home
tri
tri
focus
الابداع ..عالميا وعربيا.. تقرير عن مؤتمر اسنطنبول

الابداع ..عالميا وعربيا.. تقرير عن مؤتمر اسطنبول

أ.د. قاسم حسين صالح

في تموز 2011 وعلى مدى أربعة أيام ،عقد المركز الدولي للتطوير التربوي، ومقره في المانيا، مؤتمره الخامس حول الموهبة والابداع والتربية النوعية بالتعاون والتنسيق مع جامعة اسطنبول وعدد من المؤسسات الدولية.
ويعد هذا المؤتمر الذي يحتل مكانة بارزة على الساحة التربوية العالمية من ابرز المؤتمرات الدولية ،اذ تحدث فيه علماء يمثلون عددا من الدول المتقدمة:أميركا،كندا،بريطانيا،اليابان،السويد،ايطاليا..وأخرى آسيوية وأفريقية..فضلا عن تركيا..الدولة المضيفة.
افتتح المؤتمر رئيسه (سيراب امير) بكلمة ترحيبية عبرت فيها عن اعتزاز جامعة اسطنبول وشعورها بالفخر في تنظيم ابرز مؤتمر دولي يعمل على خلق فهم جديد للتربية بشكل عام وتربية الابداع بشكل خاص، وتمكين المشاركين من استيعاب معارف في اختصاصات مختلفة تمتزج بانسجام في توجّه حديث يفتح افاقا جديدة للابداع والتربية النوعية.
وفي كلمتها، اشارت ( ساندرا لينكي) مدير المركز الى ان هذا المؤتمر الذي يستضيف هذا العام حائزين على جائزة نوبل وعلماء بارزين وباحثين من دول متقدمة يعد مساهمة بارزة في تطوير الابداع والمواهب واعداد قادة المستقبل لعالم يتغير بسرعة.
وعن اهداف المؤتمر اوضح (تيسير صبحي) مدير عام المركز بأنها تتحدد بالتعرف على آخر التطورات بميدان التربية، والتكامل بين الانظمة التربوية وآخر ما توصلت اليه التكنلوجيا، ومناقشة مستقبل التربية والتحديات التي تواجهها، وتحديد الرؤى المستقبلية من خلال (سمنارات) عالية المستوى لمناقشة التنظير والتطبيق في المجالات التربوية، فضلا عن المشاركة بورش تدريبية مصممة لتطوير كفاءات متميزة للمشاركين فيها.
ولقد غطى المؤتمر عبر (130) بحثا واكثر من عشرين محاضرة لمتحدثين عالميين بارزين (Keynote Speakers) محاور مختلفة توزعت بين: التربية النوعية، الموهبة والابداع والقيادية،التعلم الالكتروني، بيئات التعلم الافتراضيه، التربية من اجل السلام، برامج الاعداد والتمكين، قضايا ومشكلات التعليم العالي، التوجهات المستقبلية في التربية والتعليم العالي،الابداع وما وراء المعرفة،الدوغماتية والقدرات العالية،والمعوقات الثقافية التي تواجه المبدعين.

عقار واحد للجميع.. ماعاد صالحا".
في محاضرته الموسومة( تطور الأدوية في القرن الواحد والعشرين:هل نحن قادمون على علاج كل الأمراض) اشار (ارون سيشانوفير) الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء، ان عقارات كثيرة مثل البنسلين والاسبرين تم اكتشافها بالصدفة، واخرى تم التوصل اليها عن طريق اشخاص يتمتعون بالفضول العلمي في التقاط ظاهرات تبدو للاخرين عادية، فيما عمل اخرون على دراسة نباتات معروفة عبر التاريخ بفوائدها العلاجية، فقاموا بتحليل مكوناتها وعزل جيناتها الفعالة باستخدام تكنلوجيا متقدمة مثل عقار (ستاتينز). ولفت الانتباه الى اننا سنغادر عصر العلاج القائم على دواء واحد للجميع لندخل عصر العلاج القائم على الفردية الشخصية..اي لكل فرد علاج خاص به تبعا لحامضه النووي..ولكم ان تتصوروا كم سيحدث هذا انقلابا في تصنيع الأدوية وفي التخصصات الطبية والصيدلانية ان تحقق توقع هذا الرجل ،الذي منح جائزة نوبل في تصميم الأدوية..فالشائع حاليا استخدام عقار واحد لكل المصابين بالسرطان،ولهذا يحصل تساقط الشعر وتغير لون الجلد والغثيان..وكثيرون لا يشفون، فيما تصنيع العقار الجديد يستهدف الخلايا السرطانية دون غيرها فيقضي عليها دون أية أعراض..وهو اكتشاف انساني عظيم..لرجل يدهشك انه قام يلقي محاضرته أمام المؤتمرين التي غصت بهم قاعة جامعة استنبول وهو يرتدي (بنطلون كاوبوي وقميص وحذاء رياضي!).

الابداع..هرميا".
في بحثه (الابداع..نوع واحد ام انواع) لفت الانتباه (دين سيمونتن) من جامعة كاليفورنيا الى ان الفكرة المأخوذة عن الابداع بأنه (ظاهرة متجانسة) تعرضت الى النقد بعد ان توصلت البحوث الحديثة الى ان الابعاد الرئيسة للابداع يمكن ترتيبها هرميا، من العلوم الى الفنون حيث الفيزياء في القمة تليها الكيمياء، البيولوجي..،علم النفس،علم الاجتماع..،واخيرا الفنون الشكلية Formal والفنون التعبيرية Expressive.واوضح أن الابداع في العلوم الصرفة يتصف بالموضوعية والمنطق والعدّ الرقمي والمنهجية، فيما يكون في الفنون ذاتيا"،حدسيا، انفعاليا، تباعديا، وغير مقيّد.وان خصائص المبدعين تختلف بحسب موقع المبدع في هرم الابداع، من الانفتاح الى الذهان في مجالات الفن والثقافة، وانهم يختلفون ايضا في خبراتهم التطورية بما فيها الخلفية الأسرية والتربية المدرسية والتدريب والمناخ الاجتماعي الحضاري.

طرائق تعليم..تقليدية.
في بحثه الموسوم (تطور المهارات التصويرية في الطفولة والمراهقة) اوضح (فولفانك شنوتز) من المانيا بأن التعليم والتعلم، كما التفكير وحل المشكلات، تستعمل اشكالا تصويرية متعددة، غير ان التفكير الابداعي يكون قائما على مرونة متبادلة بين المعارف المختلفة للقضايا التي نواجهها وما يقابلها من عمليات عقلية. وفي حين يلعب تعلم القراءة والكتابة دورا رئيسا في الأنظمة التربوية المعاصرة فأن استخدام: الصور، الخرائط،الرسوم البيانية، النقوش، في الموضوعات المعقدة وحلّ المشكلات لم يحظ باهتمام هذه الأنظمة. وقدم الباحث تحليلا لأنواع الاشكال التصويرية وما يقابلها من عمليات ادراكية ومتطلبات معرفية لدى المتعلم من وجهة نظر العلم المعرفي وعلم النفس التطوري والتربوي.

المبدعون يغيرون افكارنا
وفي ورقته الموسومة(تأثير العلماء المتفوقين في فهم العالم) اشار ( توماس كورنتز) من المانيا الى أن الأفكار الممتازة للعلماء المبدعين عبر التاريخ احدثت تغييرا في طرائق وصيغ تفكيرنا افضى الى التقدم الحضاري الذي نشهده ،وفرض علينا ضرورة تجاوز عاداتنا المعرفية والثقافية وطرائق تفكيرنا المتحجرة.ونبه الباحث الى دور التربية في احتضان الأطفال الموهوبين ورعايتهم علميا ونفسيا بخلق شخصيات منهم تتمتع بمواصفات المبدع.

العرب..الأقل حضورا".
مع ان العالم العربي هو الأحوج لتطوير انظمته التربوية، الا ان عدد المشاركين كان ثمانية متحدثين مقابل ثمانية من اسرائيل! التي تعدّ الافضل في المنطقة من حيث نظامها التربوي وما تنفقه على التربية والتعليم والبحث العلمي..حيث البحوث العلمية التي تنتجها اسرائيل تعادل عشرة أضعاف ما تنتجه الدول العربية مجتمعة!.
ولدى استفسارنا من الدكتور تيسير(داينمو المؤتمر) عن سبب عدم حضور ممثلين عن وزارات التربية والتعليم العالي العربية أجاب،لقد بعثنا دعوات لهم غير انه يجري تعتيم عليها،فالدعوة يستلمها الوزير ويحولها الى مستشاره او وكيله الذي غالبا ما يكون اداريا اكثر منه علميا فتهمل او يبعث بشخص يحضر جلسة الافتتاح ثم يغادر ويقضي باقي ايام ايفاده في أمور أخرى!.
ويضيف الدكتور تيسير المدير العام للمركز، أن الأنظمة السياسية العربية لا تهتم بهكذا مؤتمرات لأنها تريد لشعوبها ان تبقى متخلفة،فيما تعمل هذه المؤتمرات التي تجمع عقولا عالمية متميزة على نقض افكار وهدم بنى معرفية ونقد افكار وتشكيل وعي بعملية انتاج جديد للمعرفة تمنح الانسان فهما جديدا لنفسه ولنوع الحياة التي يعيشها وطبيعة علاقته بالسلطة.

العرب..والتربية والابداع
في بحثه الموسوم (نحو نظرية جديدة في الابداع..العالم العربي انموذجا) قدم (قاسم حسين صالح) من العراق صورة عن واقع الابداع والتربية عربيا اشار فيه الى ان البيئة والمناخ الاسري والتغير الاجتماعي بين المنفلت والراكد عوامل طارده للابداع في العالم العربي، تنعدم فيه شروطه المتمثله بالعدالة في تطبيق القوانيين والمعايير الاجتماعية، والمساواة بتوفير الفرص في مجالات الحياة كافة، والحرية في التفكير والتعبير والسلوك. ونّبه الى ان الافراد المبدعين هم الذين يغيرون العالم ومسار التاريخ، وان النظام التربوي والجامعي بشكل خاص هو المصدر الأساس لتخريج المبدعين،فيما الأنظمة التربوية العربية اعتمدت التلقين والحشو المعلوماتي وصاغت عبر قرون عقولا تستقبل لا تحاور او تشكك، وان الانفاق المالي على التعليم والبحث العلمي شحيح جدا برغم ان فيه دولا عربية تعدّ من الأغنى عالميا. وكما اطيح بأنظمة سياسية يقودها حكام صاروا خارج العصر، فأنه ينبغي قيام ثورة تربوية تطيح بمناهج وطرائق تدريس صارت هي الأخرى خارج الزمن. وتوقع الباحث بأن رياح التغيير التي هبت على العرب في ربيعهم ستفتح الباب نحو ابداع عربي يسهم في استقرار السلام في العالم ويحول الديمقراطية في المنطقة الى سلوك مهذب وتشيع ثقافة من نوع جديد. وناشد المؤتمرين اصدار بيان يدعو لاتخاذ اجراءات عاجلة للحفاظ على العقول العراقية المبدعة وتأمين عودة الأكاديميين والعلماء في الشتات ليسهموا في بناء وطنهم الذي دمرته الحروب.
وتبقى ثمة ملاحظة،ان الدعوة وجهت الى وزارتي التربية والتعليم العالي العراقيتين ولم يحضر أي ممثل عنهما،فيما ذكر لي ان ممثلين من وزارات عراقية يعقدون في استنبول لقاءات مع شركات تركية واجنبية لبيع وشراء عقود بصفقات مشبوهة!

****

مقالات أخرى للكاتب


 الخميس 21 -7- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان