home
tri
tri
focus
ثقافة نفسية(38): الشعر الشعبي...مازوشيا ممتعة

ثقافة نفسية(38): الشعر الشعبي...مازوشيا ممتعة

أ.د.قاسم حسين صالح

بداية ، أنا أحب الشعر الشعبي، ونظمته وأنا بمرحلة المراهقة ، لأنني نشأت في " ديوان عرب " بقرية جنوبية . وقدمت في السبعينيات برنامجا إذاعيا عن الشعر الشعبي ، وألّفت خمس أغان بأصوات مطربين معروفين .
أقول هذا حتى لا يقول عني من استفزه العنوان أنني أبن مدينة أو " حداثوي " ، إنما أتمنى عليهم " الشعراء الشعبيين " أن يفكروا فيما أقول بشفافية. ولا يعنيني هنا البحث عن أسباب أو مبررات " الحزن ومشتقاته " في الشعر الشعبي العراقي ، الناجمة عن ثلاثية ظلم " الإقطاع والسلطة والطبيعة " ، إنما أتحدث عن التأثير الذي يحدثه هذا اللون من الشعر الجماهيري ، ليس فقط في نوعية مزاج الإنسان وسلوكه ، بل حتى في تشكيل منظوره للحياة والحب . فما يفعله الشعر الشعبي ، وتحديدا : الشائع منه والمغنّى ، يشبه ما تفعله المدرسة في تشكيل تفكير الطلبة وشخصياتهم .
سنكتفي في هذه المقالة بالتقاط صفة مازوشية واحدة أشاعها الشعر الشعبي بين الناس فأقول : إنه لمن المعقول أن يتباهى الإنسان بما يملكه من مال أو أملاك أو أولاد أو جاه أو حظ ..أما أن نتباهى بأيّنا أكثر حزنا ، فتلك بالتأكيد حالة مرضية .
والشائع أنه ما أن يحضر شاعران شعبيان عراقيان في ندوة أو مقابلة فضائية حتى تراهما يتباريان " بالدارمي " بما هو أوجع حزنا وأفدح مصيبة . ومؤشر أخطر نفسيا ، أن تقويم الناس لهذا الشاعر أو ذاك قائم على أساس هذا المعيار " المازوشي !".
ولهذا تجد العراقيين – وأنا وأنت منهم – ما أن يسألنا أحد عن أحوالنا حتى نجيبه بما غنّاه رياض أحمد : " تسألني عن الحال ، حالي على حاله .. سمجه وشحيح الماي ، وبظهري فاله ". أما اذا شكا أحدهم حاله لنا فإننا نردّ عليه قبل أن يكمل : " يا أخي أنت زين ..لكن آني .. " وتروح تروي له مصائبك بتراجيديا حسينية !. وصار حالنا في التباهي بالحزن كحال تلك المرأة التي ذهبت الى صديقتها تشكو همومها، فقالت: " ما تدري بيّ الناس، العلّة خفية.. بالكلب سبع أزروف ويلاه يخيه " أي : إن الناس لها الظاهر ياأخيتي ولا تدري بأن الهموم أحدثت سبعة ثقوب بقلبي . وكان المفروض بصديقتها أن تواسيها وتهوّن عليها الأمور. لكنها أجابتها بالدارمي أيضا : " نيالك بدنياك بس سبعة أزروف ..الكلب منخل صار بيه العمى يشوف ". أي : سعيدة أنت اذا كان بقلبك سبعة ثقوب فقط ، فقلبي صار منخلا يرى من خلاله حتى الأعمى ! وهذا ما صار شائعا بيننا...التباهي بأحزاننا. وربما أن الله خصّنا بالزيادة منها أكثر من باقي البشر، لأننا نحبها!.
وثمة معلومة علمية هي أن البحوث الحديثة أشارت الى أن فاعلية الدماغ تتراجع عندما يتعرض الفرد الى انفعال الحزن . وأن الضغوط المصحوبة بالتهديد تؤثر بشكل خطر في كيميائية الدماغ . ولـ(31) سنة العراقي " يدق ويلطم " والشعر الشعبي يتولّى دور " الندّابه " المفوّهة البارعة التي تؤجج الحزن بمتعة صار التلذذ به وبها مزاجا عاما ، لاسيما بين خمسة ملايين من الشباب " أبناء الحروب الأربع!" الذين لم يعرفوا الفرح في حياتهم .
والمفارقة أن شعراء شعبيون تقدميون أشاعوا بين الناس،في اشعارهم المكتوبة والمغنّاة، عكس ما يبشر به فكرهم التقدمي

 الأربعاء 20 -7- 2011
linksLeft
نرجو من القراء الكرام عدم الإساءة الى الكاتب أو الأديان أو المنظمات أو الهيئات، والإلتزام بمهنية التعليقات
خبرة العالمية
أسرع للاعلان