمعية النفسية العر اقية

لماذا شهدت بغداد حوادث نهب وفرهود مروّعة حين اطيح بصدام ونظامه، ولم تحدث مثلها في طرابلس حين اطيح بالقذافي ونظامه، برغم ان كليهما طاغيتان، وكلاهما حكم اربعة عقود؟.
السبب الأول، هو ان التدخل الاجنبي في ليبيا ساعد على اسقاط نظام القذافي وابقى على الدولة، فيما كان هذا التدخل هو الذي اسقط نظام صدام واسقط الدولة ايضا. وان الثوار في ليبيا هم الذين اقتحموا طرابلس باسلحتهم وبدبابات النظام وهم الذين حطموا تمثال القذافي، فيما الامريكان هم الذين دخلوا بغداد بدباباتهم الامريكية بعد ان احرقوا الدبابات العراقية وهم الذين لفّوا رأس تمثال صدام بعلم امريكا واطاحوا به ارضا في ساحة الفردوس بقلب بغداد.
وبين هذا وذاك فرق سيكولوجي كبير هو ان الوطن حين يغزى من اجنبي ويطيح بالدولة، وليس بالنظام فقط، فأن الناس المحرومة تعطي لنفسها المبرر والحق بنهب وطنها الذي يرون انه سينهب من قبل اجنبي..جبار..قوي، فيما الناس في الوطن الذي يقوم الثوار انفسهم باسقاط الطاغية ونظامه، لاتجرؤ.. خجلا او خوفا من حساب آني او مستقبلي، بالتجاوز على ممتلكات الدولة والناس، باستثناء المجرمين ومحترفي السرقة..وحتى هذه لم تحصل في طرابلس..لسبب آخر، هو ان قوى المعارضة السياسية حين تتوحد، وتقوم هي بفعل الثورة،فأنها تخشى أن تفقد هويتها الوطنية وصفتها الاخلاقية وهيبتها الاعتبارية حين تقوم بعض فصائلها او تسمح او لا تستطيع ان تسيطر على محاولات نهب المال العام والخاص، بعكس ما حصل في بغداد، لأن قوى المعارضة السياسية ما كانت صاحبة قرار، ولأن الامريكان (المحررين الغزاة) حموا المؤسسات العراقية التي تخص مصالحهم (القصر الجمهوري ووزارة النفط تحديدا) وتركوا حتى مصارف الدولة للنهب والسرقة العلنية..لتثبت امريكا للعالم بأدلة مادية عبر القنوات الفضائية بأن النظام في العراق انهار، وانه قبيح احتكر الثروة لنفسه وترك الناس في ثالث اغنى بلد نفطي،فقراء ينهبون حتى المهملات التي لا قيمة لها.
وسبب سيكولوجي آخر هو ان بغداد تعرضت في تاريخها الى اكثر من عشرين مرّة لنهب وفرهود واحراق مؤسسات، اكثرها بشاعة في نيسان 2003 "*" وآذار 1991،نجم عنهما اقتران شرطي بين النهب واسقاط النظام، جرى تشفيره في العقل الجمعي للعراقيين، فيما لم يحصل مثل هذا في طرابلس اثناء حكم القذافي،ولم يحصل في طرابلس بثورة الفاتح ماحصل في بغداد بثورة 14 تموز وقبلها في عام 41.ولم تتعرض طرابلس ما تعرضت له بغداد من حصار دام ثلاثة عشر عاما اكل فيها الناس خبز النخالة فيما حكّامها كانوا يأكلون لحم الغزلان.نعم،قد تكون حصلت في طرابلس عمليات نهب لم يغطها الاعلام كما غطاها في بغداد لأغراض خبيثة ،أحدها التشهير بالعراقيين..لكنها ما كانت قطعا بحجم ما حصل في بغداد.
على ان العامل السيكولوجي الأهم هو ان الانتماء للوطن لدى الشعوب العربية، اضعفه حكّامها، لا سيما صدام الذي ساوى شخصه بالعراق والقذافي الذي عدّ نفسه ملك الملوك وخليفة عبد الناصر وغيفارا، فيحصل حين يطاح بهؤلاء الحكّام انهيار الانتماء القسري لهم، فينهب الناس ما حرموا منه او ما عدّوه حقا لهم سلّبه منهم حكّام انفقوه في ترف سفيه،ولا يدركون انهم ينهبون الوطن لأن انتماؤهم له كان معدوما..ولأن الوطن الذي لا يحترم فيه المواطن ولا تتحقق فيه عدالة توزيع ثرواته على أبنائه،فأنه أما أن يهجره الى مكان يشعر فيه بآدميته،أو ينهبه حين يطاح بطغاته.
لقد التقط الاجنبي العبرة وتفادى في ليبيا كارثة ما وقع في العراق.فهل يلتقطها اهل الوطن انفسهم؟.
الجواب. نعم..شرط ان تعود ثروات شعوبنا لشعوبنا،ويتخلص الحكّام الجدد من سيكولوجيا الخليفة..وترف السلطنة!.

"*":للأطلاع على اسباب ما حصل في العراق،نرجو مراجعة الدراسة الموسومة:(ظاهرة النهب والسلب في مدينة بغداد بعد سقوط نظام الحكم في العراق) المنشورة في هذا الموقع..فيما الغرض من هذه المقالة الصغيرة هو الاجابة عن التساؤل الذي طرحته في مقدمتها.

*******

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 الخميس 22 -9- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان