home
tri
tri
focus
مشهد مقتل القذافي ..وسيكولوجيا الانتقام

مشهد مقتل القذافي ..وسيكولوجيا الانتقام



أ.د.قاسم حسين صالح
رئيس الجمعية النفسية العراقية

في مقال لنا بعنوان (تحليل سيكولوجي لشخصية ونهاية القذافي
المنشور في 3/3/11 ،كنّا قلنا بالنص:
(لن يستسلم القذافي طواعية الا اذا اعتقل بشكل مباغت،ولن يهرب ايضا لأن الواقع سيصدمه بحقيقة انه سيعتقل ويحاكم بتهمة ارتكابه جرائم ضد الآنسانية،ولن يعمد الى الانتحار لأنه يرى نفسه على حق وصاحب أمجاد وذا شعبية،والمرجح انه سيقاتل الى أن يقتل).
وما توقعناه في 3مارس حصل في 20 اكتوبر..ولكن ليس بتفاصيل المشهد الذي كان بطلاه جمع تملكته هستريا النصر،وفرد مدّمى يطلب الرحمة ويصفع ويهان.
كان المشهد مقززا..ومرعبا.وكان الطاغية قد تصرف قبلهم بهستيريا المصاب بوهم أنموذج البطل الشعبي الذي يحبه كلّ الليبيّن،وبما كان احرزه من شعبية جعلته يعزو احتجاجات الناس وسخطهم عليه الى سبب وهمي ايضا هو تناول المتظاهرين حبوب الهلوسة ،ووعدهم و(الجرذان)بأنه سيلاحقهم منزلا منزلا وزنقة زنقة..واوفى بوعده،وانقلب الأمر فلاحقوه وأخرجوه من أنفاق الجرذان!.
سيقول كثيرون:تلك نهاية مستحقة ،وأن فيها عظة وعبرة لكل طاغية.ومع أننا نعدّمثل هذه النهايات لا تليق بنا بوصفنا بشرا ولا تليق بأخلاق الثوار ،وأن العظة والعبرة للطغاة الباقين ستجعلهم أكثر قسوة ،لأنه ما من أحد يريد ان تكون نهايته بهذه البشاعة،فان ما يعنينا هنا أمرا آخر هو:
ان مراقبتنا لما جرى من احداث في العراق وليبيا بشكل خاص اوصلنا الى اكتشاف حقيقتين بخصوص الطبيعة البشرية:
الأولى: اننا نحن العرب تتملكنا نزعة الثأر وتتحكم بنا سيكولوجيا الانتقام.
والثانية: ان بشاعة الانتقام تكون بعلاقة طردية مع بشاعة الطغيان.
ففيما يخص الأولى ،فان لعلم النفس التطوري رأيا خلاصته: ان السلوك اذا تكرر عبر اجيال فانه يجري " تشفيره" ويصبح خاصية ثابتة في شخصية الانسان.
وهذا يعني ان عرب القرن الواحد والعشرين ورثوا عن اجدادهم عرب الجاهلية نزعة الثأر والانتقام من الخصوم .. جرى فيما بعد ترويضها الى :(العين بالعين والسن بالسن)..وأننا اذا اخذنا بهذا المبدأ (الأكثر تحضرا)وطبقناه على الواقع فاننا،باستثناء المساكين جدا،سنعيش في عالم من العميان والدردان!.
والكارثة،أن نزعة الثأر الجاهلي كانت في زمانها بين فرد وآخر أو قبيلة وقبيلة،فيما حولتها السياسة في زماننا الى ثأر بين حزب وحزب وقومية وقومية وطائفة وطائفة..وحصل بيننا،نحن العراقيين بالذات ،ما جعلنا نفغر افواهنا هلعا،ليس فقط من هول ما حصل ..بل من صدمتنا بأنفسنا..من فاجعة كيف أننا بشعون لدرجة اننا نقتل خصومنا (أهلنا)ونمثّل بهم ونتلذذ بقلع عيونهم وحفر جماجم رؤوسهم!.
وفيما يخص الحقيقة الثانية التي صغناها بقانون اجتماعي-نفسي (بشاعة الانتقام تكون بعلاقة طردية مع بشاعة الطغيان)..فدليلنا على ذلك،لو أن صدام حسين كان قد وقع بيد العراقيين لقطّعوا اعضاءه وطافوا بها في مدن العراق..فيما الليبيون كانوا (أفضل)في محافظتهم على جثة القذافي!واكتفائهم بعرضها عارية ملطخة بالدم،ولم يتعاملوا مع انصاره تعامل العراقيين مع اعوان صدام الذين وضعوا اطارات السيارات في اعناقهم واحرقوهم وهم احياء..وهذا يعود الى أن الطغيان في العراق كان أقسى وأبشع ،وأن العراقيين اصحاب (سوابق) بامتياز في هذا الشأن. فقد طافوا بأعضاء الأمير عبد الاله في شوارع بغداد مع ان الرجل ما كان طاغية..وجرى سحل البعثيين والقوميين في شوارع الموصل ..وقتل آلاف الشيوعيين والتمثيل بهم وشواء لحم قادتهم ..الى اقتلاع البعثيين واجتثاثهم من الجذور حاليا!.
مرة اخرى اقول ان ما قصدته يخص اكتشافنا لحقيقتين تتعلقان بطبيعة الشخصية العربية تثيران فينا ما يجعلنا نتأسى على حالنا أن ما يشاع عن ربيع العرب بأنه سيأتي بالديمقراطية التي تعني في جوهرها احترام كرامة الانسان وحرية الرأي..لن يحصل ما دامت تتحكم بنا نزعة الثأر وسيكولوجيا الانتقام.

*****

مقالات أخرى للكاتب

الجمعة 28 / 10 / 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان