home
tri
tri
focus
حمادي العلوجي..أبو عقلين

حمادي العلوجي..أبو عقلين

أ.د. قاسم حسين صالح

يتداول البغداديون مثلا يطلقونه على الرجل الذي يورّط نفسه في مأزق فيقولون عنه ( أبو عقلين).ولقد تحريت عن أصل هذا المثل فوجدته يعود الى مئتي سنة ،وتدخل واقعته بصنف
(عجيب أمور غريب قضية).
ففي العام 1812هرب سعيد بك من بغداد الى سوق الشيوخ لاجئا عند شيخ المنتفق حمود الثامر،فأرسل الوالي عبد الله باشا الى الشيخ حمود يطلب منه تسليم سعيد بك،فأجابه الشيخ (الموت دون تسليم جاري).واستطاع الوالي أن يوقع الهزيمة بالعشائر ولم يصمد مع سعيد بك سوى ثلاثين فارسا. وفجأة انقلب معظم قواد جيش الوالي وانحازوا لسعيد بك بحجة انهم تذكروا نعمة أبيه سليمان الكبير عليهم وأنهم يريدون الوفاء له بالانتصار لأبنه.وجيئ بالوالي ورمي برأسه تحت اقدام سعيد بك.
كان سعيد(صار الآن باشا) في الثامنة والعشرين من عمره حين تولى الحكم.وكان مترفا..مدللا..لا يعرف من دنياه سوى الملذات،وصار الأمر بيد حمود شيخ المنتفق وسعيد مثل طفل بيديه.غير أنه استطاع بعد أربع سنوات تأسيس حكم قوي بأسناده منصب (رئيس الوزراء)الى رجل محنّك اسمه داود أغا.وصار الناس يهابونه لدرجة أنهم اذا رأى أحدهم موكبه قادما نهض وأحنى جسمه الى الأمام أو رفع يده الى شفتيه ثم وضعها على جبينه..فقلبه..بمنتهى الاحترام،على حد وصف بكنغهام في كتابه (رحلتي الى العراق).
غير أن هذا الوالي (الأبّهة) وقع في عشق غلام مليح أسمه (حمادي العلوجي) لدرجة انه ما كان يطيب له سوى قضاء أوقاته بالقرب منه،فسيطر عليه هذا الغلام سيطرة شبه تامة!.
و(حمادي العلوجي)هذا هو الذي اشتهر بلقب (أبو عقلين)،والمظنون أن والده جاء به من قرية في الشام أسمها (بعقلين) فحرّفها البغداديون الى (أبو عقلين)ليسخروا من الذي يورّط نفسه ويدعي أنه ذكي.
غير أن (حمادي العلوجي)كان ذكيا وقوي الشخصية ومليحا(أوقع من وسيم!).وأخذت سيطرته على الوالي سعيد تزداد يوما بعد يوم حتى وصل أخيرا لمنصب رئيس الوزراء! وصار يأمر وينهي كما يشاء.
ويروي سلمان فائق في كتابه (تاريخ بغداد) بشأن العلاقة العاطفية بين الوالي وحمادي،فيقول:(أما محبته لحمادي أغا التي بلغت درجة العشق والهيام وأصبحت حديث الخاص والعام بالاضافة الى ما كان يتمتع به المومى اليه من حسن وجمال فان كل ذلك قد حمل الناس على اتهامه بالانحراف الجنسي ولا دليل ينفي عنه تلك التهمة).ويمضي في القول الى أن تلك العلاقة أدت الى تدهور الأحوال في العراق حيث انشعل الوالي بعشقه وأهمل شؤون الحكم فانتشرت الفوضى والاضطرابات.
غير ان داود أغا الذي كان عينه رئيس وزارء وعزله تنفيذا لطلب أمه،استطاع أن يستقطب المعارضين ويحاصر بغداد.وحين أدرك سعيد باشا خطورة الموقف آثر أن يرضخ للأمر ويترك بغداد،الا أن عشيقه حمادي أغا ثناه عن عزمه وحثه على الصمود..وانتهى الأمر بدخول داود أغا الى بغداد فاستقبله الأهالي استقبالا رائعا..وجرى البحث عن سعيد باشا فوجدوه بحضن أمه! فضرب عنقه رئيس الانكشارية بالبلطة فتدحرج الرأس أمام أمه وبقي الجسد بحضنها.أما المعشوق..المليح..الذكي..حمادي اغا..أبو عقلين..فقد ألقي القبض عليه ثم قتل بعد تعذيب طويل! وبشع!.
وتحار في أمر حكّام العراق،فمنهم من يقتله فسقه،ومنهم من يقتله ظلمه،ومنهم من يقتله خصمه حتى لو احتمى بأمه!،ومنهم من لا نتمنى أن يقتله فساده!..وهذا وارد لأن كل تلك الحالات سبقتها فوضى واضطرابات وأهمال لأمور الناس!!
أللهمّ أبعدنا عن السياسة..فكثير من فيها اما ناكح او منكوح.

*****

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 الإثنين 8 -8- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان