home
tri
tri
focus
سيكولوجيا الفساد في العراق

سيكولوجيا الفساد في العراق

أ.د.قاسم حسين صالح

 
   تشير التقارير ان العراق صار ثاني افسد دولة عربية ورابعها في العالم. فما الاسباب التي جعلته يتحول من حالة محدودة الى ظاهرة؟

  بدايات هذه الظاهرة تعود لعام (1980) في المؤسسة العسكرية تحديدا" بين ضباط وميسوري حال من المجندين بدفع رشا و (هدايا) الى آمريهم للحفاظ على حياتهم او الحصول على اجازة يمارسون فيها اعمالا" تدرّ عليهم رزقا" أوفر من رواتبهم، و"شراء" قادة عسكريين بمنحهم اوسمة شجاعة بمكافئات مالية ضخمة واراضي، خلقت منهم فئة ثرية جدا" ولدّت لدى الضباط الآخرين الشعور بالحيف فأخذوا (حقهم) من الدولة بالرشوة والاختلاس، نجم عنها (تطبيع نفسي) مهد لقبول هذه الظاهرة .

 وجاء الحصار الذي اضطر اساتذة جامعة ان يعملوا (سواق اجرة) ويفتح مدرسون (بسطيات.. جنبر) لبيع السجائر،فدخل الفساد المؤسسات التربوية المسؤولة عن صنع الأخلاق ليلوث الضمائر الفتية ويهيؤها لمرحلة القبول حين تصبح شابة، لينتقل ( التطبيع) الذي مارس عملية (ترويض الضمير) لثماني سنوات، الى حالة (القبول) المبرر نفسيا..لثلاث عشرة سنة .

  في العام(2003) أطاح التغيير بالنظام ولم يطح بالفساد،بل توزع المحرومون على صنفين: سياسيون استلموا السلطة واستولوا على ممتلكات اشخاص ودولة، و (حواسم) نهبوا وفرهدوا ونطوا من الحضيض الى (القمّة)..بنوا العمارات (بأحدى مناطق بغداد نقطة دالة اسمها عمارة الحواسم!) واشتروا الشقق الفاخرة في عواصم عربية. ولأنهم لم يحاسبوا، فقد ظهرت فئة من الناس اطلقوا على انفسهم (النوادم) لأن ضميرهم الذي عدّ النهب حراما" في لحظته، تبين لهم فيما بعد انهم اضاعوا الفرصة فصاروا من النادمين!. ويعني هذا سيكولوجيا، تعطل الضمير الاخلاقي لدى الذين كانوا مترددين في حوادث النهب والفرهود، وزيادة مساحة قبول الفساد المالي اجتماعيا ".

   وبتعرض العراق لأخطار داخلية وخارجية ظهر عامل نفسي جديد ضاغط هو ( قلق المستقبل) اشاع الظاهرة اكثر في زمن البرلمان الأول، وتحكّم بالغالبية المطلقة من المسؤولين فعدّوا وجودهم بالسلطة (فرصة) عليهم ان يستغلوها بما يؤمّن لهم ولأسرهم مستقبلا" ماديا" مضمونا". وبممارستهم له صار فعل الفساد( شطاره) وتوقف الضمير عن التأنيب بعدّ الفساد حراما ".

   وبتعمق المحاصصة والطائفية السياسية شاعت (سيكولوجيا الاحتماء) التي تعني ان ابن الطائفة يحميه حزبه الطائفي،دفعت بعدد من هذه الطائفة وتلك الى سرقة المال العام في اتفاق ضمني:( اسكت وأنا اسكت) منحهم الشعور بالأمن النفسي.وصار الفساد بحجم أكبر لم يشهده تاريخ العراق والمنطقة و"الفضل" في ذلك يعود لأمريكان وأجانب جرّؤا عراقيين على "هبرات" كبيرة..وأمّنوا لهم الحماية .

  وبسكوت الحكومة الحالية عن محاسبة الفاسدين، وتبادل التهم  بين معممين سياسيين بشكل خاص ومدّعين بالزهد والنزاهة..افتقد الناس انموذج القدوة وصار الموظف البسيط يردّ على ضميره:( اذا كان قدوتي يرتكب هذا الفعل..فأنا لست بأحسن منه.واذا كان حراما..فلأضرب ضربتي..ثم اذهب الى الحج واستغفر ربي..والله غفور رحيم !).

  ان تفاعل هذه الآليات على مدى ثلاثين سنة أفرز نتيجة سيكولوجية هي أن الناس حين تضطر الى قبول أو غض الطرف عن سلوك كانوا يرفضونه،ويجدون أنفسهم غير قادرين على تغييره،انتشر بين غالبيتهم مخرجينه بتبريرات واسقاطات تعطّل تأنيب الضميرعلى هذا الفعل.وبما أن الفساد شاع سيكولوجيا واجتماعيا فان النصائح والمواعظ والتثقيف وخفض الرواتب الكبيرة...لن تقضي عليه،لأن الضمير الذي يتوقف فيه نبض الحلال والحرام يصبح مثل قلب توقف..لن تعيد نبضه الا رجّة كهربائية.والرجّة للفساد تكون بتشكيل محكمة من قضاة مستقلين تبدأ بمحاسبة الحيتان الكبيرة..يأخذ فيها كل فاسد ومفسد جزاءه بالعدل، وتسترد  ليس أموال الناس فقط..بل الضمير الذي تهرّأ..وهذا أثمن

********

مقالات أخرى للكاتب

الأحد 22-5-2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان