home
tri
tri
focus
ثورة الحسين..المشترك بين العلمانيين والاسلام السياسي

ثورة الحسين..المشترك بين العلمانيين والاسلام السياسي

أ.د.قاسم حسين صالح
رئيس الجمعية النفسية العراقية

قد يبدو العنوان لكثيرين فيه نشاز او استفزاز..فما الذي يجمع بين علمانيين يعدّهم البعض ضد الدين وبين اسلاميين متدينيّن في ثورة قادها امام ضد شاب أحمق نصبّه أبوه خليفة بالوراثة على أمّة كانت في زمانها تعدّ الأفضل بين الأمم والأسبق في اعتمادها مبدأ الشورى في الحكم؟.
والعنوان يلفت الى مسألة كبيرة هي أن ثورة الحسين (اشتراكية )في قيمها وجوهرها .فأهم الشعارات التي رفعتها الثورة الفرنسية وثورة اكتوبر الاشتراكية مطابقة لها تماما في هدفين رئيسين:الوقوف بوجه طغيان السلطة،وتحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس.بل أن ثورات العرب في ربيعها هي في جوهرها (حسينية) الشعارات :الكرامة والحرية والعدالة.والمفارقة أن الذي قطف ثمار هذه الثورات هو الاسلام السياسي الذي لا يؤمن بالقيم الاشتراكية التي تتبناها القوى العلمانية ،مع ان شعاراتها الحياتية اقرب الى العلمانية منها الى الدين.

ومن غرائب الامور ان ثورات عظيمة قامت بها شعوب وجيوش، باتت الآن منسية، فيما ثورة الحسين تتجدد وتبقى خالدة رغم ان القائم بها كان رجلا واحدا، وانه مضى عليها اكثر من الف عام..والسبب هو ان الصراع بين الاستبداد والطغيان والاضطهاد وظلم السلطة من جهة، وبين الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية واحترام الانسان من جهة اخرى..مسأله ازليه..لا يحدها زمان ولا مكان، ولا صنف من الحكّام او الشعوب. ومن هنا كان استشهاد الحسين يمثل موقفا متفردا لقضية انسانية مطلقة مادامت هنالك سلطة فيها حاكم ومحكوم، وظالم ومظلوم،وحق وباطل.
صحيح ان كثيرين عبر التاريخ كانوا ابطالا في الوقوف بوجه طغيان السلطة، وان نهاياتهم كانت تراجيدية، غير ان تراجيديا مقتل الحسين كان كل مشهد فيها يجسّد فاجعة تلهب المشاعر وتعصف باقصى درجات الانفعالات الايجابية والسلبية معا..التعاطف مع الضحية لدرجة التوحّد بها ، وادانة الجلاّد باحتقاره معنويا وتمني النيل منه بالانتقام جسديا.

كانت تراجيديا من نوع فريد..ليس فقط في الموقف البطولي لرجل في السابعة والخمسين يقف بشموخ وكبرياء امام آلاف الرجال المدججين بالسيوف والرماح المنتظرين لحظة الايذان بالهجوم عليه وقتله، ورفضه عرض مفاوض السلطة بأن يخضع لأمرها وله ما يريد، وردّه الشجاع بصيحته المدويه: (هيهات منّا الذلّه) مع انه يعلم أن الطامعين بالمكافأه يتدافعون في أيهم يقتله اولا، وأيهم سيمثّل بجثته..بل ولأن المشهد كان فيه نساء واطفال..وكأن الحسين اراد ان يثبت للبشرية ان بشاعة طغيان السلطة في أي نظام بالدنيا،تتجاوز وحشية الحيوانات المفترسة.
فأي مشهد تراجيدي افجع من مشهد قطع رؤوس وتعليقها في الرماح والطواف بها بين البلدان لمجرد ان اصحابها جاءوا يطالبون باصلاح حال السلطة والناس ؟!. وأي مشهد تراجيدي أفجع من مشهد طفل رضيع ينحر بسهم بين يدي ابيه طالبا منهم له شربة ماء؟! وأي احتجاج أبلغ وأقسى وأوجع من ثائر يرمي بوجه السماء دم ابنه الرضيع المنحور بين يديه..مع أنه ثار من أجل تحقيق عدالتها؟!
كان بامكان الحسين ان ينجو هو وأهله واصحابه بمجرد ان ينطق كلمة واحدة:(البيعة)..لكنه كان صاحب مبدأ):خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدّي)،ولأنه وجد أن الحق ضاع:(ألا ترون أن الحق لا يعمل به)،ولأن الفساد قد تفشى وشاعت الرذيلة وتردت الأخلاق،ولأن مباديء الثورة المحمدية ابتلعتها سلطة باطل.فكان عليه ان يختار بين أمرين:اما ان يحيّ مباديء الاسلام بموته أو ان يميتها ويبقى حيا..فاختار الموت..وتقصّد أن يكون بتلك التراجيديا الفجائعية ليكون المشد قضية انسانية أزليه بين خصمين:سلطان جائر ..خلفه مريدوه ومحبو الثروة والسلطة وبقوة رهيبة، وحرّ ثائر وخلفه عن بعد جموع المضطهدين والمحرومين والمغلوب على أمرهم.

القيم المهمشة في ثورة الحسين

اولى هذه القيم اننا لم نقدّم الحسين الى العالم بوصفه ثائرا من اجل كرامة الانسان وحريته والمطالب بتطبيق قيم الحق والعدالة الاجتماعية والوقوف بشجاعة بوجه الظلم والقهر والاستبداد..بل قدمناه بوصفه رجل دين ثار من اجل قيم دينية .والمصيبة ان معظم العرب لا يعرفون من هو الحسين ،بل ان الطلبة في البلدان العربية يقرأون عن هذه الواقعة الملحمية في كتب التاريخ المنهجية اشارة عابرة عن ان معركة وقعت في 61 هجرية بين خليفة المسلمين وبين خارجين على طاعته!..مع أن غاندي في الهند قد تعلّم منها. والسبب في ذلك ان العداء الطائفي نسب الضحية الى المعارضين لأنظمة حكم كانت ترى في اذكاء قيم هذه الملحمة قنبلة تنسفها،وان المعارضين في المقابل استأثروا بها لأنفسهم مع ان الحسين كان رمزا لكل مظلوم وثائر على سلطة مستبدة وسلطان جائر ..الآن وغدا.
وقيمة اخرى لم تأخذ استحقاقها هي ان هذه المواجهة بين جبهتي الحق والباطل قدمت لأول مرّة في تاريخ الاسلام امرأة شجاعة ..ثائرة..قوية الحجة والمنطق تقف بوجه سلطان جائر وتردّ عليه الكلام بما يخرسه ويحقرّه.تلك كانت زينب التي قدمناها..ثكلى..ندّابة ..تبكي وتلطم ..ننظم على لسانها قصائد الفواجع التي تثير البكاء والنواح..مع انها كانت عصية الدمع وأقوى من انكسار يلوي ظهر رجال.

تجيير الثورة..بأسم الشيعة

مع ان ثورة الحسين كانت ذات مضمون انساني ،بمعنى ان دلالاتها والاقتداء بها لا تخص شعبا بعينه بل الانسانية جمعاء ،وحيثما كان هنالك نظام يحتكر السلطة والثروة ،فانه جرى للأسف تضييق هذا البعد وجعله محصورا بطائفة محددة ،مع ان هذه الثورة ما كانت طائفية ولا محسوبة لجماعة معينة،بل كان فيها الحجازي والشامي والعراقي واليمني..والمسلم والمسيحي.ويبدو أن السبب في ذلك ما كان عراقيا ..بل ايرانيا لأسباب يطول شرحها.ولقد حان الوقت لمنح هذه الثورة بعدها الانساني بعد ان توافرت لها الظروف السياسية والاجتماعية والاعلامية.لكن هذا لن يتحقق اذا جرى التركيز على الجانب الديني والطائفي،لسبب سيكولوجي هو أن الأديان والطوائف الأخرى لا تتقبل ان تطرح عليها القضايا بصيغة المفاضلة،فيما تتقبله اذا طرحت بصيغته الانسانية، واذا جرى التركيز ايضا على ابعاد ها الاجتماعية والاخلاقية والاقتصادية.كما أن البعد الانساني لهذه الثورة لن يأخذ مداه اذا كانت السلطة وراء الترويج لها كما هو حاصل الآن في عدد من الدول الآوربية حيث تقوم بعض السفارات العراقية باحياء هذه المراسيم ،فلا يتقبلها الأوربي لأن عقله تحليلي يبحث عن المصدر الذي يوصله بالنتيجة الى انه طائفة استلمت سلطة..فيما لن يتقصى ذلك لو ان المراسيم كانت عفوية تلقائية وبهوية انسانية.
واللافت أن المواكب الحسينية ازدادت في السنوات الأخيرة وصارت الأرقام تتحدث عنها بالملايين.ويبدو ان احد اسبابها هو ان الشيعة بوصفها كانت طائفة مضطهدة تريد ان تقول للآخرين عبر هذه الطقوس اننا رغم ما تعرضنا له من اضطهاد وظلم واستبداد..فأننا هاهنا موجودون وأن قوتنا في ازدياد ليس محليا فقط وانما عالميا ايضا حيث الألاف من انحاء العالم يأتون لمشاركة اخوانهم الشيعة في العراق..ليشكلوا قوة عالمية جديدة معترف بها..وأن صوتنا الذي كان محصورا بحدود منابرنا صار الآن مسموعا على مستوى العالم.(54 فضائية نقلت مراسيم عاشوراء هذه السنة).
وفي هذا نقول ان لكل طائفة او قومية الحق في التعبير عن معتقداتها وتقاليدها وطقوسها وأن على الآخرين احترام ذلك..لكن تجيير ثورة الحسين باسم طائفة يفقدها بعدها العالمي لأنها قضية انسانية.ونلفت الانتباه الى اننا لاحظنا غلبة اللونين الأسود والأحمر في هذه المسيرات المليونية..وهذا يعني سيكولوجيا اثارة انفعالي الحزن والثأر بين الناس.ومع أن العراقيين نكفيهم احزان فواجعهم..فان ما يثيره الانفعالان يتناقض مع الديمقراطية التي ينبغي ان تشيع الفرح والتسامح بين العراقيين ليعيشوا حياة ممتعة كباقي البشر.

العلمانيون..خارج السرب

لو ان العلمانيين تحدثوا ،في مناسبات عاشوراء،بما تضمنته ثورة الحسين من قيم العدالة والحرية والكرامة الانسانية واقامة سلطة الحق (وهي قيم اشتراكية،او لنقل..ليبرالية)فانهم سينظرون الى أنفسهم كما لو انهم يغنّون خارج السرب..وهذا صحيح لو أن ذلك حدث في زمن النظام الدكتاتوري..لكنهم لو تحدثوا بها الآن لالتحقت بهم حصة من سرب الزيارت المليونية تكون،ان اجادوا فن الخطاب..في ازدياد ،لأن هذه الجماهير المليونية نكبت بحكومة هم جاءوا بها..فخذلتهم وعظّوا اصابعهم البنفسجية ندما على ما فعلوا.وهذا يعني انهم يريدون بديلا مؤتمنا..مخلصا..كفوءا ،لا يصيبهم بخيبات قاتلة، أوجعها (من أحدثها) أن حكومتهم عوضت شهداء تفجيرات البصرة الارهابية (أربعة ملايين دينارا الا ربعا) للشهيد الواحد لا تكفي للملمة اشلائه ودفنه.وأقبحها شيوع الفساد ليصبح عراق الحسين في زمن حكم الاسلام السياسي ثاني أفسد دولة عربية ورابعها في العالم..مع ان بين كبار المسؤولين من يدّعي ان الحسين جدّه..والله اعلم لو ان الحسين ظهر الآن في بغداد..ماذا سيحصل له!.
كان على العلمانيين التقاط هذه الأمور التي تمس حياة الناس.فالفساد كان أحد أهم اسباب ثورة الحسين.والتشابه صارخ بين ما كان وما هو كائن ،وهذه مفارقة مؤلمة.فالسلطة في زمن يزيد احتكرت الثورة لنفسها ولأقارب السلطان وعاشوا حياة الترف والبذخ وتركت الناس تعيش حياة بائسة.وهذا ما هو حاصل الآن وياللفاجعة!.فأكثر من أربعة ملايين عراقي هم تحت خط الفقر مع انهم في اغنى بلد في العالم!.وحجم البطالة هو الأكبر على مستوى الدول العربية ،والمدن العراقية هي الأكثر اهمالا على مستوى العالم ،فيما الذين تولوا السلطة من تسع سنوات امتلكوا البيوت الفاخرة في عواصم الدنيا ،ويتقاضى كبراؤهم رواتب ضخمة (75مليون دينار راتب رئيس الجمهورية ومثله لرئيس الوزراء) فضلا عن امتيازات خيالية تفوق الراتب اضعافا..وايفادات ترفيه وترف سفيه.
والذي يستبطن حال العلمانيين وهم يشاهدون الملايين في مراسيم عاشوراء،فان لسان حالهم يقول:(أيها العلمانيون..بعد ركضة طويريج..أغسلوا ايديكم!).بمعنى ان هذه الجماهير المليونية هي من حصة الاسلام السياسي في الانتخابات..وليس هذه بصحيح قطعا.ذلك ان غالبية هؤلاء الزائرين يعمر قلوبهم حب خالص لشخص الحسين لا علاقة له بالسياسة ،وبينهم من يتماهى بشخص الامام..اعني الاقتداء بخصاله العظيمة وقيمه النبيلة..وأن بكاءهم على الحسين قيمة انسانية،ومن لا يتعاطف مع هذه الفاجعة التراجيدية..سواء بالمشاركة الوجدانية او استدرار الدموع، لا يمتلك قلبا انسانيا..فدموعنا تتساقط احيانا حين نرى مشهدا مأسويا في فلم اجنبي..فكيف لا تترقرق عيوننا أسى وجدانيا انسانيا لفاجعة واقعية تحز فيها رؤوس وتذبح اطفال وتسبى نساء ويطاف بهن وبرؤوس آبائهن وأحبتّهن..مدنا وبلدانا!.
غير أن الاسلام الساسي هو الأذكى في توظيف هذه المراسيم لأغراض سياسية،بأن عمد الى جعل الملايين من الزائرين تغرق في عواطفها وتعطّل وعيها في التفكير بقيم ثورة الحسين الانسانية،فيما العلمانيون يؤخذ عليهم ،او ينسب لهم ،او يفبرك ضدهم ،انهم " يسفهون "البكاء ،وكان عليهم ان يعدّوا البكاء ،"وليس ضرب الزنجيل والقامة التي نهت عنها مرجعيات دينية"،مشاركة وجدانية حقيقية وليس تزلفا او مراءاة ،ويستثمروا الفرصة بانارة وعي هذه الجماهير بقيم ثورة الحسين التي تمس واقعهم الحياتي واصلاح حال السلطة والناس بأن ينتخبوا ليس من يحثهم على جلد الذات ويشرنقهم بانفعالاتهم ،بل من يغير حالهم ويحترم قيمهم ومعتقداتهم.

هل يلتقي الضدان؟

تصور السياسة ان المتدينيّن والعلمانيّن ضدان لا يلتقيان..وهذا صحيح حين يكون النظام دكتاتوريا أو دينيّا..لكن الأمر يختلف حين يكون النظام ديمقراطيا،لأن احترام الرأي والمعتقد والطقوس والتقاليد..مسلمات اساسية في الديمقراطية..ولأن الجميع يسهمون في تحقيق الحياة الأفضل للناس وملتزمون بالتداول السلمي للسلطة.
وهنا نلفت الانتباه الى مسألة غاية في الأهمية هي أن ثورة الحسين يمكّن ان توحّد بين المتدينيّن والعلمانيّن لأن كليهما يؤمنان بأهدافها وبالقيم التي تدعو الى تطبيقها .والأمر يقتضي ان يبادر العلمانيون الى تحقيق ذلك .وبالمناسبة،وقد تبدو هذه مفارقة..ان كبار الشيوعيين العراقيين هم ابناء رجال دين!.فحسين محمد الشبيبي عضو اللجنة المركزية للحزب الذي اعدم مع فهد عام 1949 ،نجفي شيعي..والده رجل دين "معزّي".وسكرتير الحزب الشيوعي العراقي حسين احمد الرضي "سلام عادل" الذي مات تحت التعذيب عام 1963 ،نجفي شيعي والده "سيد" ورجل تقي .وعامر عبد الله عضو المكتب السياسي للحزب ،سنّي..ابوه مؤذّن للصلاة في جامع بمدينة عنه. ووالد عزيز شريف وعبد الرحيم شريف، خطيبا في الجامع نفسه..وكذلك كان والد شريف الشيخ. وجمال الحيدري ،كردي من عائلة الحيدريين ..عائلة اسياد.ومحمد حسين ابو العيس ،مسؤول مكتب الفلاحين بالحزب..شيعي كظماوي من عائلة اسياد. ووالد بهاء الدين نوري ،كردي ..مدرّس في جامع ساح رحيمين بالسليمانية ..وجميع هؤلاء لمن لا يعرفهم احتلوا اعلى المواقع في قيادة الحزب الشيوعي العراقي.
هذا يعني ان التعايش او التقارب بين المتدينيّن والعلمانيّن بقواهم المختلفة حالة ممكنة التحقيق، والخطوة الأولى تبدأ بردم الفجوة النفسية بينهما،والأمر يقتضي – نكرر- ان يبادر العلمانيون الى ذلك باعتماد خطاب يغير الصورة التي يحملها المتدينون عنهم.
ان ما تضمنته هذه الورقة يحتمل الرأي والرأي الآخر ويصلح مشروعا لحوار يحترم الفكر والمعتقد المغاير ويناقش بمنطق وموضوعية وبأسلوب مهذّب.

*******

مقالات أخرى للكاتب

 الخميس 15 / 12 / 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان