home
tri
tri
focus
الغطرسة.. والسلطة

الغطرسة.. والسلطة

أ.د. قاسم حسين صالح

معروف عن (دافيد أوين) انه كان وزيرا لخارجية بريطانيا، ولكن غير معروف عنه أنه بالاصل طبيب نفسي، دخل السياسة وصار زعيما للحزب الديمقراطي الاجتماعي، وبرلمانيا، وعضوا في بعثة السلام ليوغسلافيا السابقه، وبها توج اعماله ليمنح لقب (لورد
ولأنه جمع عمليا بين الطب النفسي والسياسة، فأن خبرته النظرية والميدانية اوصلته الى مفهوم جديد في اضطرابات الشخصية اسمه اضطراب (متلازمة الغطرسة) وجد انه يشيع بين السياسيين، وانه يؤثر في صانعي القرار من الحكام والمسؤولين (رؤساء: بنوك، جامعات، شركات،...). واستشهد على ذلك بالقرارات التي اتخذها جون كنيدي في مشكلة خليج الخنازير للأطاحة بالرئيس الكوبي فيديل كاسترو، ولندن جونسون الذي اصيب بالأكتئاب وقراراته الخاطئه الخاصة بمشكلة فيتنام، ورئيس الوزراء البريطاني أنتوني ايدن أثناء العدوان الثلاثي على مصر واستعماله للمهدئات، وفرانسو متيران، وشاه ايران، والرئيس الامريكي نيكسون الذي اصيب بالقلق والاكتئاب.
ولدى تمعني بأعراض متلازمة (الغطرسة) التي ترجمها للعربية الدكتور احمد عكاشه الرئيس الشرفي للأطباء النفسيين العرب، وجدت ان اخطر هذه الاعراض متوافره لدى معظم القادة العرب. فالحاكم العربي مهووس بـ (ذوبان الذات في السلطة) كذوبان السكر بالشاي بحيث يستحيل فصل نفسه عن السلطة، بل انه يضع علامة ( = ) بينه والوطن، ولكم ان تتذكروا شعار (صدام حسين هو العراق!).
ولذا يبيح الحاكم العربي لنفسه استخدام اقسى وسائل العنف ضد من يهدد بقاءه في السلطة، وان اقتضى الأمر فأنه يتخذ قرار (عليّ وعلى اعدائي) لأن من اعراض (الغطرسه) ايضا (اندفاعية القرار) وهذا ما جسده القذافي ضد شعبه وآخرين تعرفونهم.
وثلاثة اعراض اخرى من (متلازمة الغطرسه) تشيع بين القادة العرب هي (استعمال لقب نحن) و (الاعتقاد الراسخ بتبرئته امام الله والتاريخ) و (الاقتناع بالاستقامه
فمع ان الحاكم العربي ارتكب افضع القبائح (افقار الناس وكنز المليارات، والقتل والتعذيب، وافساد الضمائر..) فأنه يخص نفسه بالاستقامة الاخلاقية، ويعدّ نفسه مثال المتحلي بالاخلاقيات الرفيعة، وان مساءلته هي من اختصاص الله وحده وليس للشعب حق في ذلك. وهذه ناجمة من حالة كنّا شخصناها هي ان رئيس الدولة العربي تتحكم به (سيكولوجيا الخليفة) التي تعني اعتقاده بأنه امتداد للخليفة..سلطة الله في الأرض..التي تشفرت في اللاوعي الجمعي عبر 1400 عاما.
وتنزيه الحاكم لنفسه، وعدّها القدوة في الاخلاق تعني تعظيما وتفريدا له تؤدي الى النرجسية الاستعلائيه، وازدراءا لأراء الأخرين واحتقارا للناس ينجم عنها الشعور بالمذلّة والمهانة..التي هي من اعراض (الغطرسة) ايضا الشائعة لدى الحكّام العرب.
والمشكلة ان المصاب بـ (متلازمة الغطرسه) حاله حال المصاب بالبرانويا، كلاهما لا يمتلكان البصيرة بطبيعة سلوكيهما، ويعدّان افكارهما الخاطئة والبعيدة عن الواقع، حقائق مطلقة لن يتنازلا عنها حتى لو اجمع حكماء العرب على خطئها..لأنهما مصابان بالعناد العصابي والتجمّد الفكري .
لقد اقترحنا قبل خمس سنوات اجراء فحص نفسي لمن يتولى مسؤولية السلطة. ولأن ثقافتنا لم تصل بعد الى هذا المستوى، فأن قطع الطريق امام (الغطرسه) و (المتغطرس) من قادة عرب سيأتي بهم تاريخ حكم وتراث سلطة كله (غطرسه) يكون بتضمين الدساتير العربية مادة صريحة غير قابلة للاجتهاد تحدد مدة البقاء على رأس السلطة بثماني سنوات كحد اقصى..فبها قد يكون العرب " خير أمّة اخرجت للناس! ".

*******

مقالات أخرى عن الكاتب

الإثنين 24 / 10 / 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان